الجسد في التفاعل بين الثقافة والبايولوجيا
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
بقلم نيل سملسر
ترجمة خالدة حامد
ظهر "الجسد" في الآونة الأخيرة بصفة ثيمة مهيمنة في الحياة الثقافية لكنه، في معظم أحواله، جسداً مفهومياً وأثيرياً يتمنذج في النص. ويبدو أن "رسل" ما بعد الحداثة يعلنون"أن الجسد قد تحول إلى كلمة تستقر بيننا". بمعنى آخر، ليست "لغة الجسد" هي القاعدة الآن بل الجسد بوصفه لغةً. ومع أهمية موضوعات من قبيل بلاغة الجسد ورمزية اختلافات الجندر، سنجد عند ملاحظة قلة ما قيل في الجسد البايولوجي العضوي في هذه المناقشات أن الشك يحوم حول الماكنة الأكاديمية العملاقة التي ما تزال تدور في فضاء العقلانية الأثيري. ربما كانت هذه الحال في دعوات بول ريكور ودريدا إلى النظر إلى الفعل الإنساني والحياة الاجتماعية بوصفها نصوصاً، أو في نظرية الفعل التواصلي الهابرمازية التي تذكر الكثير عن الذوات العقلانية التي تتحدث لكنها لا تقول سوى النزر اليسير عن الفواعل التي تقول بالفعل. بمعنى آخر أن خبرة الجسد المحسوسة والمتصوّرة والمتخيلة لا تلائم مثل هذه النظريات.
أو لنتمعن في ماجاء به نيكلاس لوهمن، منظِّر الأنساق، الذي أدخل فكرة الأنساق المولدة لذاتها. هنا نشهد "عبادة " معاصرة للآلة العملاقة. ولأن نظرية الأنساق التجريدية التي بلا حياة تستبعد الكائنات البشرية التي تؤلف النسق الاجتماعي، فإنها تنأى عن إمكانيات الحياة الطبيعية التي تصنع الذات وتصنع الجيل، بل تتجاهل قدرة الإنسان على خلق المعنى في أفعال وأعمال مدركة بعناية تتعالى على النسق بذاته. ولهذا يمكن القول أن نظرية لوهمن تشكل جزءاً من حلم قديم يسعى لمنح الحياة للآلة، أي إلى النسق الشبيه بالآلة. بل أن مفهومه هذا يشبه مفهوم " الروبوت "، الإنسان الآلي، أو أية أنواع أخرى من الولع بالآلة تضخه الثقافة الشعبية أو الأفلام التي تحتفي بتحول الإنسان إلى آلة. إن مثل هذه النظريات السوسيولوجية لا تنأى عن نظريات الذكاء الاصطناعي أو " الشبكة المحايدة " التي تنظر إلى الإنسان وكأنه ماكنة لحم.
أنا أتناول هذه الظواهر الفكرية والثقافية بوصفها علامات على امتياز الحياة الآلية، وبذا يكون الاهتمام الراهن بالجسد ميزة تفكيك هذه النظرة. ومع ذلك يبقى شبح الماكنة مخيماً علينا سواء أتمثل بشكله المفهومي أو تجسد في النسق الآلي. وتأتي نظرية الثقافة، ضمن هذا الصدد، بصفة شكل من أشكال الحرمان الحسي. فأولئك الذين يعلنون أن الثقافة هي " نسق من الرموز والمعاني " يقدمون افتراضاً لا نقدياً مفاده أن الثقافة والرموز والمعاني لا تمس الحياة العضوية ولا تتأثر بها أصلاً. بل أن أيديولوجيا النظرية الثقافية تميل إلى عدّ أي اهتمام بالعلاقات بين الثقافة والحياة العضوية أو التطور (الارتقاء الطبيعي) تهديداً لهيمنة النسق الثقافي على المعنى. ثمة استثناءات على هذه النظرة ولا ريب، ولعل من أبرزها العمل الذي جاء به كليفورد غيرتز، وفيكتور تيرنر، ولويس ممفورد. وقد كتب غيرتز عن التفاعل بين الثقافة والبايولوجيا عند ظهور الثقافة الإنسانية. وبيّن في مقاله، " نمو الثقافة وتطور الذهن "، أن " الجهاز العصبي عند الإنسان لا يُمكّنه فقط من اكتساب ثقافة ما، بل يلح عليه بأن يفعل ذلك إذا أريد له أن يقوم بأية وظيفة أصلاً. إذ بدلاً من أن تبدي الثقافة فعلها فقط في مجال تكميل القابليات العضوية وتطويرها وتوسيعها وهي أصلاً سابقة جينياً على الثقافة، تظهر الثقافة كعنصر من هذه القابليات نفسها. ومن المحتمل أن لا ينتهي المطاف بالإنسان الذي بلا ثقافة إلى قرد موهوب في جوهره، بل إلى كائن غير سوي متجرد من الذهن كلياً وبالتالي غير قادر على الأداء " (1973 : 68). وبالمثل، يمكن للمرء أن يقول أن من غير الممكن أن نجعل الإنسان الذي بلا طبيعة إنساناً " متحضراً "، بل هو في الحقيقة كائن غير سوي غير قادر على الأداء. ومثلما يظهر من اضطراب التخيل العُصابي، فإن من الممكن أداء (وتذكّر) مهام إنسانية معقدة لا تخلو من معنى. بل مثلما يظهر في حالات لدى أفراد يعانون من تلف في الأغشية الدماغية، فإن من الممكن الاحتفاظ بالوعي والكلام والعاطفة لأقصى حد على الرغم من وقوع الفرد المريض في أسر حاضر مستمر يخلو تماماً من القدرة على تذكر أي شيء منذ زمن حدوث التلف، أو تشفير معلومات جديدة، أو استنباط أي حدث إلى أبعد من زنت حدوثه الفوري. ويتمخض عن هذه البليّة كذبة الحلم الطليعي القائل بإمكانية محو الماضي لتحقق حاضر " حي " : لا شك في أن مثل هذه الثقافة لا وجود لها الآن، بمعنى أنها بلا وسيلة الخبرة الإنسانية. ويتضح أن بايولوجيا الإنسان، على النحو الذي تتجلى فيه في دماغ الإنسان ومعناه وذاكرته وقابلياته أو في أعضائه النطقية، تدخل في علاقة متبادلة مع الثقافة.
ربما تكون الثقافة أداة المعنى المتموضعة، لكنها تبقى مرتبطة في جوهرها بنزعات جسد الإنسان ومحدداته العضوية عبر تأثيرات الخبرة. وجدير بالذكر أن مرونة الثقافة لا تدل على فقر الغرائز الإنسانية مثلما ظن آرنولد غيهلن، بل على مرونة أو غموض الغرائز الإنسانية نفسها : فالثقافة لا تحررنا (أو تحرمنا) من البايولوجيا بل تعايشت بصفة جانب جوهري لبايولوجيا الإنسان. وبالنسبة لأي شخص يتأمل في الكيفية التي جاءت بها الثقافة، يمكن القول أن إعلان غيرتز أن الثقافة أحد مكونات القابليات ذات الأساس العضوي لهو إعلان يتحدى ما يسمى بالفصل القائم بين الطبيعة والثقافة. ومما يبعث على المفارقة أنه نادراً ما تتم الإشارة إلى فكرة غيرتز بشأن التفاعل بين الثقافة والبايولوجيا. ومع تقدير غيرتز الكبير لأهمية طبيعة الإنسان العضوية بالنسبة للثقافة، نجده يحفظ ميول " المنسقات الثقافية " السائدة التي تنظر إلى المعنى بوصفه مقصوراً على التدليل المتواضع عليه. ويتأرجح التواضع، أي الرأي القائل أن المعنى الإنساني كله يرتكز على مواضعات اجتماعية طبيعية، فوق الحياة المعاصرة. وقد قاد ذلك مدارس الفكر الفرنسية المرتبطة بالبنيوية وما بعد البنيوية إلى الإبقاء على تأثير السميولوجيا السوسيرية قوياً ضمن إطار التواضع. بل وصل الأمر حتى ببورديو إلى محاولة تطوير مقولة الهابيتوس (التطبُّع) وضمن إطار التواضع أيضاً من خلال النظر إلى الهابيتوس بوصفه نظام نزعات. ويتضح هذا الرأي على نحو جليّ في مناقشات بورديو للحكم الجمالي في كتابه، " تمييز "، الذي يتبنى فيه الفصل القياسي بين التحليل الجوهري والتحليل المتواضع عليه ويزعم أن النوع الأول من التحليل سيكون نصيبه الفشل ولا ريب لأنه يغفل عن حقيقة أن المقاصد والأحكام كلها تعدّ نتاج المواضعات الاجتماعية. قصد المنتِج نفسه نتاج معايير ومواضعات اجتماعية ترتبط معاً لتوضيح معالم الحد ـ الملتبس تاريخياً والمتغير دائماً ـ بين الموضوعات التقنية البسيطة وموضوعات الفن. إلا أن تقدير العمل واستيعابه يعتمد أيضاً على قصد المشاهد (المتلقي)؛ وهذه دالّة المعايير المتواضع عليها التي تتحكم بالعلاقة بالعمل الفني ضمن موقف تاريخي واجتماعي معين، كما أنها دالة على قدرة المشاهد على التوافق مع هذه المعايير؛ أي تدريبه الفني.
وبتأكيده على أن الخبرة الجمالية هي خبرة اجتماعية ومتواضع عليها، يهاجم بورديو الرأي القائل أن الحكم الجمالي يتوقف على فعل الإدراك الحسي الذي لا يتوسطه شيء، وعلى خواص العمل الفني التي لا يعيقها التدليل الاجتماعي ومن هذا المنطلق يرى بورديو أنه لكي يكون المرء إنساناً يعني أن يكون نتاج تلك المعايير الاجتماعية التي يجد المرء نفسه فيها. إنه هنا عالم يُنكر فيه على المخلوق الإنساني ـ الذي يكون منفتحاً على المعنى ومحتاجاً له ـ تجسيد معنى جديد غير قابل للتحول إلى المعايير الاجتماعية السابقة، وإن كان ناشئاً عنها.