إعلان موت الثقافة العربية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أو القرعة تتباهى بشعر بنت اختها
الشيء بالشيء يقارن. وإذا عدنا بالحديث إلى ما يسمى بالثقافة العربية -الإسلامية من أجل إثبات عبقرية العرب وعظمتهم وإسهامهم الخلاق- بأثر رجعى طبعا-فلا مجال للحديث هنا عن أي شيء. منذ عدة سنوات ذكر الدكتور جابر عصفور، ربما في مقابلة صحفية، بأننا يجب أن نعيد النظر في العدسة التي ننظر من خلالها إلى الأمور، وليس إعادة النظر في تلك الأمور. هذه العبارة، من فرط خطورتها، استوقفت الكثيرين. وبعد فترة، أدركوا مدى ما تضمنته من تحذيرات آنذاك. غير أن الفترة القليلة الماضية، التي فصلت بين نشر هذه الجملة، وما نحن فيه الآن، تجعلنا أكثر تطرفا وراديكالية. أي ببساطة، لم يعد هناك أي جدوى لا لإعادة النظر في المناهج، ولا حتى في العدسة التي ننظر من خلالها لهذه المناهج. الأمر يتلخص في استحدث عدسات جديدة ومناهج جديدة. ولكن كيف؟
إذا كان هناك شك في أن الثقافة العربية بمعناها الواسع والعميق قد ماتت وإلى الأبد، فمن الممكن النظر إلى ما يدور في مجمل مجالات المعرفة العربية عموما، أو في حركة كل دولة تتحدث العربية. في فترات سابقة، تحدث الكثيرون عن التدهور والانحطاط والتخلف. واتضح أن غالبية هذه "التوصيفات" كانت مُسَكِّنا أكثر منها دواء ناجعا. وظل الكثيرون يخفون "المحنة" الحقيقية، ألا وهى موت الثقافة التي توارثتها كافة الدول المتحدثة بالعربية. تلك الثقافة التي اختلط فيها الحابل بالنابل على أرض بور أصلا لم تسمح بأي تقدم أو تطوير لبعض "البدايات" البدائية جدا والتي كانت واعدة آنذاك في القرن العاشر الميلادي.
المحاور الخمسة الأساسية للعالم الجديد تتلخص في: التقدم العلمي-التقني، والاقتصاد السياسي، بما في ذلك الركيزة الأساسية للاقتصاد الدولي (الشركات متعدية القومية)، والسياسة الدولية، المجال الجيوسياسي، والأمن الدولي. والسؤال البسيط الذي يطرح نفسه: ما علاقة كل دولة متحدثة بالعربية، أو جميعها، بكل هذه المحاور أو أحدها، ومدى تأثيرها ونفوذها فيه؟ الحديث عن الفن (موسيقى-تشكيل-مسرح-سينما-رقص-غناء)، أو الإبداع الأدبي (رواية-شعر-قصة-دراما-سيناريو-نقد)، أو الدراسات في علم الفلسفة والاجتماع-الحديث عن هذه الأمور أيضا لن يمنحنا نتائج طيبة إلا في حدود ضيقة أقرب إلى الصفر. ومجموعة الظواهر "الشاذة" التي حازت على جوائز، أو ترجمت في الغرب، ما هي إلا تجليات للمستنقع الذي تعيش فيه هذه النشاطات في الداخل. ولن نتطرق إلى ظروف منح الجوائز أو الترجمة. إذ أن الظواهر الفردية لا يمكن أن تصبح معيارا للقياس. وهو ما يذكرنا بالمفارقة الموجعة: كيف يمكن أن يكون هناك طواغيت مال في دولة فقيرة أصلا!!!
لا توجد حلول جاهزة، ولا إجابات جاهزة. ويمكن الزعم بأن زمن التساؤلات "اللينة" و"الرحيمة" و"المشفقة"، قد ولى دون رجعة. الآن تنتهي أيضا اللحظات الأخيرة من زمن الأسئلة الحادة، والقاسية، والقاتلة. هذه اللحظات هي الفرصة الأخيرة لدول تعيش-بمقياس التقدم الحالي-في القرن الرابع عشر، أو في أحسن الأحوال في القرن السادس عشر. والإعلان عن موت الثقافة العربية هو الخطوة الأولى على طريق تحديد الـ "أنا"، وحتما لكل دولة تتحدث العربية على حدة. وهذا يحيلنا إلى إعادة النظر في مصطلحي الـ "أنا" والـ "آخر". فالآخر ليس واحدا سواء كان هذا الآخر في تكتل-حلف اقتصادي أو سياسي أو عسكري أو جيوسياسي أو ثقافي. وليس أيضا واحدا حتى وإن كان داخل الدولة نفسها. وعلى نفس الخط، يمكن أيضا توصيف الـ "أنا". غير أن ما يبدو من خداع في الحالة العربية، لكل دولة أو للجميع، هو نتاج لظاهرة "الموت" التي أتت على كل شيء. الخداع يكمن في اعتبار الأنا شيء واحد. هكذا فعلا يبدو الأمر نتيجة للخداع السياسي والإعلامي والتسلط والاستبداد. إلا إنه ليس إطلاقا كذلك. والسبب الرئيسي يعود إلى أنظمة الحكم الأبوية، والدساتير المتهرئة، و"الثبات" الفلسفي لحركة المجتمع.
"الآخر" الذي نقصده، ليس واحدا، لأنه بالدرجة الأولى ليس مجرد مفهوم جغرافي. فهو متنوع، ومرن، وحى ونشيط، ومتقدم، واستعماري، ومغتصب.. إلخ ولكنه أيضا ديمقراطي وطموح ومتفائل ومتغير..
الحديث في هذا المقام لا يخص الناس "القطيع" إطلاقا. فهؤلاء الناس يسعون ليل نهار لتوفير رغيف الخبز، يكدون ويكدحون 20 ساعة يوميا وهم تحت خط الفقر. و"الصفوة" المثقفة تعيش أوهامها الخاصة. ففي مصر مثلا ( وقياسا على ذلك في كل دولة تتحدث العربية) يعتقد الكثيرون من هذه "الصفوة" أن مصر هي أم "الدنيا"، و"أعظم دولة في العالم" و.. ويروجون لذلك إما عن عماء أو تفاؤل أو لمصالح ما مع "صفوة" أخرى أكثر لعنة. و"الصفوة" السياسية المتنفذة تعيش في واد آخر ليس له أية علاقة لا من بعيد أو قريب بما يجرى "تحت خط الفقر" أو حتى فوقه. فهي في كل الأحوال تعيش على فتات ما يتاح لها من إنجازات الآخر مقابل إحكام قبضتها على "القطيعين": الناس والصفوة المثقفة. في الكثير من الأحيان تتلاقى مصالح الصفوتين: المثقفة والمتنفذة سياسيا. عندئذ يحدث تركيب في الإيقاع "النغمي" في ما يتعلق بعظمة مصر وتاريخها وأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، وكل تلك الخربطات التي يخدعون بها المواطن المصري (أو غيره من مواطني الدول الأخرى المتحدثة بالعربية) البسيط الذي يكتشف مدى انحطاط هذا الدجل في أول خطوة له على أرض غير أرض "بلده العظيم!".
يمكن أن نتحدث كثيرا عن "الأخلاق" و"الضمير" و"الأخوة" و"الإنسانية" بمعناها الفلسفي العميق. لكنه مجرد حديث نظري فارغ بالمعنى الفلسفي أيضا. ويتكشف خواء هذه "الكلمات" عندما يتم ربطها بمجريات السياسة الدولية، والاستعمار، وتقسيم مراكز النفوذ والتأثير. فهناك جملة من المفاهيم والقناعات والأفكار تحكم حركة العالم في الوقت الراهن، ولا تمت بأية صلة لموضوع الأخلاق والضمير والإنسانية، حتى وأن تلحفت بهذا الموضوع. ولنتذكر جيدا عندما تم استعمار دول لدول أخرى حتى من قبل الميلاد ومن بعده أيضا. وماذا كانت الدوافع والأسباب، حتى وإن كان هذا الاستعمار تحت غطاء نشر الديانات التوحيدية والحنيفة أو تطوير الشعوب الأخرى وتنويرها.
الآن تسير الأمور في مجرى مختلف "نوعيا"، وإن كانت مفاهيم الاستعمار الكلاسيكية لا تزال تشكل العصب الأساسي لما يجرى. ولكن كما تتطلب المصالح العليا والقومية لدول قادرة اقتصاديا وعلميا وعسكريا وثقافيا، فمن الضروري الحفاظ على هذه المصالح حتى وإن كانت على حساب دول وشعوب أقل منها، طالما هذه الدول والشعوب لا تساهم في المنجز البشرى، وإنما تحاول أن تعيش على فتاته. من الممكن التطرق إلى أن الدول الكبرى لا تتيح للدول الصغرى كذا وكيت، وتعمل دوما على إفقارها، وإثقالها بالديون والحصار.. إلخ.. ولكن ماذا فعلت هذه الدول الصغرى لكي تخرج من ظروفها اللعينة؟ من حالة الموت، أو في أحسن الأحوال من حالة الاحتضار؟
السؤال الذي يطرح نفسه تلقائيا، وأرجو أن أُفْهَم بشكل صحيح: أية دولة مجنونة وعظيمة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا، مثلا مثلا، يمكنها أن تسمح لأنظمة استبدادية بالتصرف في مصائر شعوبها، طالما هذه الأنظمة قد جردت نفسها من ورقة التوت، وارتضت بأن ترهن نفسها وشعوبها مقابل أن تعيش هي، لا شعوبها، على فتات "الآخر" المماثل لها؟ أية دولة متقدمة ومجنونة يمكنها أن تسمح لشعوب ليس لها علاقة بأي شيء خلال القرون العشرة الأخيرة، بل وحتى ما قبلها، بأن تتصرف في مصيرها، هذه الشعوب نراها في دول كثيرة، ومنها الدول المتحدثة بالعربية؟ كيف يمكن لدول محترمة أن تترك الحرية لأنظمة لا تزال تفرق بين مواطنيها في الهويات الشخصية، وفى اعتلاء المناصب، بل وتوريثها، سواء للأبناء أو الزملاء في المؤسسة الواحدة، سواء كانت هذه المؤسسة حزبا أو جيشا، أو شرطة؟
اللحظات الأخيرة، الحالية، لا تحتاج إلى شفقة، أو احترام، أو رحمة. لقد آن ببساطة أوان أن "نقول للقرد، أنت قرد، في عينه". والأقسى أن ننظر في المرآة لنقول نفس العبارة.
بدون تلك المواجهة الشرسة، سيظل العرب "خير أمة أخرجت للناس" وبالتالي من حقهم أن يحصلوا على "الجزية"، وعلى فوائد ما قدموه للبشرية، وبأثر رجعي. وسيظل العرب يطنطنون بكلمات جوفاء يتردد صداها في كهوف القرون السابقة، عن أمجاد وانتصارات. مثل هذه الطنطنات تخدع الجميع وخصوصا الأجيال الشابة التي يمكن أن تركن في لحظة يأس، وما أكثر هذه اللحظات، إلى التاريخ العربي الميت، وتنفصل عن طموحاتها في صنع مستقبل أفضل. هذه الطنطنات مفيدة للذين يرددونها للاحتفاظ إما بمناصبهم أو بتميزهم الاجتماعي. مفيدة لهم لأنها تمنحهم المشروعية والسيادة والتمايز، وتمنحهم حق الوجود والحصول على كل ما هو ليس من حقهم.
إن أخطر ما يدور الحديث حوله الآن، هو تلك النبرة التبريرية التي تتناغم بشكل أو بآخر مع الأفكار الواسعة والأهداف النهائية لأمثال أسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي. فأن نتحدث عن حضارة عربية-إسلامية، أو عربية فقط (وهو أمر مشكوك فيه)، أو إسلامية فقط (وهو ما يثير الكثير من التساؤلات الشكوكية أيضا) منحت العالم أزهي ثيابه وعطوره ومنجزاته، أمر مثير للتساؤل. وأن نتحدث عن منجزات بائدة تاريخيا، وليس لها أية استمرارية أو تواصل، أمر يثير الدهشة، وخاصة في ظل التقدم العام في السنوات الأخيرة. أن نعيش الماضي بكل ما فيه من تناقضات في عصر أجدى أن ننخرط فيه ونتعامل معه بآلياته، يدلل بكل المؤشرات على عملية الموات التي نعيشها بكل تفاصيلها.
عصور الجواري والغلمان الأموية والعباسية والتركية والمملوكية تمثل للبعض أزهى حقب التاريخ (العربي-الإسلامي!) لأن جيوش العرب والعجم احتلت دولا أخرى لإشاعة النور والتقدم ونشر دين الله. وبن لادن والظواهري والزرقاوي يريدون أيضا نشر دين الله وإعادة البشرية إلى عصر الحريم والجواري والغلمان.
الساعة الرملية، والصفر، واختراعات الطاجيك والأوزبيك والفرس(التي أصبحت بقدرة قادر عربية-إسلامية) تحاول الانفلات من عصر الكمبيوتر والفضاء لتعلن للعالم كله أنها الأحق بالوصاية والسيادة، ولو بأثر رجعي. مع إنه لا فرق بين الاستعمار العربي-الإسلامي والحملات الصليبية الاستعمارية. العرب احتلوا أسبانيا وبنوا فيها المساجد والقلاع والحصون وقصور الجواري والغلمان، ونابليون بونابرت احتل مصر، و"فتح عكا" وجاء بالبارود والفلاسفة والآلات الكاتبة.
إن تبرير الاستعمار الاستيطاني العربي يبرر أي استعمار استيطاني آخر. والانتقاء هنا يوقع أصحابه في خلط تاريخي مقصود يخدم مشروع بن لادن والظواهري والزرقاوي على المدى الطويل. ويخدم الخلافات العربية الجديدة في إبادتها لشعوبها.
إن الإعلان عن (موت الثقافة العربية) والقطيعة الفلسفية مع مخلفات الماضي، هما الخطوة الأولى لليقظة الفكرية والثقافية، والانبعاث السياسي والاقتصادي والعلمي. واجترار الماضي يكرس للعودة إليه، وإحياء المشاريع الاستعمارية وتبريرها، ونفي الآخر، وتسييد الاستبداد.