المثقفون المقاوِمُون والأوساط العامة المعارِضة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
خيار الدراسات الثقافية
بقلم هنري جيروكس
وترجمة: خالدة حامد
من المفاهيم الأساسية في مشروع الدراسات الثقافية التنويري هو إعادة صياغة دور المفكر داخل الجامعة وخارجها. ونحن نتفق مع غرامشي في ضرورة أن ننظر إلى المفكرين من منظور سياسي (1). المفكر هو اكثر من أديب أو منتج لأفكار أو بات لها. المفكرون متأملون للأفكار والممارسات ومُشرِّعون لها ومنتجون أيضاً ؛ إنهم يقومون بوظيفة يغلب عليها الطابع السياسي بالدرجة الأساس. ويميز غرامشي بين المفكر العضوي الراديكالي والمفكر العضوي المحافظ ؛ إذ يعمد الأخير إلى تزويد الطبقات المهيمنة بأشكال القيادة المعنوية والفكرية كما انه، بوصفه وسيط للوضع الراهن، يتماهى مع علاقات السلطة المهيمنة ويصبح، بوعي منه أو من غير وعي، المروّج لأيديولوجيتها وقيمها. وبذا فهو يمد الطبقات الحاكمة بالمنطق اللازم للتشكيلات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية.
ويرى غرامشي ان بالإمكان إيجاد مثل هذا المفكر العضوي المحافظ في شرائح المجتمع الصناعي المتقدم كافة : في المؤسسات الصناعية وفي الجامعات وفي صناعة الثقافة وفي مختلف أشكال الإدارة و... الخ. ويؤكد أن المفكر العضوي الراديكالي يحاول أيضاً تزويد الطبقة العاملة بالقيادة المعنوية والفكرية. وإذا أردنا ان نكون اكثر تحديداً فنقول انه يرى ان المفكر العضوي الراديكالي يقدم المهارات البيداغوجية والسياسية الضرورية لرفع مستوى الوعي السياسي لدى الطبقة العاملة وللمساعدة على تطوير القيادة والانخراط في النضال الجمعي.
يساعدنا تحليل غرامشي على صياغة إحدى الأهداف الأساسية للدراسات الثقافية : خلق ما يمكن ان نطلق عليه تسمية " المفكرون المقاوِمون ". وهو يختلف عن مفهومه عن " المفكر العضوي " من حيث اننا نعتقد ان مثل هؤلاء بمقدورهم ان يبرزوا من (ويعملوا مع) أيٍ من الجماعات التي تقاوم خنق المعرفة والممارسات التي تشكل تركيبتها الاجتماعية. بمقدور المفكرون المقاومون ان يزودوا هذه الجماعات بالقيادة المعنوية والسياسية والبيداغوجية التي تتخذ نقطة انطلاقها من النقد التحولي لظروف الاضطهاد. وفي حالتنا هذه لا يمكن لنا الإبقاء على صفة " العضوي " بالنسبة للمفكرين الذين يجعلون من الطبقة العاملة الفاعل الثوري الوحيد.
ولمفهوم " المفكر المقاوم " أهمية كبيرة في المعنى الراهن لأنه يوضح المفارقة التي وقع فيها المفكرون الراديكاليون في التعليم العالي في ثمانينيات القرن العشرين ؛ فهؤلاء المفكرون يكسبون عيشهم من مؤسسات تمارس دوراً أساسياً في إنتاج ثقافة الهيمنة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يعّرف المفكرون الراديكاليون حقلهم السياسي من خلال تزويد الطلاب بأشكال الخطاب المعارِض والممارسات الاجتماعية النقدية التي تختلف مع دور الهيمنة الذي تمارسه الجامعة والمجتمع الذي يدعمه. وفي معظم الحالات، تعمل هذه المفارقة لصالح الجامعة :
غالباً ما تمثل هدف هؤلاء بتوسيع الحقول المعرفية بدلاً من تطوير المشاريع وتخفيف حدة مذاهب السوسيولوجيا ونظرية النظم والبراغماتية والوضعية مع متحجرات المادية التاريخية ؛ فشهوة هؤلاء المفكرون اليساريون العارمة إلى الحصول على الموثوقية داخل حقولهم المعرفية، أي ان يحظوا بالتقدير والثناء بوصفهم " الجناح اليساري " و " الاتجاه الأكثر تقدمية "، لهي الدليل الساطع على حاجتنا إلى حركة فكرية ثورية (2).
يذكرنا قول بوكشن هذا بأن الدراسة النقدية قد تم إبعادها تماماً عن أية حركات سياسية ملموسة، وصارت النظرية الاجتماعية الراديكالية اكثر تماشياً مع الصحف والمؤتمرات الأكاديمية، كما تخفّى المفكرون الراديكاليون وراء نظام التثبيت [ تثبيت الأساتذة بعد اجتيازهم الاختبار ] الذي يقدمهم كدليل على التزام الجامعة بالتعددية الليبرالية.
وبدلاً من ان تستسلم الدارسات الثقافية لهذا النمط من العمل الأكاديمي والسياسي، عليها أن تحدد دور المفكر المقاوم بوصفه ممارسة مضادة للهيمنة ؛ تعمل على تفاديها وتحديها معاً. ومن الممكن الإشارة إلى الأنشطة البيداغوجية والستراتيجية الآتية. أولاً: تحتاج الدراسات الثقافية إلى تطوير منهج دراسي وتعليمي يركز على المفكرين ودورهم السياسي، وهذا يعني تزويد الطلاب بالأدوات النقدية التي سيحتاجون لها في فهم وتفكيك العقلانية المزمنة المرتبطة بالممارسات الاجتماعية الضارة، مع العمل في الوقت نفسه على امتلاك المعرفة والمهارات التي يحتاجونها لإعادة التفكير بمشروع تحرر الإنسان. ثانيا : ينبغي على المفكرين المقاومين الانخراط في مشاريع تشجعهم على بحث دورهم النقدي في إنتاج العلاقات الاجتماعية وشرعنتها. مثل هذه المشاريع تعد ضرورية لا لمحاربة المفكرين المحافظين ومختلف السياقات التي تحدث فيها عمليات الشرعنة فحسب، بل أيضاً لتوسيع الحركات النظرية والسياسية خارج نطاق الجامعة. وينبغي على المفكرين المقاومين إقامة الحركات والعمل معها خارج الحدود الضيقة لحقولهم المعرفية وندواتهم ونظم مكافآتهم التي صارت المؤشر الوحيد على نشاطهم الفكري. والأهم من ذلك هو ان مثل هذا المشروع يوسع من مفهوم التعليم ويتعامل بجدية اكبر مع مفهوم غرامشي عن المجتمع بأسره بوصفه " مدرسة شاسعة " (3). كما انه يشجع المفكرين المقاومين على القيام بدور فاعل في الكثير من الأوساط العامة التي تتمحور حول مختلف النزاعات الأيديولوجية.
وبهذا فان الدراسات الثقافية تبين الحاجة إلى المفكرين المقاومين الذين يستطيعون خلق أشكال جديدة من العلاقات السياسية داخل الجامعة وخارجها. وضمن هذا السياق النظري نجد ان الدراسات الثقافية تردد صدى دعوة غرامشي إلى المفكرين الراديكاليين من اجل كسر التحالفات حول الكتل التاريخية الجديدة. وبمقدور المفكرون المقاومون القيام بدور مهم في مجال تفويض الأفراد والجماعات داخل الأوساط العامة المعارضة ؛ فالممارسة المضادة التي يقوم بها المفكرون المقاومون لن يكتب لها النجاح إن كان الجامعيون هم جمهورها الوحيد، بل الأحرى بها ان تلجأ إلى الأوساط العامة.
وإذا أريد فهم الدراسات الثقافية بوصفها وسطاً عاماً معارضاً لا ينبغي النظر إليها، عندئذ، على إنها " قسم " أو حد فاصل بين أنشطة المتخصصين والمبتدئين. وبدلاً من التفكير بالدراسات الثقافية بطريقة تصف حقلاً معرفيا ما، علينا إعادة النظر بالأساليب التقليدية لخلق ممارسات مضادة. فالصف (غرفة الدرس)، مثلا، يُعد من الناحية التقليدية مكاناً يتم فيه بث المعلومات للطلاب ولا يكون الطلاب فواعل في هذه العملية بل متلقين سلبيين ولا نقديين. أما إذا منحنا الطلاب دوراً فاعلاً في عملية التشكيل الثقافي فسيتحولون إلى فواعل في إنتاج الممارسات الاجتماعية. وللوصول إلى هذه الغاية، لابد من تعزيز أنماط المقاومة، أي الحاجة إلى التعليم النقدي لتمحيص وتحليل الاهتمامات الأيديولوجية في النص وقراءته. وعندها سنخرط معاً في حلقة المفكرين المقاومين في الممارسة الاجتماعية التي تسمح للطرفين بالظهور بصفة فواعل في عملية تشكيلهم الثقافي. وكمثال على هذه الممارسة هي مقاومة امرأة ما لمكانة المرأة التي تعرضها رواية كنيسة بسبب الحاجة إلى توليد مثل هذه المقاومة. وبدلا من ابتعاد المفكرون المقاومون عن حقل الدراسة والبحث، عليهم ان يعيدوا تسييسه ؛ فالمنشورات البحثية والمعايير المعرفية المستعملة في ترسيخ جدارة الآراء التخصصية ضد آراء المبتدئين من العامة لا تصل إلى العامة أصلاً. والمشكلة الأخرى هي ان دراسة الثقافة مقيدة بحقيقة ان مهمتها هي القيام بحوث في حقلها الخاص، بمعنى آخر تجميع معلومات عن الظواهر الثقافية وخزنها بطريقة قابلة للاسترجاع. لكن إذا نظرنا إلى نشاطنا بأنه إنتاج (لا وصف) للممارسات الاجتماعية فعندئذ سينتقل ما نفعله في غرف الدرس إلى الأوساط العامة. بل ينبغي على المفكرين المقاومين ان يضعوا العامة في أذهانهم عند الكتابة في أي موضوع، وأن تكون الكتابة نقدية تسهل من حدوث التغير الاجتماعي (4). وباختصار يمكن القول ان من الضروري إحاطة الدراسات الثقافية بمشروع سياسي يمنح التحول النقدي والاجتماعي مكانة خاصة. ولن يتم ذلك، كما أرى، إلا بتحقيق شرطيين، أولاً : من الضروري الاعتراف بان الجامعة لديها مجموعات خاصة من العلاقات داخل مجتمع مهيمن، وهذه العلاقات تشخص الجامعة بأنها لا موضع هيمنة، ولا موضع حرية بل ان الجامعة ـ وبشيء من الاستقلالية ـ تعمل على توليد وشرعنة المهارات المعرفية والعلاقات الاجتماعية التي تشخص علاقات السلطة المهيمنة في المجتمع. والجامعات، مثل المؤسسات العامة الأخرى، فيها نقاط مقاومة وصراع، وفي داخل هذه الفضاءات تجد ان الشروط الأيديولوجية والمادية تنتج خطابات وممارسات معارضة. مثل هذا الاعتراف لا يعمد إلى تسييس الجامعة وعلاقتها بالمجتمع المهيمن فحسب، بل يستنطق الطابع السياسي للدراسات الثقافية بوصفها وسطاً للنقد وبوصفها وسيلة التحول الاجتماعي، وهذا يقودنا بالنتيجة إلى النقطة التالية.
إذ أريد للدراسات الثقافية ان تكون مشروعاً اجتماعيا، راديكاليا، عليها عندئذ ان تطور خطاباً يتسم بالتنظيم الذاتي، أي خطاب يتضمن لغة النقد الفاحص. ولابد له من تعرية الاهتمامات المحددة تاريخياً التي تنبني عليها الحقول الأكاديمية، والعلاقات القائمة، والأسلوب الذي يعمد فيه شكل ومحتوى الحقول المعرفية إلى توليد الثقافة المهيمنة وشرعنتها. وهذه مهمة أساسية للدراسات الثقافية ؛ فلكي تتمكن من تقديم خطاب معارض ومنهج للنقد الفاحص، سيكون عليها ان تجسد الاهتمامات التي تؤكد، بدلاً من أن تنفي، الأهمية السياسية والمعيارية للتاريخ والأخلاق والتفاعل الاجتماعي.
ينبغي لخطاب الدراسات الثقافية مقاومة المصالح المتضّمنة في الحقول والأقسام الأكاديمية. عليه ان يستنطق الأنماط المعرفية في مختلف الأقسام والحقول المعرفية وعلى الدراسات الثقافية ان تشخص الاهتمامات المطمورة في قضايا لا مُفكر فيها داخل الحقول الأكاديمية، أي عليها ان تبني منهج للنقد الفاحص يتساءل عن الكيفية التي تمكن بها الغياب والصمت الحالي من التحكم بالتدريس والبحث والإدارة داخل الأقسام الأكاديمية والصلة التي تربط المعرفة بالسلطة.
ولكي تحافظ الدراسات الثقافية على تكاملها النظري والتطبيقي، عليها ان تطور أشكال المعرفة النقدية فضلا عن النقد الفاحص للمعرفة نفسها. ومثل هذه المهمة تتطلب مقاومة النزعة المادية والتشرذم الذي يسم الحقول المعرفية. والدراسات الثقافية بحاجة إلى نظرية عن الطريقة التي تمكنت بها مختلف التشكلات الاجتماعية من إنتاج وإعادة إنتاج العلاقات التي تسم المجتمع المهيمن، كما تحتاج إلى إيجاد لغة يُنظر فيها إلى المعرفة على أنها جزء من سيرورة التعلم الجمعي المرتبطة بديناميات الصراع داخل الجامعة وخارجها. وبهذا المعنى على الدراسات الثقافية ان توجد خطاباً معارضاً وممارسة مضادة للحقول المعرفية ورؤى متنوعة للمستقبل. وتتضح عدم إمكانية تطوير الاهتمامات التي تتعامل مع هذه الإشكالية داخل الأقسام التقليدية لأن بنية الجامعات مرتبطة باهتمامات تتخطى التوجهات النقدية للمفكرين الراغبين بالتصدي للأوساط العامة المعارضة. ولا يمكن تعرية مثل هذه الاهتمامات لصالح الممارسات الأكثر راديكالية إلا من خلال الجهود الجمعية للمفكرين المقاومين.
الهوامش
(1) أنطونيو غرامشي، " دفاتر السجن "، ص 5-27، منشورات International Publications 1971.
(2) موراي بوكشن، " ندوة : المفكرون في ثمانينيات القرن العشرين " 1981.
(3)غرامشي، مواضع متفرقة من " دفاتر السجن ".
(4) ينظر : Peter Hohendahl's The Institution of Criticism (Ithaca: Cornell University Press, 1982). 44ff. and 242ff. for a discussion or this point.