يوم في جنينة الصنائع في بيروت
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
نحن المتبطّلون، نقوم بأشقّ عمل في هذا البلد
أو. هنري –الملايين الأربعة
عصام سحمراني: :لم يهترئ كعب حذائه بعد. فهو وإن أمضى الأشهر الثلاثة الأخيرة يبحث عن عمل، لم يدخل مرحلة اليأس الكامل.. تلك المرحلة التي غالبا ما يرافقها اهتراء الحذاء. هذا الصباح كغيره من الصباحات خرج متأنقا من اجل مقابلة عمل أخرى، أنزلته سيّارة الأجرة قرب كلّية الحقوق في منطقة الصنائع في بيروت فكان لا بدّ له من أن يختصر الطريق عبر "جنينة الصنائع" ليصل إلى أسفل شارع الظريف حيث الموعد المرتقب.
حمل نفسه وجريدة الإعلانات في يده ودخل إلى المكان من بوابته الشمالية - وقد صودف أن كانت مفتوحة على غير عادة. مرّ مسرعاً بمحاذاة شاب وفتاة يبدو تعمقهما بالحقوق يتبادلان الغزل والعناق وهما يجلسان على العشب المندّى وقد أشرقت الشمس فوقه فبدا مزهوّاً بديعاً. تابع طريقه حول البركة الكبيرة التي تتوسّط الحديقة، تلك البركة التي لم يرها يوماً مليئة بالماء سوى بالقليل الذي يتجمّع في وسطها جرّاء المطر. وكأنّ الماء ليس سوى شهادة حياة على الذين أعدموا في وسطها أيّام الحرب القذرة، ربّما لأنّهم كانوا لبنانيين بطريقة أخرى غير تلك التي لجلاّديهم.
قطع منتصف الطريق ولم يفاجئه مشهد لاعبي طاولة الزهر الكهول الذين لم يعتادوا المكان فحسب بل اعتاد المكان وجودهم ، ولم تفاجئه رنّات نردهم على الطاولة وهم يصيحون بأصوات "سجائرية": شيش بيش، دشش، دو سي، لكنّه لم يمنع نفسه منالتساؤل عن موعد نهوضهم كل صباح.
"شوف هالمسكين حامل جريدة إعلانات!!"، جملة مفاجأة رنت في الجو جعلته يلتفت نحو مصدر الصوت والضحك الذي عقب الكلمات والذي غالبا ما لا يرافق صباحات بيروت التي تعلو وجوه صباحها دائماً إمارات الحزن والإشمئزاز والهزيمة والإنكسار والإحباط، والأرق، وسائر التعبيرات عدا راحة البال.
نظر ناحية مصدر الصوت الكهل فخفض هذا الاخير نظره مسرعا .. حاول الشاب متابعة سيره والحفاظ على عزيمته لتعود تلك الكلمات والضحكات تسيطر عليه .التفّ حول البركة ورمى الجريدة في أوّل برميل نفايات مكملا طريقه العكسية لجلس في اول مقعد شاغر. تناسى المقابلة وجلس يجول بنظره وتفكيره في المكان، فبدا في تأمّله وكأنّه داخل إحدى حدائق "الزنّ" اليابانية.
المشهد العام
لا شكّ بأنّ جنينة الصنائع أو حديقة الرئيس الشهيد رينيه معوّض؛ رئيس الجمهورية اللبنانية، والتي سمّيت باسم الشهيد بعد اغتياله في عيد الإستقلال عام 1989بالقرب من المكان. لا شكّ بأنّها إحدى أعتق المساحات العامة الخضراء في بيروت التي لا تتجاوز فيها هذه المساحات عدد أصابع اليد الواحدة.
وهي وعلى الرغم من موقعها ضمن محيط مزدحم بالسيّارات، والباصات الكبيرة التي تتخذّ مواقف عديدة بالقرب منها، وبأبواقها وصفّارات آليات الدرك ومبنى مجلس الوزراء المواجه لها من الجهة الشمالية هو وكلّية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية. على الرغم من كلّ ذلك الضجيج الا ان الغريب بالأمر إنّ الجالس فيها لا يلاحظ أيّاً من هذه الأمور وكأنّ الحديقة قد سلخت عن محيطها وعزلت تماماً.
وبالإضافة إلى الأرضية العشبية والممرات الإسفلتية التي ترتفع بينها أشجار الكينة العالية وقد حفرت شتّى الأسماء على جذوعها التي تتبدل قشورها كلّ حين. وتورف شجرات الكينة ظلّها على المكان بمساعدة طيبة من الشجيرات الصغيرة التي قصّت أوراقها بعناية تامّة لتشكّل محيطاً دائرياً متلاصقاً يتناسب مع شكل البركة في الوسط. البركة التي يحاول أحد الآباء خداع طفله قائلاً له :"شوف البحر بابا" فلا يبدو على الطفل التصديق فهو يحفظ الإمتداد الطولي للبحر على "كورنيش المنارة" ولم يعهده محصوراً هكذا بمياه شحيحة. يردّ عليه الطفل؛ "ليش ما في ميّ بابا!!؟" يعجز الأبّ عن الجواب ويغيّر الموضوع. ويكتمل المشهد مع الإنتشار الكثيف عند كلّ نقطة من السياج الخارجي لشجيرات الزعرور بحبيباتها الحمراء الصغيرة التي ما زال يشكّ بعض الصغار فيما إذا كانت تؤكل أم لا،ما يجعلهم يقلدّون عصافير الدوري وطيور اليمام التي تغطّ ملتقطة تحليتها على الزعرورة. يقلّد الأولاد هذه الطيور فيلتقطون الحبيبات ويمضغ واحد منهم حبّة منها بحذر سرعان ما يغيّر تعبيرات وجهه إلى اللا شيء ؛"لا طعم لها" يقول ويتابع جولته على الدراجة الهوائية.
قهوة ونسكافيه
مع الصباح الباكر وما زال الجوّ صافٍ ولم تغزه بعد أدخنة المحرّكات تفوح في المكان بشكل دائم رائحة القهوة فتنشر في أرجائه حقلاً مغناطيسياً يشدّ الجميع إلى مصدره. يقوم كلّ من لم يأخذ فنجاناً بعد إلى المصدر؛ عربة القهوة عند مدخل الحديقة الجنوبي. هنالك إناء من الألومنيوم في العربة لتسخين المياه بالإضافة إلى العدّة المتكاملة الخاصة بالقهوة والشاي والنيسكافيه من سكّر وحليب وبنّ وأكياس شاي صغيرة هنالك أنواع متعدّدة من المواد الأوّلية للمشروبات بعضها في أكياس صغيرة جاهزة للغطس في المياه الساخنة كالزهورات والنعناع وبعضها الآخر موضوع في أكياس أو علب كحالة الزهورات المعطّرة التي أوصى عليها البائع من قريته البقاعية البعيدة.
وباختصار تامّ فإنّ هذه العربة الصغيرة تشكّل مقهى متكاملاً لا ينقصه سوى الكراسي والطاولات التي يستبدلها "الروّاد" بمقاعد الحديقة في الداخل. أمّا البائع أو "معلّم القهوة" فهو شاب لم يتجاوز الثلاثين من العمر يترك أحياناً كثيرة عربته لتوصيل طلب ما إلى الداخل فيمشي مسافات طويلة من أجل ذلك. لكنّ ما يسهّل عليه عمله هو حفظه للأماكن المفضّلة داخل الحديقة لكلّ واحد من زبائنه الكثر يطلبون ما يريدون عند دخولهم ويتكفّل هو بالتسليم.
بعض الزبائن لديه بات يخدم نفسه بنفسه في حال عدم تواجوده قرب العربة ، أمّا من لا يملك كلّ هذه المعرفة الوثيقة أو "الخوش بوشيّة" باللبنانية معه فبإمكانه إمّا الإنتظار أو الرجوع من حيث أتى وانتظار جولة بائعة القهوة السمراء الجميلة بملابسها الفولكلورية من أمامه لتسأله مع كلّ مرور لها إذا ما كان يرغب في فنجان قهوة. طبعاً سيطلب فنجاناً، أوّلاً لأنّه يحتاج بكلّ شرايينه إلى فنجان قهوة بكافيينه وهاله والرائحة الفوّاحة الشهية التي تخرج من الإبريق الفضّي في يد الفتاة. وثانياً لأنّ القهوة "في كفّ جارية ممشوقة القدّ" آه يا أبا نواس آه.
لاعبو الطاولة
غالباً ما تكون المعادلة في حالة الكهول الرجال العاطلين عن العمل وفي حال لم يتّجهوا اتجاهاً دينياً كالتالي: كهل + بطالة= طاولة زهر، أو سبق خيل، أو كشّ حمام، أو كلّ هذه الأمور مجموعة ببعضها البعض. تلك هي المعادلة التي لم يشذ عنها كهول جنينة الصنائع المتبطّلون، فمع السيجارة أو "نبريش" الأركيلة في إحدى اليدين، ومع المسبحة البرتقالية أو الزرقاء ذات الحبوب الثلاثة والثلاثين الكبيرة وجريدة السبق باليد الأخرى، ومع التعمّق وذهاب الخيال في أسماء خيلها و"فتح النفس" و"الدوبليه" و"البلاسيه" و"الثلاثية" و"الفافوري" و"فلتة الشوط" و"دفع الليرات" يكتمل مشهدهم هناك.
وفي حين يلعب اثنان منهم لا أكثر لعبة "الفرنجية"، "المحبوسة"، أو "اليهودية" في الطاولة أمامهم يتجمّع الباقون وهم يشجّعون ويحابون واحداً على الآخر في مشهد يذكّر بما قاله يحي حقّي في قصّة "كن...كان": "المحايد المحروم من لذّة المشاركة في الصراع يتسلّى بمقدرته على الموازنة بالعدل والقصاص". عذراً من الأديب الكبير المغفور له فإنّ هؤلاء المتفرّجين لم يكونوا يوازنون بتاتاً بل كانوا يتهجّمون على اللاعبين بدهاء سرعان ما "طلّع خلق" أحدهما وبدأ بشتم واحد من المجموعة على وقع ضحك الباقين.
هؤلاء الأشخاص هم ملوك جنينة الصنائع وملاّكها وصانعو الحيوية فيها منذ ما قبل الصباح الذي نعرفه حتّى أواخر النهار، وهم حين لا يجدون أحداً من المارّة يهزأون به ويجعلون منه تسلية لهم يبدأون بأنفسهم. ولا تنتهي مشاحناتهم الجميلة لشخص يراقبهم من على بعد بركة حتّى يقرّر أحدهم "الزعل" وأخذ الموقف جرّاء خسارة ما في اللعبة التي أمامه أو من جرّاء تذكيره بما ارتكب في حفلة السبق الأخيرة من حماقة. حماقة كالتي ارتكبها واحد منهم حين رفض لعب "تعليمة" لحصانين أعطاها له المشاحن. وكأنّ لسان حال آخذ الموقف "الحردان" يماثل ذلك الذي للأستاذ "نور" في مسرحية "شي فاشل" لزياد الرحباني وهو يقول للمعلّم عزيز:"أوّل مرّة بيطلع معك حقّ مشّيلنا ياها!".
المتنزّهون
أمّا المتواجدون غير الدائمين في جنينة الصنائع فهم عائلات تأتي بأولادها للعب في هذا المكان الأخضر الفسيح والقريب من الأحياء الشعبية للعاصمة . أحياء مثل "الملاّ" و"عائشة بكّار" و"زقاق البلاط" و"حيّ اللجى" إلى حدّ ما. ويجلب غالباً أولئك الأهل بعض المأكولات والمشروبات لهم ولأطفالهم حيث يمضون وقتاً طويلاً هناك. بعضهم يفترش الأرض والبعض الآخر يجلس على المقاعد. أمّا الأطفال وهم أساس "المشوار" فيقومون بالركض واللعب بفوضى كبيرة تستثير أعصاب أحد أفراد شرطة البلدية المولجين بحراسة الحديقة وغالباً ما يحجز لهم الكرة التي يلعبون بها ويضعها رهن الإعتقال إلى حين خروجهم.
حجزت الكرة إذن فلم يبق سوى اللعب بالدرّاجات الهوائية. يستصعب الأهل الذين يملك اولادهم درّاجات هوائية معظم الأحيان فكرة حملها والإتيان بها إلى المكان فيقومون هم ومن لا يملكها أصلاً بإستئجارها بواقع ألفي ليرة للدرّاجة الواحدة ولمدّة نصف ساعة.
أمّا مخزن تأجير "البسكلات" فهو ما زال يصمد في مكانه منذ أكثر من ثلاثين سنة وقلّما تسأل أحداً من روّاد الصنائع قديماً أو حديثاً لم ينتفع منه صاحب المخزن. والشرطان الوحيدان لديه هما وضع بطاقة الهويّة لدى صاحب المخزن واستعادتها لاحقاً. أمّا الشرط الثاني فهو عدم قيادة الدرّاجة خارج الحديقة، فالمخزن يقع على بعد عشرة أمتار خارج الحديقة ويرسل المسؤول أحد العمّال لديه يوصل المستأجر حتّى الباب ليتأكّد من دخوله.
ولا يستأجر الأطفال فقط الدرّاجات الهوائية فهنالك أخرى مخصّصة للكبار وأغلبهم من طلاّب كلّية الحقوق الذين يهرب بعضهم من المشاحنات الحزبية الدائمة في كلّيتهم، بينما يهيّء بعضهم الآخر نفسه لدخول جوّ المحاضرات لاحقاً من هذا الصباح ويختلي بمحبوبته في المكان كذاك الذي تلعب رفيقته بشعره وهو يلقي برأسه في حجرها حالماً بمكان أكثر عزلة لهما وحدهما. ومن يتجمّع من الطلاّب في مجموعات فلا مناص من أنّه يلعب الورق مع المجموعة بعادة يومية سوف تخرّجهم لاعبي ورق محترفين يوماً ما بالإضافة إلى شهاداتهم الجامعية.
أمّا عن باقي المتنزّهين فبعضهم من يأخذ فرصة صغيرة قبل العمل يتنفس فيها هواءً يتمنّى أن يكون نظيفاً. وأحياناً يجلب هؤلاء "سندويشاتهم" و "مناقيشهم" معهم يأكلونها مع كوب من الشاي. ومنهم من يمارس الرياضة الصباحية في المكان إن عبر المشي أو عبر حركات اللياقة؛ السويدية منها وما شذّ عن أصله السويدي وتلبنن بتأثير "طعجات" أجسام اللبنانيين المميّزة.
ومن هؤلاء من هو كصاحبنا الذي ابتدأنا عرضنا به. ذلك الذي اختصر الطريق ولم يكملها. ويا ليته مرّ من الطريق الطويلة لأنّه ما زال بلا عمل لغاية الآن. وأحبّ أن أطمئنكم بأنّ كعبا الحذاء ما زالا سليمين حيث لم يعد يبحث عن عمل وارتضى لنفسه أن يكون زبونا دائما في جنينة الصنائع. بينما لسان حاله يقول: البطالة كنز لا يفنى!
لقد تغيّرت الحكمة.