أحلام من الوطن
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
دخلا مناوبة إلى الحمّام . غسلا عيونهما المحمرّة من جرّاء سهرهما الطويل ليلة أمس. تذكّر الأوّل بعد مرور برهة من الوقت أن يقول لرفيقه "صباح الخير"، ردّ الآخر التحية بهزّة من رأسه وحاول أن يزرع ابتسامة ما من بين شفتيه بالكاد ظهرت. تناولا فطوراً سريعاً ثمّ انطلقا من باب المبنى الحديدي كلّ نحو هدفه المنشود.
كان الأوّل يقصد إلى قاعة الإمتحانات في الثانوية القريبة من بيتهما، لتأدية امتحان البكالوريا الرسمي . أمّا الآخر فقد كان في طريقه نحو السفارة الأميركية للحصول على التأشيرة الخلاّبة، لإكمال دراسته هناك.
جدّ الأوّل في دراسته، وسهر الليالي الطوال، وهو يتنقّل بين الكتب المتكوّمة فوق أرض الغرفة. نسي كلّ هواياته ، أهمل كلّ أصحابه؛ المقرّبين قبل البعيدين. وبات وحيداً متوحّداً مع كتبه، ينكبّ عليها انكباب العاشق المشتاق لضمّ محبوبته بعد انقطاع وغياب. فصارت الفلسفة دينه ، وعلم النفس والإجتماعيات والطبيعيات رسله. حتّى الفيزياء الذي لم يعتد حبّه بات عنده كبير الإجلال والرهبة في الآن نفسه.
أمّا الآخر فقد أنفق الكثير من الأموال التي جمعها بعد سلسلة من الأعمال التافهة خلال العامين المنصرمين، من أجل نيل موافقة جامعة أميركية لاستقباله. وكان له ما أراد لكن بعد شهور عديدة من العذاب أمضاها يتنقّل بين دائرة رسمية وأخرى خاصة. حصل على جواز السفر وموافقة الجامعة فلم يبق سوى ختم السفارة السحري.
جلس الأوّل في قاعة الإمتحانات لليوم الثالث على التوالي – وهو الأخير. كانت القاعة ممتلئة بالطلاب والطالبات لكنّ ذلك لم يمنعه من ممارسة حركاته الإعتياديّة وهو يهمس لزميلة تارة، أو يستفهم بإلحاح عن أحد الأسئلة التي غابت عن ذهنه من مراقبي الإمتحان.
وقف الآخر في طابور طويل من طالبي التأشيرة الأميركية. كان الطابور منظماً بطريقة لم يعهدها من قبل. جعل يتساءل وهو يرى التنظيم المريب أمامه إن كان ذلك ما يسمّى بأدب التملّق، ولم يدر إن كان قد اخترع المصطلح للتوّ. وصل إلى حيث تختم الجوازات، تتغيّر الوجوه في هذا المكان وتبرز تعبيرات السعادة أو الحزن والغضب في أجلى صورها. كان هنالك رجلان بكامل قيافتهما الرسمية يجلسان خلف زجاج سميك له فتحة طويلة في أسفله. وكانت سيّدة أميركية تحاول مجاراتهما في طريقة اللبس الدبلوماسية تجلس برفقتهما. كان أولئك الثلاثة هم من يتحكّم بديكتاتورية ممنوحة لهم، بنعمة الربّ الأميركي في منح التأشيرة أو منعها عن ذلك الطابور الطويل من البشر الذين تعلّق مصيرهم عند تلك التأشيرة.
لقد انتظرا هذا النهار بشغف كبير كي يزيحا حملاً ناء كاهلهما تحته. فحين رمت الشمس أسهمها الحارقة في قلب سماء ذلك الصباح كان كلّ منهما مفعماً بآماله العريضات. كان الأوّل يمني النفس بشهادة تفتح أمامه أبواب المستقبل الزاهي. وكان الآخر يحلم بمستقبل أميركي يفتح أمامه أبواب الفرص الكبيرة والعيش الرغيد.
أصاب الأوّل خيبته بعد شهر كامل. أمّا الآخر فقد نالها في نفس النهار.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف