برهان الخطيب الذكرى والرجاء
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
إعداد عبد الرضا الصخني:
روايات برهان الخطيب تملأ رئتيك بهواء العراق وببزوغ فجر أزرق من ماض سحيق لا يلبث حتى يتكشف عن شمس ساطعة
يقف برهان الخطيب شامخا بين الكتاب العرب، والعراقيين بوجه خاص، بمجموعاته الروائية والقصصية على مدى يزيد على ثلاثين عاما، والخطيب شهرته في الساحة الأدبية، حيث عرف اسمه من خلال الصحف والمجلات والإذاعات، على امتداد الوطن العربي وكذلك من خلال رواياته وقصصه المنشورة في كتب: خطوات إلى الأفق البعيد، ضباب في الظهيرة، شقة في شارع أبي نواس، الجسور الزجاجية، الشارع الجديد، نجوم الظهر، بابل الفيحاء، ليلة بغدادية، حب في موسكو، الجنائن المغلقة، وغير ذلك، كما ترجمت بعض أعماله إلى السويدية والإنكليزية والألمانية والروسية، عن هذا الكاتب العراقي المميز كتبوا الكثير من المقالات التعريفية والنقدية، وملأت صورته صفحة كاملة أحيانا في أرصن الجرائد الأوربية كسفنسكا داغ بلادت السويدية، لكن، لعل هذا البورتوريت الأدبي هنا الأقرب إليه حتى الآن..
برهان الخطيب.. خطوات أولى..
في صباح بارد من صباحات كلية الهندسة بباب المعظم ببغداد، كنت وزميل من صف الرابع نتمشى في الممر الخارجي بين مبنى الكلية وشريط الحديقة الأخضر الممتد بطول الواجهة الرئيسية، كنا نتحدث بخصوص إصدار مجلة (النواة) حيث كنت أحد ثلاثة أصدروها: عبد الحق العاني (الصف الرابع كهرباء) وحسان الصفار (الصف الرابع كهرباء ) وأنا (الصف الأول مدني) آنذاك،. كان حسان الصفار وهو الزميل الذي يتمشى ويتحدث معي مستعرضا ما وصل لديه من مواد أدبية أو علمية فذكر اسم برهان الخطيب فاستوقفته معبرا عن إعجاب:
- آه هذا القاص المبدع . لقد قرأت له من قريب قصته (دجاجات صكبان الأعور) ولكن قل لي كيف تعرف علينا وهل سننشر لكتاب من خارج الجامعة؟ أجابني حسان باستغراب:
- ماذا تقصد؟ برهان طالب في الصف الثالث ميكانيك في هذه الكلية وسأعرفكما ببعض حالما نلتقي به. بعد دقائق استوقف حسان فتى وسيما ذا عينين داكنتين لماعتين وقال:
- برهان، هذا رضا، زميل جديد في الكلية يصدر معنا المجلة.
منذ ذلك اليوم من عام 1966 أضاف كل منا إلى قائمة أصدقائه اسما جديدا. بذلت جهدا سريا في محاولة التعرف على الوجهة السياسية لبرهان، فقد كان في تلك الأيام حولنا مزيج محموم من عقائد شتى، شيوعيون يسعون إلى تغيير العالم فخورون بتسمية " يساري " كأنها علامة على امتياز ما، وقوميون، رغم قلتهم حيث يعدون على الأصابع بما فيهم من بعثيين وناصريين وقوميين عرب يسعون لبناء أمة قوية من المحيط إلى الخليج متباهين بأناشيد شاعرهم سليمان العيسى، وإسلاميون يسعون إلى إعادة دولة الإسلام إلى الحياة وقد بدأ صخبهم يعلو ويقلق السلطة. أما أنا فقد كنت محط جذب لكلا الحزبين الأولين اللذين رأيا فيّ عنصرا مفيدا بما لدي من انضباط أدبي وقدرة على العمل مع الجماعة، كما كنت محل طرد الحزب الأخير الذي حسبني أصحابه فتى وجوديا عديم الإيمان لا أستأهل حتى الهداية ! حاولت أن أعرف أين موقع برهان في هذه المتاهة، كنت استدرجه للحديث عن نفسه لكن برهان قليل الكلام بشكل استثنائي. كان يتحدث بتؤدة موحيا بأستاذية وتعال مرسلا إلى سامعيه ما يقوله شيء ذو أهمية يتوجب الإنصات إليه. كان يسعى لتغليف كلماته برقائق الفلسفة ويترك لسامعه فسحة من الزمن للتفكير، بالطبع دون الإفصاح الكامل المنبلج، آه أليس ذلك ما تفعله الفلسفة عادة ؟ لكن برهان في النهاية لم يستطع أن يفلت من كشافي فقد عرفته نسخة أخرى مني، لا من هذا الحزب ولا من ذاك، له حلم فنطازي مستحيل في أن تسود عدالة السماء فوق ارض العرب بأرجوحة من لحيتي كارل ماركس وابراهام لنكولن.
أفكار شيطانية
كان برهان في الصف الرابع من الكلية حين فاتحني برغبته بإصدار أولى مجموعاته القصصية (خطوات إلى الأفق البعيد) وسألني أن كنت اعرف مطبعة تقبل إصدارها بمستوى عال من الإخراج ومستوى متدن من السعر ! كم معك يا برهان؟ أستطيع تدبير أربعين دينارا أو خمسين على الأكثر، حسنا وافقت مطبعة أهل البيت في كربلاء على التضحية بالربح إكراما لصداقتنا وصدرت مجموعة القصص أنيقة جذابة، وجئت أحمل معي ألف نسخة في صناديق حشرتها في غرفتي وجاء برهان مساء، عانقني وقال:
- إنني مؤلف ها ؟ إنني سعيد كما لو كنت أصبحت للمرة الأولى أبا، انك صديق لا أنساه. هل هذا يكفي يا برهان؟ لا يا رضا، لا يكفي فلا بد أن تساعدني في بيعها. وكما فعلت فيما بعد بنسخ من روايته (ضباب في الظهيرة) فقد رحت أبيع نسخا من (خطوات..) إلى اصدقائي المهتمين بكاتب بازغ جديد. وذات يوم تفتق ذهني عن شيء مفيد، كلمت زميلة كريمة من قسم الهندسة المعمارية أن تطلب من أبيها (وكان وكيلا لوزارة الإعلام في حينه) أن تشتري وزارته نسخا من (خطوات إلى الأفق البعيد)، ونجحت الوساطة وعادت زميلتنا ببشرى موافقة الوزارة على أن يكتب (المؤلف) طلبا بذلك يرجو فيه الوزارة أن تشتري الكتاب، لكن المؤلف رفض تقديم طلب، قال لي هل أنت مجنون، أنا الكاتب أتقدم بطلب (رجاء أن تشتروا، الخ) مستحيل، وباءت محاولاتي معه بالفشل فكتبت عريضة باسمه واشترت الوزارة عشرين نسخة بعشرين دينارا، ووفت نصف الكلفة ! حين تخرج برهان وصار مهندسا كنت لا أزال طالبا بعد، وحين استلم راتبا عن عمله كمهندس دعاني إلى السينما فشاهدت الفيلم واستمتعت بشراب الكولا الباردة على حسابه في ذلك العصر القائظ من أيام آب، في سيارة النقل إلى السينما قال لي ما من مهنة مثل الهندسة ترضي غرورك، قلت له فأين تكون (الكتابة) قال: أه الهندسة (زوجة) والكتابة (عشيقة)، قلت له إذن تزوج خوان، وقال ستكون أنت كذلك، قلت له ما دمنا مسلمين فما رأيك بزوجتين فضحك متسائلا: ألم تجد في الإسلام غير هذا؟ لكن برهان طلق (الهندسة) بعد ثلاث سنين وحسب! عاش بعدها للكتابة وحدها وأصدر أعمالا أصيلة ومترجمة كثيرة، إني أعجب كيف وجد كل هذا الوقت لإنجازها.... لم تنقطع لقاءاتي مع برهان بعد تعيينه مهندسا في وزارة الإصلاح الزراعي، كنت أزوره في منزله بموعد وبدونه، كان والداه يعاملانني كأحد أبنائهم. ذات مرة زرته في منزله قرب المستنصرية وكان وصل للتو من عمله فاستبدل ملابسه وغسل وجهه واستعد لتناول الطعام. أتذكر صينية مستديرة فيها صحن رز وصحن مرق وصحن آخر فيه بعض الكرفس وليمون وبجانب ذلك كوب ماء. كنت قد تناولت غدائي قبل التوجه إلى بيت برهان، حاول برهان أن استجيب لدعوته لمشاركته الغداء أخبرته أني لا أستطيع وسأتناول معه الشاي وحسب. في تلك اللحظة ركبت برهان إحدى أفكاره الشيطانية، قال أستطيع أن أغويك، قلت لا، لا تستطيع، فقطع على الفور كرة الليمون الصفراء إلى نصفين وبدأ يعصرها بطيئا محركا لسانه بفرقعة خفيفة تاركا قطرات الليمون تتساقط على شفتيه لاعقا إياها بنشوة. كان يعذبنا بتلك الليمونة حتى أني فكرت أن اختطفها من يده، لكني بقيت صامدا مداريا سيل اللعاب الذي هطل بغزارة في جوف فمي، ولم استسلم. ضحك برهان وقال: لقد استدرجتك، إنك على وشك السقوط، قلت استمتع بأوهامك، وبغدائك أيضا. أنقذني شراب بارد حمله أخوه الصغير الذي هو الآن دكتور مختص بالأمراض الجلدية.
العراق في روايات الخطيب مرفأ للذاكرة وسماؤه سقف للعالم
حين اخبرني برهان انه على وشك السفر إلى موسكو في بعثة عمل ولكنه قرر أن لا يعود شعرت بغم شديد غير أنى لم ابق بعده في بغداد حيث سافرت إلى الكويت للعمل. كنا نتراسل أنا في الكويت وهو في موسكو خلال السنتين الأوليتين لوجودي هناك، طلب مني ذات يوم أن ابعث إليه مسجلا صغيرا فبعثته له وطلبت منه قبعة فرو روسية فأرسلها لي، كان يقرأ أشعاري وينقدها ويدعوني إلى مزيد من المعرفة ، وذات يوم كتب لي أبياتا لجاك بريفير (ولم اكن اعرفه آنذاك)..
كل شيء مقفر في الشوارع البعيدة
يا نفسي استندي إلى الجسر الحجري القديم
وتنشقي رائحة النهر الشذية..
وقال لي إن أشعاري تشبه أشعار جاك بريفير رغم علمه أني لم اطلع عليها، بعد سنتين قالت لي الشاعرة نازك الملائكة أشعارك بذات الدرجة من العاطفية التي لأشعاره.
لقد مر وقت طويل منذ تفرقت بنا السبل ولم يعد أي منا يعلم في أي زاوية من العالم يقبع صاحبه. أوغل هو في عوالم الآداب ترجمة وكتابة، رواية وقصة، وأوغلت أنا في عالم الهندسة. مضى اكثر من عشرين عاما على انقطاع ما بيننا، وفجأة التقينا على يد صديق ثالث عزيز، أديب وكاتب مصري مقيم في لندن، ومن غير ميعاد أتاني كارت بريد من السويد، انه برهان الخطيب مرة أخرى، هذه المرة اشياء كثيرة تبدلت فيّ وفيه، لقد ظل كلانا يحتفظ بذلك القلب الخفاق المتطلع إلى الاعالي، ولعلي كنت اكثر سعادة في حياتي واكثر استقرارا وملء قلبي له حب لا ينضب ورجاء ان يلاقي خير ما لقيت وان يتجنب مهاوي البؤس والعذاب الذي مررت بها ومرت بي وان يكون لكلينا حسن العاقبة.
بالرغم من ان الحال تشبه بعضها في اقطار العرب المختلفة إلاّ أن خصوصية المكان تجعل بلدا مثل العراق غير بلد كمصر أو لبنان مثلا، بهذا الامتياز فإن برهان الخطيب كاتب عراقي صميم، ما أن تقرأ له حتى تنثال صور العراق في حضور وجداني كثيف، القرية والمدينة، الناس والطبيعة، النساء المكبوتات بقسوة الرجل والاطفال المشبعون بأحلام المستحيل، وبعد ايضا الرجل العراقي السريع الغضب والسريع الرضا.
لفد توغل برهان بعيدا داخل هيكل الروح المضني للعراقي المتشبع بالخوف الصاعق من واقع شديد القسوة وهو أيضا ذلك العراقي الغني بالصمود وحب الحياة الذى يعاند ويكابد للتحرر من عدوّيه: السلطة التي تحكم والسلطة التي تحكمها ! فإذا قرأت روايات برهان تمتلئ رئتاك بهواء العراق وينبلج فجر ازرق من ماض سحيق لا يلبث حتى يتكشف عن شمس ساطعة في وطن يمتزج فيه الجمال بالبؤس والقسوة بالصبر، ان برهان الخطيب شاعر اكثر منه روائي بالرغم من احساس القارئ باجتهاده كمؤلف لجعل اعماله غنية بالوقائع المستندة إلى حقائق.
برهان الخطيب كاتب مبدع غير مقلد وعراقي صميم
نشر برهان اعماله الاولى (خطوات الى الافق البعيد ـ صدر 1967) و (ضباب في الظهيرة ـ 1968) عقب تخرجه من كلية الهندسة وهو ما يزال آنذاك في العراق، قبل سفره إلى موسكو، وكان قد نشر قبل هذين الكتابين بعضا من قصصه القصيرة في المجلات والصحف العراقية، وفي كل تلك الاعمال كشف برهان عن امرين مهمين اولهما انه كاتب مبدع غير مقلد وثانيهما انه عراقي صميم. ان البيئة ذات التميز البيّن ترسم نفسها في سطوره وكلماته، هل اخذ من نجيب محفوظ نبض مصر في ثلاثيته الشهيرة ام أخذ من غائب طعمة فرمان من رائعته (النخلة والجيران) ان وضع حواجز بين ابداعات الكتاب عمل غير ذي جدوى اذ ان الكاتب حين يكتب لا بد ان يستند إلى ذاكرته وقلبه وفي كليهما مخزون مشترك من الرؤى، وهذا غير التقليد الذي يقوم صاحبه بنسخ كلماته مغترفا من ذاكرة وقلب سواه ومن فمه وقلمه أيضا.
روايات برهان تدعو إلى تغيير انقلابى كامل وليس بمفهوم سطحي
على ان برهان الخطيب تجاوز ذلك كله ليخرج على القراء العرب بمجموعة رائعة من الروايات العراقية التي ولدت في الغربة، ونشرت في الغربة، جاعلة من أرض العراق مرفأ للذاكرة ومن سمائه سقفا للعالم، وحين يذكر العراق ينشغل العقل بمد السياسة وجزرها، والسياسة شغل العراقيين الشاغل فهم تحت نير السلطة ونيرانها، لهذا فان روايات الخطيب كلها سياسة، وهي اذ تدين سلطة القمع والفساد الاداري وغياب العدالة الاجتماعية فهي لا تدين سلطة لتبارك أخرى ولا تتولى ذلك المسار الذي يوغل في البكاء على أطلال الماضي (السلطة الملكية مثلا) لان الحاضر مظلم وشديد المرارة بل تعتبر الحاضر وليدا شرعيا لذلك الماضي واستمرارا نوعيا له كما يتوالد كائن من كائن مثله حتى وإن جاء عقب مقتله واندثار جسده، وبهذا المعنى فان هذه الروايات تدعو إلى تغيير انقلابي (بالمعنى الفلسفي العميق للكلمة وليس بمعناها الشوارعي!) ومن غير هذا التحول الانقلابي يظل رجل الشرطة السرية يلاحق الناس اذا شتموا الملك او شتموا اعداءه وتظل الاشياء الفاسدة تنخر في جسد الوطن والامة تحت راية ثياب تبدأ براقة ثم لا تلبث ان تصير كالحة!
هذه هي النتيجة التي خرجت بها بعد قراءة ممتعة جدا لروايات الخطيب الجسور الزجاجية، بابل الفيحاء، نجوم الظهيرة، ليلة بغدادية، واخيرا، سقوط سبرطة او حب في موسكو، وليست المتعة المتولدة عن قراءتها متأتية فحسب من نسيج الكلمات المحبوك بين اللغة الشعرية المتدفقة للعربية الفصيحة وبين اللهجة العراقية العامية لغة الحياة اليومية هناك، ولا هي من تداعيات الاحداث المشوقة كحكاية ينتظر القارئ معرفة عواقبها كما هي الحال في روايات نجيب محفوظ بل مع ذلك كله في الاستحضار الحي للمكان والزمان العراقيين، دروب الحلة، وأزقة بغداد، وايام العيد، وموسم الحج، وعاشوراء، والسجون، والشجون و(البراءات) السياسية وصحف السلطة وكلابها المسعورة وغير ذلك! هل يتوقع القارئ ان ألخص احداث الروايات؟ وما فائدة ذلك؟ مالذي تفعله الحكاية بنفسها؟ انها لا تفعل شيئا حتى قصص جدتي لم تكن ذات تأثير لو قام بحكايتها شخص سواها ! لذلك فإن القارئ لن يجد هنا أي اقتباس او نص من اي من تلك الروايات على طريقة النقاد والدارسين، فالحق اني لا اؤمن باستخلاص نصوص من نص اعظم هو كله وحدة كاملة.
ومع ذلك فإنه تجد الاشارة إلى الطريقة الجميلة في تلاعب الكاتب بالزمن، فقد يتمطى الزمن في رواية نجوم الظهر وليلة بغدادية وليصبح كافيا لاستيعاب عمل روائي كما فعل وليم فوكنر في (الصخب والعنف) او ينكمش الزمن في رواية سقوط سبرطة كما فعل نجيب محفوظ في الثلاثية أي أن الرواية تستوعب مدى واسعا من الزمان تضغطه بين دفتيها. بقي ان اشير هنا إلى ان ما اصاب شعب العراق ككل اصاب افراده لهذا فان اعمالا ابداعية مثل هذه الروايات لم تأخذ حقها من الاطلاع والدراسة وربما ظلت بين ايدي العراقيين وحدهم بعد ان تركهم بقية العرب لمصيرهم الذي آلو إليه !! وليس غريبا ان ينشغل العرب بموت شاعر مبدع هو نزار قباني رحمه الله دون ان يعرفوا او دون ان يهتموا بموت شاعر مبدع اعظم هو محمد مهدي الجواهري وتلك حال الدنيا!!
- أين مشاهد القتل والتعذيب وانتهاك النفس والجسد التي تجري في العراق بدون توقف، اين تلك المشاهد في رواياتك؟
- ردى بسيط للغاية، في المسرح اليوناني القديم (عم المسارح، إذا كانت طقوس بابل في الإيكيتو أبوها) لا يرى النظارة مشاهد سيئة على المسرح، رغم ان الحياة مليئة بالسوء نعرف، واذا حدث (سوء) في المسرحية، قتل مثلا او عذاب او اغتصاب فهو يجرى وراء كواليس المسرح وليس على خشبة المسرح نفسها، هذا هو واحد من جواهر الادب الصالح كما رأى عمالقة الادب وقتها وكما يرى الان وغدا كتاب يرون ان مهمتهم ليست في نسخ الحياة وتقديمها على مسرح، بل تقديم جوهرها عليه، ذلك بالضبط ما حاولت انا تقديمه في رواياتي واعيا هذه المهمة اعمق وعي، ربما لا ترى انت في رواياتي كل ذلك القتل والتعذيب والحطام الذي حدث في بلدنا بشكله الصارخ الذي حدث فيه، ذلك لأني استعضت عن ذلك بمشهد واحد احيانا، بتفصيل صغير، يبين لنا التفاصيل الاخرى الكبيرة، خذ مشهد بغداد مثلا في رواية (ليلة بغدادية) في العيد الذي حل بعد 14 رمضان 1963 انت ترى هنا المدينة فارغة، الغبار يعلو هامة الاشياء، آثار دم مسفوك على شرفة مطلة على شارع رئيس في المدينة، فماذا تعني كل هذه التفاصيل؟ انها تعني ببساطة ان جريمة كبرى ارتكبت امام اعين الملأ، والملأ، الشهود والضحية، غائب عن المدينة كلها، عن ساحتها الرئيسة، الباب الشرقي، ذلك هو جوهر ما حدث في تلك الفترة اذا تلكمنا على صعيد ظاهر الاحداث، فإذا تكلمنا عن الضحية والجلاد، نرى ان المقتول هو شهيد والقاتل هو عدنان، والناس صامتون على جانبي الطريق ينظرون إلى السيارة المنطلقة بالقتيل وقاتله، رمز حدث تلك الفترة، دون ان يفعلوا شيئا، لكن ذلك ليس النهاية، صيحة يعرب: انظر إلى عيون الناس، انها تقول شيئا، اذا لم تفلح في قراءته ضعنا، تشير في الحقيقة إلى ما سيحدث في الواقع غدا وكذا ما سيحدث في الرواية التالية، اي سقوط عدنان وحكم جماعته. التفاصيل التي استخدمها في ابهاء الرواية هي مرايا تعكس حركة التاريخ خارج الحدث الروائي داخل الرواية نفسها، على ان التاريخ عندى ليس هو الهدف الاكبر الذي اسعى لاصطياده وتصويره، يظل الانسان عندي، كروائي في الاقل، هو هدفي وما في جوفه من احلام وتطلعات لأنها هي التاريخ الحقيقي له، التاريخ الخارجي والاحداث الدامية التي تشير إليها هي عندي خلفية لرصد حركة الدمى عند غيابها عن المسرح، غياب الجمهور العريض عن ساحة الباب الشرقي في " ليلة بغدادية".
الخطيب والفخ الآيديولوجي
القضية هنا تشبه عكس نور على شظية زجاج مكسور الذي هو البيت العراقي عندي لتعرف اشرقت الشمس أو اندلع حريق في الخارج، من مقتل شهيد والعربدة في الملهى فيما بعد اردت للقارئ ان يعرف ان المجتمع تهشم، في الواقع وكذلك في الرواية، ومن جري القريب وراء القريب لقتله او لاعتقاله ما يعني ان المجتمع كله ينهار، وهو ما حدث فعلا فيما بعد، فكيف يمكن القول بعد هذا اني أساوي بين الضحية والجلاد! هذا تجن! انت لم تقرأ في الرواية ان شهيدا أساء إلى عدنان بالقدر الذى أساء عدنان لشهيد، حين قتله باخمص الرشاش؟! كلا بالطبع. فما معنى مساواة الضحية بالجلاد كما سمعت منك ومن بعض آخر! الناقد الرصين قيس العزاوي كتب في دراسته لرواية " الجسور الزجاجية" في "القدس العربي " 1 مارس 1993 بوضوح ساطع: الانحياز الواضح للروائي الى جانب المحرومين والمضطهدين لاسباب سياسية لا لبس فيه. وهو في هذا مصيب ارى كما اصابت الهدف الناقدة فاطمة المحسن إلى حد ما حين كتبت في صحيفة الحياة بتاريخ 12 اكتوبر 1994: برهان الخطيب من دون مجايليه المهاجرين كان واحدا من القلة التي لم تقع في الفخ الايديولوجي، فهو خارح الكتلة التي تنظر إلى الرواية باعتبارها معبرة عن هدف اجتماعي سياسي، هذا رأيها الخاص بالطبع، انا لا اوافقها عليه تماما، لان عدم الوقوع في الفخ الايديولوجي لا يعني عدم الالتزام بهدف اجتماعي سياسي، كتبت إليها عن هذا.
- هل ترى ان مهمة الروائي او الفنان عموما هي الرصد وليس التدخل لتعديل سير الحياة؟ اليس هذا خروجا من الصف؟
- نحن عاطفيون، نفهم الامور بالحب والكراهية اكثر من فهمها بالعقل والاعتدال، بمقياس واحد يكيل لي ولغيري، الايمان الذى هو اساس في العقلية العربية يستبعد للاسف العقل من حكمه الاساس في قضية بناء الايمان نفسه، وهذا متعارض مع الديمقراطية لذلك ندور نحن في حلقة مفرغة، واذا استقرت الامور يكون ذلك علي صيغة اخرى غير الديمقراطية الحقيقية للأسف التي تعني عندي التضامن بين المختلفين لا قمع احدهم لآخر، الوصول إلى هذا ممكن بالمكاشفة وترجيح احكام العقل الصالح. حين اكتب اضع عاطفتي جانبا وأدع العقل يعرض عاطفتي بطريقة تليق بها لأن عرض الكراهية كما هي يسيء إلى سببها الذي يمكن ان يكون معقولا والاهم من هذا، ان يكون الروائي جيدا درجة يحوّل فيها كراهيته إلى نوع من حب لانه بهذه الطريقة يعيد خلق الواقع بطريقة اكثر انسانية مما هو عليها، ليس على روائي تعميم صفة لفرد على فئة ينتمي ذلك الفرد إليها، فقد يكون بين افرادها من لا يحمل تلك الصفة، اي ان الادانة او التبجيل ينبغي ان تكون محددة بشخصية روائية معينة، بسلوك معين، وليست مطلقة تشمل فصيلا حوله، من منطق ان الشر والخير كامنان كقاعدة في الانسان وخياراته، والا سقطنا في عموميات تشوه الواقع والوقائع وتدخلنا في فوضى ونظريات وهو ما حاولت تجنبه في اعمالي، نعم ليس على روائي تعميق الكراهية بل تعميق الحب والتفاهم بين طرفين، من اجل هذا رسمت واقعنا بألوان زاهية احيانا حتى مع وجود مبررات للقتامة، خذ مثلا علاقة السجين وسجانه في (ليلة بغدادية) عندما يتحولان الى صديقين، التاريخ هنا ليس ما حدث فقط بل ما قد يحدث وما يراد له ان يحدث، والرواية ليست تدوينا له بل هي محاولة لخلقه، والا لا عبرة مما حدث ولا من تدوينه، وليس على روائي تكرار اقوال غيره، ولا ان يجعل من نفسه ربا يطلق احكاما على المخلوقات، بل عليه الاكتفاء بمهمة شاهد عيان يصف ويحلل ما يراه دون انحياز حتى لأبيه لو تعرض مثلا لضرب، لان اباه قد يكون مَن بدأ الضرب والروائي لا يعلم.