الشعر في غزة - الموت في غزة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
غريبة هذه الغزة، غريبة بشعرائها وشاعراتها وفنانيها الذين لا يسكتون عن الغناء والرقص والكتابة، في غزة يكتب الشعر على ايقاع الدم، يكتب حزينا وقويا، كأنه رقصة الوجود الاولى، كأنه ارادة الحياة، لغزها، تجليها الاكبر، وبرهانها الاكيد، في غزة يموت الناس كل يوم، نساء ورجالا شيوخا واطفالا، يموتون بصخب او بصمت، مقاتلين او عابرين، في غزة يكتب الشعر كل يوم، يكتب رائيا و عميقا وشفافا وانسانيا جدا، مقابل كل طفل يموت تولد في غزة قصيدة، كلما قصف الاعداء مدينة او جرفوا ارضا يقام في الصباح التالي معرض فن تشكيلي، كلما ارتكب اعداء الحياة مجزرة جماعية، نوقشت رواية او مجموعة قصصية او ديوان شعري، غزة تقصف الاعداء بالرقص و الغناء و القصائد، قد يبدو هذا الكلام مضحكا ومثيرا للسخرية لكن تخيلوا انفسكم بلبلا وحيدا ، وهو يتعرض لعاصفة غبار همجية، انه يبدأ بالغناء حتى الرمق النهائي، حتى خفقة الجناح الاخيرة، قد يموت البلبل ويندثر، لكن الغناء يبقى يقض مضجع العاصفة ويخلخل يقينها . حين شاهدت اوبريت الطلائع على شاشة تلفاز فلسطين، لم اصدق اني امام عمل فني فلسطيني من غزة، قالت امي : هذا عمل مصري والاصوات اصوات اطفال مصريين، كانت دهشة كبيرة ان نعرف امي وانا ان هؤلاء الاطفال هم اطفال غزة، كان الاطفال وعددهم خمسون يغنون : lt; احنا طلائع فلسطين عايشين لكن مش عايشين gt; كانوا يتمايلون مع ايقاع اللحن ومعاني الكلمات بذكاء وعفوية وحساسية خاصة تتلاءم تماما مع روح غزة المتألمة، وروحها الاخرى المتحدية، في غزة و بينما يتحول الموت الى جار اليف او بائع سجاد متجول، تكتب و وتمثل المسرحيات، وتقام معارض الفن التشكيلي، وتكتب القصص والروايات والندوات والامسيات الشعرية، ليس في يد الغزيين سوى الشعر وفتات بحر والكتابة، كما ليس في يد الرصاصة المحتلة سوى خيبتها وتكراريتها المملة، ويأسها وغبائها
وهكذا اذن تدور حرب ضروس بين الخيبة والغناءبين اليأس و الشعر.
في رام الله ثمة موت خفيف ومتقطع، ثمة استقرار ما وليل هاديء ومع ذلك الشعر هنا يكتب بارستقراطية مكشوفة، ودلع مزعج وبطء و بخل غريب، الثقافة في رام الله ثقافة شكلانية عابرة سطحية و ديكورية، في غزة التي تموت كل يوم، يتنفس الناس الثقافة كما يتنفسون دخان الدبابة، شبان غزة يحبون المسرح و الشعر بينما يحب شباب رام الله البوظة والشات الصبياني ، نساء رام الله يبتسمن كما يبتسم البلاستيك، بينما نساء غزة يبتسمن كما يبتسم الاطفال، الشعر في غزة ينهض مبكرا نشيطا، طيب القلب، يهرع فورا الى النافذة، الشعر في رام الله يتأخر في النوم، ويهرع فورا الى المطبخ.
في غزة ثمة شبان وشابات طالبات وطلاب، يعودون الى البيوت مرهقين مساء من تعب الدرس وارهاق الامتحان، وبعد اغفاءة قصيرة، ينهضون على رائحة قصف اوصوت دم
يخرجون الى الشرفات،
يجلسون ويمدون ارجلهم للطائرات
ويبتسمون طويلا، طويلا يبتسمون،
وفي الليل، وعلى حواف عمقه، يكتبون الشعر، او يقرؤونه، كانهم يخبزونه، او يرتدونه ، كانهم يضاجعونه،
قد يغنون
ويرسمون
ويرقصون
واحيانا قد يبكون فرادى و بصمت في اخر الليل، وينهضون قبل الصبح بشهقتين، يشعلون كتابا،، ويدخنوه
في غزة ثمة شاعر من مخيم خان يونس وحيد ونحيل، يمشي في غرفته – الكون يفكر في بيت شعر غريب، او في نهاية مربكة لرواية يابانية انهاها لتوه، بينما تتعرض ازقة واسطح مخيم خان يونس الى صلية رشاش عنيفة، هو باسم النبريص
في غزة نعم في غزة يكتب شاعر اخر يسكن في مخين رفح lt; عثمان حسينgt; قصائده على نور القذائف الصاروخية وعلى وهج الظلمة الباردة، يكتبها، ضاحكا وساخرا، كعادته في مواجه الموت القريب، الذي يتحرش بعتبة غرفة نومه، يخرمش نوافذ غرفة البنات، ويغلق درب دخان السيجارة الليلية الاخيرة.
مالذي تفعله يا يوسف القدرة ويا ناصر اليازوري وناصر رباح ، حين يهبط الموت طليقا وحقيرا بمظلاته السوداء في زقاقكم او على سطح بيتكم او في غرفة نومكم، ماذا تقولون لها ؟؟ تلك المعدة الحديدية التي لا تعرف معنى كلمتي شعر وغناء، لو ادرك الموت المعنى الانثوي لهاتين الكلمتين لاستقال او لاعتذر، او لانقلب على طبيعته، وارتد الى نقيضة، من يفهم الموت يا محمود ماضي ويا ناصر شعث ويا منال حميس ونهيل مهنا وسليم النفار ايتها الشاعرات ايها الشعراء ؟؟ من يعلمه دفء وشبق الغابات حين يحتويها الشتاء ؟؟ من يدربه رويدا رويدا على رقصات الظباء حين تشبع الذئاب، وتغادر الافق.
من يمنحه شرف التحديق في نكهة قصيدة او لوحة تتخلق بطيئة وورطبة من رحم ليلة موت طويلة ؟؟ من من ؟؟
يا رمزي خليل ايها الشاب الغض الذي ارسل يقول لي انه يحب نصوصي ويقراها بعد القصف واثناءه وقبله، يا بائع الحلويات الوسيم في غزة هل تسمعني ؟؟ اعرف ان صوت القصف عال يا صديقي، ولكن حاول ان تقرا شفاههي : مالذي تحبه في قصائد درويش العظيم وانت تنحني لزبون بليد او قذيفة متغطرسة ؟؟ تقول انك تحتفظ بقصائد قديمة لسعدي يوسف وحسين البرغوثي وبالو نيرودا في خزانة عتيقة، داخل المحل، وانه كلما قصف الظلاميون المنطقة، ويهرب الزبائن، تتكي على جدار وتشرب الشعر، تاكله، فتشعر ان العالم بخير لولا ذبابة تدوي في السماء.
مالذي يحول الدموع الى قصائد في جنازات الشهداء؟ مالذي يجبر مدينة فقيرة و صغيرة وضيقة على حب الشعر؟؟
اجيبي يا غزة يا حبيبتي و يا سري وجنوني، ولعنتي
كيف تستطيع نساء غزة الرائعات ان يحولن الحصار البيتي الفظيع والحصار الاحتلالي الجهنمي الى نص سري
يمتلك كل الغاز و براءات العالم، وكل نضارته وطفولته وبطولته ونبله ؟؟؟
كيف تموت امراة مع اولادها في الجوار؟
وتنفجر فجاة اغنية حب جماعية في حناجر اطفال مخيم مجاور؟؟
اجبني يا بحر غزة، يا نساؤها الوحيدات المحتشدات بنار الحلم، ايتها الطاقة يا طاقة الامكنة والارواح والازمان في غزة، هبي على العالم، املأيه غناء ورقصا ودخانا سريا و قبلات،
احبك غزة
احبك مدينة الشعر والموت
انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص
ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف