سرد عن جيل غاضب وضائع
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
ميان ميان: من المخدرات إلى الكتابة
ربما كانت الكاتبة الصينية ميان ميان واحدة من أهم الشخصيات الثقافية التي حظيت بالاهتمام طوال إقامة المعرض العالمي للكتب في فرانكفورت. بل إنها استمرت تلقى الاهتمام بعد انتهاء المعرض من خلال الندوات والقراءات، ومن خلال اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والحوارات والتعليقات الضافية عنها في الصحف والمجلات. وقد صدرت لها في ذات الوقت الترجمة الألمانية لروايتها " كاندي " تحت عنوان " ليلكَ هو نهاري ". ومحط الاهتمام الواضح بالكاتبة الصينية هو أن روايتها، المتكونة من نوع من الكولاج الشخصي عن حياتها وعن حياة الشباب في شنغهاي، تتسم بالحدة وبالدراما بقدر ما تتسم بالضياع وبالقلق وبخيبة الأمل. وهي بذلك تكشف عما يجري في الصين، هذه القارة التي تتم فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية بتسارع عظيم وتترك بصماتها على الناس وبخاصة على الشباب الذي تتفكك فيه القيم وتضيع عنده المقاييس في التحول الجاري من الشيوعية نحو اقتصاد السوق. وتصور ميان ميان في كتاباتها جيل الشباب في شنغهاي الشهيرة التي يسكنها حوالي 17 مليون نسمة، هذا الجيل الذي يحس بمشاعر متضاربة متسمة بالقلق وبالتوتر الشديد متسائلا عن معنى الحياة بينما يسعى بكل الأشكال المتاحة ليملأها ويتطرف في نهج حياته، عدمياً يمتثل إلى المسكرات والمخدرات والصخب طوال الليل في الحانات والمراقص متمايلا مع الموسيقى العنيفة الواردة إلى الصين.
ولأن حياة الشباب تتماثل إلى حد ما في كثير من المجتمعات فقد وجدت صورة شنغهاي صداها في كثير من البلدان بحيث ترجمت أعمال الكاتبة الصينية إلى كثير من لغات العالم. وتأتي أهمية كتابات ميان أيضاً من الصدق في التعبير المباشر عن هذا الجيل. وهي بالتالي عاشت وتعيش حياته وتعبِّر في كتاباتها عن ذلك. لقد امتثلت ميان ميان في حياتها، لدى التحولات الجارية في الصين، وسفحت العواطف وأحست بالأزمة التي أتعبتها. عاشت، دون مراعاة لأي اعتبار آخر، حياة الليل بكاملها مع الجيل المصاب بجنون الحياة وبالخيبة وبالضياع، كما عاشت المحاولات المتطرفة لكي تملأ حياتها، مثلما حاول الآخرون، بما توهمته الطاقة الشبابية التي تطلب المستحيل.
وعندما تترجم رواية ميان ميان " كاندي " تحت اسم جديد " ليلك هو نهاري " إنما يكشف واقع حياة الكاتبة التي سردت تجربتها في قصص عن حياة الليل في المراقص وفي الحانات فأدمنت على المخدرات وتآلفت مع العاهرات في مجتمع لا يريد أن ينتهي الليل وكأنما يخاف النهار، بينما يتلذذ بالموسيقى الصاخبة حتى الصباح تحت الأضواء الكليلة.
وتقضي ميان ميان فترة قصيرة في برلين لتعيش ولتتعرف على حياة المدينة الليلية وتختزن شريحة جديدة من التجربة تضيفها على تجربتها الشخصية، وهي كاتبة لا تمتثل للخيال في خلق شخصياتها وإنما تكتب ما تشاهده عيانا وما تعيشه بعاطفتها وانفعالاتها.
في إحدى التغطيات الكثيرة التي نشرتها الصحافة الألمانية عن ميان ميان كتبت الصحافية بيترا آنى، التي رافقتها ليلة واحدة في برلين، تقول :
ربما لم يحالف الحظ في تلك اللحظة النادل الذي مرَّ من جانب المنضدة التي تجلس إليها ميان ميان دون أن يتقدم إليها ويستمع إلى طلبها. في تلك اللحظة الحرجة اغتاضت وفكرت بأن الخدمة سيئة وبأنها قد أهملت. فما كان منها إلاّ أن تصفق بيديها وتنادي على النادل بالإنجليزية : " أين قدح الشمبانيا الذي طلبته ". وينظر إليها النادل باستغراب دون أن يعنى بطلبها. ربما فكر، من تكون هذه الآسيوية الصفيقة التي تجلس هناك وتتخذ هيئة جادة بنظرتها إليه والسيجارة في فمها، فيهملها ويمضي في سبيله دون اهتمام.
في الواقع لا يعرف النادل من هي ميان ميان لأنها غير معروفة في ألمانيا، إلاّ أنها تعتبر في الصين نجمة لامعة من خلال كتاباتها وسيرة حياتها. في الصين كتبت بتفصيل عن حياة الناس بكل عنفها. عرضت حياة الشباب بكل أزماتها و صخبها ومصيرها المأساوي. وهذا يعني إنها منحت الجيل الجديد في بلادها السمة المميزة واللصيقة به، وعبرت عن تطلعاته وآماله في الخيبة وفي الفرح. ولربما لا يتطابق هذا الجيل في حياته تطابقاً كلياً مع ما قدمته في النصوص التي كتبتها بهذا الشأن، إلاّ إن معظم شخصياتها ورموزها التي تقدمها يتحرق إلى الحياة ويريد الامتلاء بها. هم رموز لا تجد مناصاً من تناول المخدرات بغية طرد الواقع والطواف في عالم آخر، وتمارس الجنس، و تؤمن بالحب الكلي الناجز، على الأقل من خلال ليلة صاخبة مليئة بالرقص والعربدة. إنها رموز لا تعثر على الحظ ولا
تحقق أملها، لكنها مع ذلك تبحث عنه بجدية تامة. هذه القصص التي تتناولها ميان ميان وتقدم فيها هذا النمط من الشخوص لا يتجاوز محاولاتهم ا لانغمار في عالم الليل والمراقص والحانات وأماكن التجمع في الأقبية بين فرق الموسيقى الصاخبة المتسمة بالجنون. وهكذا تصور الكاتبة مجتمعاً شبابياً مصاباً بالحمى هو نتاج مجتمع ونظام يمضي نحو مزيد من القلق والتمزق والصراع، غير متأكد من المستقبل حيث تتطور الحياة وتمضي بتسارع صوب التغيير وعدم الاستقرار. وتقول ميان ميان :" لقد كبرنا وتماثلنا مع الأفلام الروسية والكورية الشمالية، أما الآن فإن العالم بكل صخبه يفد إلينا ويزدحم فينا. نحن نستمع إلى الموسيقى الغربية ونتفاعل معها. نجلس في المطبخ أمام معجنات ووجبات طعام جاهز. نخاف من الإصابة بالأيدز. ندخن الحشيش الآتي من كيسينغ ياغ، وعندما تتفتح المخيَّلة نستطيع أن نمتزج بصخب الموسيقى ونحن نثرثر. ماذا بعد. وماذا نفعل. لم تعد لدينا الرغبة في أن ننتظر ".
يقرأ المرء، في الوقت الحاضر، الكثير عن الصين. عن النمو الاقتصادي الذي يبلغ عددا من رقمين، وعن التحول والانتقال المثير للصداع من الشيوعية إلى الرأسمالية، ولكنه قلما يقرأ عن تأثير هذه التحولات في المجتمع، خاصة في الجيل الذي عايش ويعايش هذه التحولات، الجيل الذي يبلغ ما بين 20 إلى 30 عاماً من عمره. ومع تواتر أنباء كثيرة عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عن الصين فإن ما ينقل مجرد إحصائيات
أحد.كانت السلطات الصينية سعيدة وراضية عن الإهمال في تناول الدراما البشرية التي رافقت التحول المتسارع في البلاد. أما رواية ميان ميان " كاندي " التي صدرت قبل أربع سنوات فقد منعت، مثلما منعت كتاباتها من النشر. إلاّ أن المنع المتكرر دفعها إلى الشهرة خاصة عندما ترجمت وطبعت بسبع لغات قبل أن تطبع باللغة الصينية. ومازالت دور النشر الصينية تمتنع عن نشر روايتها في البر الصيني. ويمكن من خلال جدل شخصيات رواية وقصص الكاتبة أن يكتشف القاري اللارضى والحنق والغضب لدى الشباب من الأجواء الرديئة في حانات ومراقص الليل ويكشف الفرح والرضى عندهم من الأجواء المريحة. وهكذا تكتب مرافقة ميان ميان بيترا آنى عن غضب الكاتبة متماهية مع شخصياتها عندما قررت مغادرة مقهى " الغراب الأسود " ووصفتها بالرديئة، وبأنها لا تطيق الجو والخدمة فيها، ساخطة على رواد المقهى.
"لا خيال" تقول ميان، وقد سرحت شعرها القصير وأرسلت خصلة منه إلى الجانب. ترتدي كنزة سوداء. إنها بين الناس الذين ربما هم زوار أو رواد سينما يتسمون بالأدب، وهي ترغب في أن تعيش أجواء المراقص الصاخبة وحياة الليل في العاصمة برلين التي تزورها لأول مرة. كانت طوال أسبوع منشغلة في قراءات متتالية بعد حضورها معرض الكتاب العالمي بفرانكفورت. وسوف تقضي أسبوعا آخر في برلين قبل أن تغادر إلى باريس. لقد صدرت روايتها " كاندي " باللغة الألمانية، وهي على أية حال نوع من المونتاج التجميعي عن شخصيات شبه متماثلة، متوترة، ساخطة، تخوض في الحياة بكل حدة. وقد صدرت النسخة الألمانية بعنوان " ليلكَ هو نهاري " بعد أن أُسقطت منها مقاطع وأُضيف إليها بعض القصص القصيرة الجديدة.
تجلس ميان ميان الآن بهدوء وقدح الشامبانيا أمامها قدح. تشرب بعجالة كما لو ضاق بها المكان. ويقترح مرافقوها الذهاب إلى مرقص بلاك ميتال (المعدن الأسود) حيث تعزف موسيقى هي نادرة في الصين. ومع انه وقت متأخر تريد أن ترى المزيد، فتذهب إلى مرقص كي 17 في فريدرش هاين. مازال المرقص غير ممتلئ بالزوار. وفي مساحة المرقص شباب ضعاف بقمصان سوداء وبأحذية سوداء وبسراويل سوداء. الموسيقى صاخبة وصوت المغني يقرع كما لو أنه يزعق بوجه أحد ما ويناديه، لكنه يبقى مجرد حشرجة واختناق. تبدو ميان ميان الآن في مزاج أفضل، تنحني وتنظر إلى الوجه الشاحب الموشى عينيه بحلقة سوداء، إلى مارلين ماسون الشهير وتقول : مثل هؤلاء لم نتعرف عليهم إلاّ في الصور، وثمة فرق قليلة بدأت في الصين ترتدي المعاطف السوداء الطويلة. وقد عزفت واحدة من تلك في الحفل الصاخب الذي أقامته بمناسبة صدور روايتها كاندي. كانت حفلة جنونية ساهمت فيها 13 فرقة موسيقية. وفي صخب الحفلة زارت الشرطة المكان واقتادت معها عدداً من الحاضرين ليغيبوا عشرة أيام. هكذا حدث الأمر ببساطة.
وتتحدث بسرعة. تمنح نفسها لسرد القصص. وحديثها في معظمه يجري عن الحفلات وعن الناس، عن صديقها السابق رئيس الفرقة الموسيقية وعن صديقها كوكو مغني الجاز المثلي وعن صديقه كاسبار. ثمّ تحدث عن بار بيبي فيس في شينغهاي الذي هو بمثابة بيتها الثاني. وتسرد بحماس عن الحفلات الصاخبة بموسيقى التيكنو التي نظمتها أمام جدار الصين الشهير قبل عام وحضره دي جي باول اوكينفيلد فيما رفض الجميع المساهمة خوفاً من مرض السار. وفي الحقيقة تسرد الكاتبة بحماس أحداثا وقصصا مشابهة في الجوهر لكنها تنطوي على تفاصيل مختلفة، وهي تريد الوصول إلى ذات الهدف : وصف حياة متوحشة، متوترة، مدمرة للذات، لا يعرف المرء إلى أين يمضي بها. هي حياة جيل من الشباب في شينغهاي التي يقطنها 17 مليون نسمة و ميان ميان في وسطهم.
وتقول الكاتبة إن حياتها الأولى كانت متوحشة ومؤلمة وكانت على وشك أن تنهيها حين بدأت تكتب. في السابعة من عمرها تركت الدراسة ورحلت إلى شنسين القريبة من هونغ كونغ. وتعتبر شينسين واحة للمتعة وقضاء الوقت. فيها العديد من المراقص وعلب الليل والديسكوات الصاخبة، وفيها المخدرات والعاهرات. هناك عاشت الليل بكل صخبه ومنحت نفسها للعاطفة المنفلتة. أدمنت على المخدرات. وعندما عادت إلى البيت العائلي بعد سنوات بدأت تكتب عن حياتها القاسية وعن تجربتها. و إلى جانب العلاج أعانتها الكتابة على الشفاء من الإدمان على المخدرات. تقول : كانت الكتابة عملية سحرية، لقد شفيت بها تماماً.
ومعظم القصص التي تحتويها رواية " ليلك هو نهاري " يعود إلى ذلك العهد. وهي قصص مأساوية حزينة تنطوي على فكرة محورية تقول بها " كم هي صعبة وإشكالية أن تكون من جيل يعتقد بأنه عارٍ لا يملك أية علاقة مع العائلة ومع المجتمع. بمعنى آخر أن يُضَيِّع نفسه في ما يعتقد إنها الحرية فلا يصل إليها. وتقول ببعض الحزن : إنها ستكبر في العمر و سيمضي بها الزمن. إنها تقريبا في الثلاثين من عمرها. وما عدا بعض الإرهاق البادي في ملامحها لا يقرأ المرء بأنها تركت خلفها كل تلك الأعوام الصاخبة والتجارب المدمرة. أما المدينة المجنونة شينغهاي، مدينتها " فما زالت شابة مدمنة على المتعة , فتاة نزقة وقلقة تحب المال وتنادي الاختلاف ".
لقد بدأ العديد من الصحف في الصين يكتب عن المخدرات وعن مرض نقص المناعة المكتسبة (الأيدز) وعن الضياع والانتحار والغضب. وكانت ميان ميان قد عرضت كل هذه الموضوعات في نصوصها التي كانت محظورة ويعاقب من يقترب من تلك الحقائق التي أخذت تظهر على السطح منذ مدة طويلة. " إنها موضوعات خطرة، لذلك منعت السلطات كتبي التي تناولت فيها هذه الحقائق. وعلى غير ما هو منتظر فقد جاءت ردود الفعل تعزز ما كنت أكتب عنه ".
لقد انتهى الآن كتابها الجديد، الذي استغرق كتابته ثلاثة أعوام. وسوف يصدر في هونغ كونغ الأسبوع المقبل. أنها لم تجد في الصين دارا واحدة مستعدة للمغامرة بطبع المخطوطة. والواقع إن الكتاب يعتبر أكثر هدوءا في موضوعاته ولا يمثل فضيحة صارخة مثل كتابها الأول.
تريد ميان ميان الآن أن تغادر وترى المزيد في ليل برلين. وهكذا تصل إلى " اوست غوت " وهو نادي ليلي على مقربة من المحطة الشرقية للقطارات اوست بانهوف، اتخذ من بناية قديمة لمحطة وقود مكانا له. وتعلق ميان : " معظم النوادي والمراقص الليلية في شينغهاي تتخذ من المعامل المتروكة والمستودعات القديمة الفارغة مراكز لها، حيث تقرع أصوات الآلات النافخة وغيرها من الأدوات الموسيقية قرعا عاليا ذا صدى في السقوف العالية وهي تتسع لعدد كبير من الزوار. ولكن هنا في اوست غوت ليست سعيدة ذلك لأن موسيقى التيكنو بالنسبة لها صاخبة وقاسية الإيقاع أكثر مما ينبغي، ومعظم زوار المرقص من المثليين.