عالم الأدب

عنف يغير الروح ويفرغها

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بيروت (رويترز)- تثير الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة في روايتها الجديدة (ربيع حار) تساؤلات بعيدة الغور عن الانسان وأحلامه التي تنزفها روحه في حماة عالم العنف وكيف يحوله الظلم والقسوة المتتابعين الى مظلوم وظالم والى كائن يكاد لا يتذكر ذاته السابقة. تجعل خليفة القارىء يتساءل معها عن هذا الكائن البشري الغريب الذي في توقه الى ان يحب ويكون محبوبا يتعلق بالحيوانات الاليفة فتصبح كانها جزء من روحه ويكاد يعجز عن التواصل مع انسان اخر قد يكون شبيها به الى حد بعيد وهما لا يدريان.

رواية خليفة تتناول أحداثا وصفحات عديدة من حياة الفلسطينيين وأحلامهم وعذاباتهم وموتهم اليومي وكيف يتحول مجرى حياة الوف منهم وتقتلع أحلامهم أو تيبس فتموت ويجعل الظلم كثيرا منهم يتصرف من أجل حماية نفسه تصرف ظالمه القاسي. ويكاد الخوف من الاخر يكون العامل الاساسي في تصرف الطرفين بضراوة قتالة ويصبح العنف والظلم الرهيبين وعجز المظلوم وانسداد الطرق في وجهه دافعا اساسيا الى الطريق الوحيد المفتوح أمامه وهو الايمان الديني الذي يجعل الموت في أشكاله المختلفة يفقد رهبته من حيث الاقدام عليه او دفع الاخرين اليه.

وقد صدرت رواية خليفة عن (دار الاداب) البيروتية في 275 صفحة من القطع المتوسط. تتناول الرواية شخصيات متفاوتة الأعمار بينها من عاش سنوات التشرد الاولى بعد الأيام الحلوة التي سبقتها ومنها من ولد في مخيمات بعد طرد أهله من بيتهم وأرضهم. الصبي أحمد ابن بائع الكتب والصحف الذي عمل وكد وصار مراسلا صحافيا.. ولد حساس خجول حالم وفنان بطبعه وأخوه مجيد الأكبر منه طالب جامعة لعوب ذو صوت جميل يحلم بان يصبح نجما فنيا. أحمد الخجول الذي تتحكم به تأتأة يشعر بحب للبنت اليهودية الصغيرة ميرا ابنة المستوطن اليهودي المتدين في المستوطنة القريبة منهم. يتسلل الى مقربة من منزلها فيتحدثان ويضحكان حين لا يكون الاب موجودا. امه تقول ان اليهود "ليسوا اوادم وطبعا ميرا هي بنت يهود.. ولاحظ ايضا انه لا يخاف من كلبها بوبو الذي لحس أصابع أحمد. ونظر نظرة غريبة مثل الانسان. وهل الكلاب مثل الانسان. وهل هذا الكلب ليس منا لكن منهم هم... لكن الكلب...عند المزبلة... كان مخيفا مع انه كلب عربي اما هذا البوبو مثل ميرا أحلى مخلوق في الدنيا."

في حديث أحمد مع سعاد رفيقة أخيه في فرقة الغناء الجامعية قالت له ان "كل الأحياء لها أرواح ولما تموت تحل بأجسام جديدة. زهرة. شجرة. قطة عصفور... يعني الزهرة حرام نقطفها والاشجار حرام نخلعها والقطة لازم نعاملها كالبني ادم لان فيها روح الأحياء." سألها "طب واليهود.. ليش نخلعهم" سألت بصوت حاد "أحنا خلعناهم يا أحمد...انت قل لي مين خلع مين." واقتنى أحمد قطة تعلق بها لكنه شعر بما شعر به بطل رواية مخائيل نعيمة (مذكرات الارقش) ثم توصل الى ما توصل اليه الارقش وذلك حين أكلت حشرات وفارأ. أحس أحمد بانها "متوحشة ومثيرة للقرف والاشمئزاز لكنه فهم القصة قصة الحيوان والطبيعة وقصة الانسان والطبيعة وقصة الدفاع عن الحياة باقتناص الحياة.. وهذا يؤكد ما قالته سعاد ان الانسان يموت ليعيش. يقتل ليعيش ويموت ليعيش اي ان الحياة والموت لا ينفصلان حين نفكر بالحرية." سجن أحمد عندما تسلل الى المستوطنة ويخرج قاسيا ناقما اما اخوه مجيد فاتهم زورا بقتل أحد وجهاء المنطقة وكان من العملاء فهرب والتجا الى المقاومين وصار واحدا منهم.

اما ابنة القتيل لورا فبقيت على حبها لمجيد. حين دعته سعاد الى تسليم نفسه لانه بريء والى الرأفة باهله فلا يبقى سائرا الى الموت وحثته على التوقف عن "القسوة" قال ان ذلك لن ينفع وان "القسوة وسيلة حماية. هذا العدو مثل الالة. جرافة تجرف وما تخلي ولا عود اخضر والناس قدامها زي النمل." نظرت اليه سعاد وهمست متسائلة بحزن "هذا العدو مثل الالة وها نحن نصير مثل الالة. اهناك امل." اصيب مجيد بجروح بليغة وجرى تهريبه الى مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي ما لبث ان حوصر ودمر وعايش الموت طويلا. اما أحمد الهادىء الفنان فقد تغير ايضا وصار شخصا اخر فمع الوقت "ومع التكرار ومع سماع كلمات الحقد من الجانبين بات حقودا. امتلا بغضب متفجر. تذكر اخاه شبه الميت." ووجد في "الشباب من كل الاتجاهات والفصائل" ما يعوضه عن ضعفه وكونه أعزل. ودخل مسجدا وصلى لله "ان ينصرنا لانا مع الحق."

تتحدث الكاتبة عن عرفات الصامد وسط الحصار والموت والعطش والجوع والذي لم يطلب شيئا لنفسه. شفي مجيد وما لبث ان تحول الى شخص "مهم" يصرح لمحطات التلفزيون والصحف ويقوم بأعمال "التنظير" وتحول مجيد كما تحول العازر "بطل" خليل حاوي من مناضل الى نقيض ذلك فصارت حبيبته السابقة ترى فيه مستبدا يشبه العدو. تقول سعاد "أمثال مجيد أكلوا الساحة.. فالمعضلة ايضا في البنية ونظام الحكم والفصائل وعادات الناس. فوضى في الحكم. كبت في البيت سوء في التربية والتوزيع والعدالة وحقوق الناس وقمع وضرب وتجبر من اسرائيل. كيف نبني دولة ذكية من هذا الجهل." اما أحمد فقد فوجيء بخطأ أفكاره المسبقة فالقي بنفسه في تهلكة أكيدة أمام جرافة اسرائيلية.

كانت ميرا اليهودية حبيبة طفولته وصديقتها البريطانية التي سخر منها ووصفها بانها ابنة مارجريت "ثاتشر" رئيسة وزراء بريطانيا السابقة وهما ناشطتان من أجل السلام وسط تظاهرة احتجاج. كانت البريطانية تقف باصرار وعناد في وجه جرافة تهدم البيوت ولا تحيد الى ان قضي عليها. هل يكون الحل عند سحر هو ما اوردته على لسان "خوري اللاتين" في قوله لأحمد انه "بدعاة السلام. بالحب ممكن نخرج من هذا العنف. لكن بالقتل بالعمليات مش ممكن نخلص."

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف