عالم الأدب

حوار مع ماريو بارغاس يوسا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حفلة التيس رواية ديكتاتورية
أجرت الحوار: نادين سوتيل
ترجمة فوزي بوخريص


تعتبر رواية "حفلة التيس" من أروع ما كتب، المبدع البيروفي ماريو بارغاس يوسا، فهي ترسم صورة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية، من خلال التركيز على "حكم" رافائيل لونيداس تريخيلو في جمهورية الدومينكان، في الفترة الممتدة من 1930 إلى 1960، حيث تم اغتيال تريخيلو.ولهذا فأغلب شخصيات و أجواء الرواية مستوحاة من الواقع. وتندرج هذه الرواية ضمن"رواية الديكتاتورية"، التقليد الأدبي الذي ميز أمريكا اللاتينية، والذي تأسس مع الكتاب الغواتيمالي ميغيل استورياس بروايته الشهيرة "السيد الرئيس" والتي حاز بها على جائزة نوبل للآداب. في هذا الحوار نقترب من عوالم رواية " حفلة التيس":


نادين سوتيل: تدعو رواية "حفلة التيس" إلى التفكير في ثلاثة أشياء، في نفس الآن: في فيلم لكوسطا غافراس كلب هجين لدافيد لانش، و روايات فولكنر، والتي قال مالرو أنها تتطرق لتيمة الوضع الإنساني مثل:" حضور للمأساة الإغريقية في الرواية البوليسية"...

ماريو بارغاس يوسا: أعجبتني كثيرا فكرتك عن الرواية الفلكنيرية.فولكنر هو أول روائي قرأته وأنا مسك بقلم الرصاص وقطعة ورق في يدي، محاولا فك بنياته الزمنية، والطريقة التي ينظم بها التصورات.مأساة إغريقية؟ رواية بوليسية؟ بالتأكيد ! الوقائع تتجاوز في هولها المتخيل، وينبغي الكشف عنها. يمكن لذلك أن يحدث صدمة، عندما نجعل من الألم أو الوضاعة مادة للإبداع.لكن إنه وضع الكاتب،أن يحول ما يقرأه، وما يعيشه إلى عمل فني.والديكتاتورية، كما بين مالرو ذلك جيدا،هي تيمة غنية بشكل خاص، لأنها تجربة-في أقصى مدى، تفرض مواجهة الخوف.إنها امتحان، بداخله يمكن أن نقف عند ما هو أفضل وما هو سيء في الكائن البشري. وديكتاتورية تريخيلو، عندما كنت شابا، كانت تعتبر مثل النموذج الرمزي للديكتاتورية في أمريكا اللاتينية.لقد دفعت خصائصها إلى أقصى حد: الشراسة، الفساد، لكن أيضا التمسرح.كان تريخيليو شخصا لا يمكن التغلب عليه في ما هو ساخر: لقد عين ابنه رامفيس ذي التسع سنوات كولونيلا، ثم جينرالا في سن الثانية عشرة، في حفل عمومي حضره كل السفراء...ورسم هو بنفسه بدلاته العجيبة، وشكل شاربه الهتليري، ساعده في ذلك نموذج مثالي من نيويورك كان قد اختاره.وقد كان في نفس الآن رئيس بروتوكولاته ووزير الرغبات.وأسميه/أدعوه مانويل الفونسو.في تلك الفترة كنت طالبا في الآداب بجامعة سان ماركوس في ليما

*وهو ما أوحى لك بفكرة هذا الكتاب؟

-كلا، إن ما فتح فعلا شهيتي هي إقامتي الأولى بجمهورية الدومينكان سنة 1975، بمناسبة تصوير فيلم مأخوذ عن روايتي " السروال والزائرات".مكثت هناك ثمانية شهور.كنت مذهولا بالشهادات، مرعوبا لكن مفتونا، خصوصا عندما علمت انه خلال جولات تريخيليو داخل البلاد، كان يقدم له البسطاء من الناس، كهدايا بناتهم العذراوات، كما لو أنهم يقدمونها إلى إله وثني.وقد أكد لي سكرتير سابق لتريخيليو ذلك قائلا:" بالتأكيد ! حتى أنه كان مشكلا بالنسبة لنا، إذ لم نكن ندري ماذا نفعل ! ".وهو ما أوحى لي بفكرة إيرانياurania.اختلقت الشخصية لكن قصتها هي واقعية تماما.

* تريخيلو يتباهى أيضا أمام مساعديه المقربين "بامتلاك" نسائهم...

- أجل. في بلد ذكوري، يريد أن يعرف ما إذا كانوا فعلا مستعدين للتضحية من أجله حتى بشرفهم الذكوري. والمدهش أكثر هو، أنهم يقبلون بالامتحان:كل شيء إلا فقدان الرضى ! بحيث أن النساء كن ضحايا على وجهين: للحكم الاستبدادي،وللمنطق الذكوري.

* تستحضر غالبا نظرة تريخيلو: قال الملازم غارسيا غيريرو،أحد المتآمرين:" كما لو انه قام بمحو ضميري".

-نجح تريخيلو في أن يفرض نفسه على طريقة البرنامج التلفزي المثير(السكوب-التلفزي).كان لكل واحد تريخيلو في داخله.لذا فعندما تتم مشاهدته على أرض الواقع ! هو ذا النجاح الفعلي للديكتاتورية: عندما لا يكون فقط فوق رؤوس الناس، ولكن بداخلها أيضا.نقول أن هناك نقص في الإنسان يسمح بالديكتاتورية."من اليمين" أو " من اليسار"، لكن هي فقط البلاغة التي تتغير.خذ مثلا: أمريكا اللاتينية، ففيديل كاسترو في السلطة منذ 43 سنة ! أكثر من تريخيلو باثني عشرة سنة ! وفي فنزويلا، هوغو شافيز يحب كثيرا أن تكون له السلطة المطلقة لفيديل...وفي إفريقيا، انظر إلى الزنبابوي و موغابي !...اليوم، في العالم، لديمقراطية واحدة هناك خمس ديكتاتوريات.مع نتائجها الملموسة: استعمال القوة، التلاعب بالرأي العام، احتقار حقوق الإنسان ولكي نختم، تقديس الزعيم، الكوديو(لقب كان يطلق على فرنكو).

*هل يتيح هذا التقديس فهم رد فعل الجنرال رومان؟

- تصرف الجنرال رومان قائد القوات المسلحة، هو شيء لا يصدق لكنه صحيح. وهو يدخل ضمن إطار المؤامرة، لكنه، في آخر لحظة، عجز عن المرور إلى الفعل، أصيب بالشلل بفعل نوع من الهلع المقدس.وقد دفع الثمن غاليا !

*الإفراط في القمع، يذكر بأورستي لايشيلorestie d Eschyle أو ريشارد الثالث لشكسبير. رئيس التشريفات هو الكولونيل جوني أبيس غارسيا، قائد الاستخبارات (س.ا.مs.i.m )....

-هذه الحكاية الخيالية، تتجسد على مستوى الوقائع ! كان جوني أبيس وحشا. يجد لذة ليس فقط في معاناة ضحاياه، وإنما في تدنيس ذاكراتهم،وفي تزييف الاغتيالات بطقوس العربدة الجنسية مثلا...لقد كان مرشد إذاعيا قديما تحول إلى طالب مزيف في مكسيكو، حيث تعرف على كاسترو.فهناك تمكن من اغتيال الكاتب الأسباني خسي الموينا.تريخيليو عينه إذن كولونيل وقائدا لمصلحة الاتصالات.

*تريخيليو حيا، هذا واقع مقنع: أولئك الذين يزعجون أو يضايقون يختفون بشكل سري.كيف تتمكن من إعلان اغتيالهم؟

-تعلم، إنه شيء فظيع، لدرجة انه يصعب تصديقه: اعتاد سمك القرش أن يفترس الأشخاص، وكان يذهب لانتظار المعتقلين.كان هناك ازدحام لسمك القرش...حتى أنه عند اصطياده، وفتح بطنه، يتم العثور على أحذية، , وأحزمة جلدية للضحايا... من الفظاعة أن نستحضر بهذه الطريقة اللاجئ السياسي الأسباني غالانديز، المختطف في قلب نيويورك، أو الروائي رامون ماريو أريستي، الذي أخبر النيويورك تايمز !

* إنه في الجزء الثاني من الرواية فقط، ولاسيما في الفصول الأخيرة، بعد وفاة تريخيليو، يدخل القارىء إلى قاعات التعذيب ل س.ا.م( الأربعون، التاسع).المناخ أصبح لا يطاق.

-بالتأكيد.لكن قصتي جد موثقة: تحدثت مع نساء الضحايا، قرأت كثيرا شهادات حول كيف كانت الحياة داخل السجون، لكن على الخصوص تحدثت مع معتقلين سابقين، وتحدثت،على الأقل، مع واحد من الجلادين.كان الأمر أسوء مما أقدمه.خاصة خلال الستة شهور التي أعقبت موت تريخيليو، عندما عاد رامفيس و تمكن من الحد من القمع.لكن قول الحقيقة يمكن أن يقود التاريخ إلى اللاواقع التام.

* لدينا، على العكس، شعور عجيب بالواقع.حتى عندما يخسر أحد المتآمرين ابنه البكر... والحراس لكي يقدموا الدليل على ذلك، حملوا له رأسه...

-انه شيء شنيع. اجل، من المأساة الإغريقية.تحدثت مع المعتقلين الذين يقتسمون الزنزانة مع هذا الرجل المسكين.إنها اللحظة الأكثر فظاعة. وكان هناك أشخاص من اجل التخطيط لهذه العمليات كما لو أن الأمر يتعلق بلعبة شطرنج !

* يعلم المتآمرون أنهم يخاطرون بذلك. كان لديهم حافز جد قوي للتغلب على الخوف.هل حدث ذلك بالنسبة للجميع؟

-بالتأكيد، من كان ضمن محيط تريخيلو، تعرض للإذلال، للطعن في الشرف، مثل انطونيو دو لا مازا، الذي تلقى ملكية أرض كثمن على الصمت بعد " انتحار" أخيه، شاهد مزعج على اختطاف غالينديز. كان هناك آخرون لاعتبارات مبدئية: كمثال سلفادور استريلا سادالا، الذي لم يسبق له أن اشتغل مع تريخيلو، بما انه كان تاجرا، لكنه كان كاثوليكيا جد ملتزم بواجباته الدينية. " رسالة القساوسة" ل25 يناير 1960 أدانت النظام. أسقفان أجنبيان، واحد من جنسية أمركو-شمالية، والآخر من جنسية أسبانية، كان يتهددهما خطر الموت...طعم السلطة؟ ليس لدى المتآمرين. القائد العام يتوقع انتخابات ديمقراطية بعد ستة أشهر. أولئك الذين يبحثون عن السلطة مكثوا في الظل.

* تفكر في الرئيس بالاغي؟

-بالاغي نجح في أن يكون تقريبا غير مرئي مادام تريخيلو كان حيا.لكنه أراد السلطة، وأخفى ذلك طوال كل حياته تقريبا.كان رجلا مثقفا،رجل أدب، محام..

*ومع ذلك تريخيلو كره المثقفين والكتاب: " أضعهم في الأخير. حتى بعد الاكليروس." !

-اجل، باسثتناء بالاغي.لقد ظل في السلطة طوال واحد و ثلاثين سنة، دون أن يسقط أبدا في أي مشكل، وهو ما كان صعبا للغاية. كان سفيرا، ومر عمليا من كل الوزارات، وكان نائبا للرئيس، وأخيرا رئيسا مع تريخييو. وكان يقول هذا الأخير لنفسه:" سأضع بالاغي في الرئاسة ما دام ليس لديه طموح..."

*" رجل صغير بدون أضواء، كالقمر...".

-فالرجل الصغير إذن نجح في خداع تريخييو، وهو ما كان رائعا. لان تريخييو لم يكن مثقفا ( انحصرت قراءاته في كو باديسquo vadis)، لكن كان غاية في الذكاء.كان له حدس، يجعله متأكد جدا مما ينبغي فعله من اجل الاحتفاظ بالسلطة.باغتيال "ولي النعمة"،رأى بالاغي أن الفرصة حانت ليظهر نفسه، وليتحرك.و العجيب، هوانه نجح في أن يقدم نفسه باعتباره ذلك الذي سيقوم بدمقرطة البلاد.وتم تصديق ذلك:لقد تقلد خمس مرات رئيسا للجمهورية في ظل الديمقراطية.لما الابتسام !

*دم إيرانيا العذراء المهداة من طرف أبيها، صاحب العشرين ألف هايتيا المقتولين بالساطور من قبل الشرطة والجيش والفلاحين سنة1937:جمهورية الدومينكان هي ( بمثابة) مذبح لتريخييو!

-يمكن أن نتحدث عن تضحية شعائرية، اجل.انه تأويل تحليل نفسي.تضحية من اجل التطهر من التهجين المشترك، إذا فكرنا جيدا.لان تريخييو هايتي من جهة الأم...

*انه شيء قريب من الجحيم الفولكنيري، حيث يتم التكفير عن اغتصاب الهنود.ألا تشعر أحيانا بالعجز امام دوامة كهذه؟ في اليوطوبيا القديمة، تتطرق للانتحار سنة1969 غوسي ماريا أرغيدا، كاتب كل دم الخلاسيين، في جامعة ليما...

-أتعلم، بالنسبة لي الكتابة هي سبب كاف للحياة/للعيش والذي ينقدني دائما من اليأس المطلق، ذلك الذي يقود إلى الشلل.في لحظة ما، فقد أرغيدا الإيمان بموهبته.فكاتب لا ينبغي له أن يخجل من كونه لا ينخرط في عمل سياسي.ما قمت به سنة1990 لم يكن من طبيعتي، قمت بمجهود في ظرفية ثورية، هذا كل شيء.الكاتب مسؤول، بالسلطة التي يمارسها على قرائه.أظل وفيا لسارتر ما قبل التصريح المشوش الذي أدلى به للموند سنة1964(" أمام طفل يموت، الغثيان ليس كفؤا...").في الوقت الذي نعوض العقل بأفعال الاعتقاد(انه تصوري للايديولوجيا)، الكاتب هو ذلك الذي يظهر/يقدم الواقع بطرقة عقلانية.انه مهم،لأنه عندما نتحرك بطريقة لاعقلانية، فان العنف هو الذي يحدث.رأينا ذلك في كل النقاشات الثقافية والسياسية في الآونة الأخيرة.إن ما هو أساسي بالنسبة للكاتب هو أن يكون أصيلا مع ذاته، وان يعيش ما يكتبه بكل النزاهة الممكنة.فانا احتاج أن يكون لدي رجل في الشارع، في ما يحدث، وفي ما يفعل.لكن انظر إلى بورخيس، هذا المطهر العجيب للغة، الذي يدير ظهره للراهن وللسياسة: عند بورخيس هناك تقريبا من الأفكار بقدر ما لديه من الكلمات.ان ذلك شيء مهم.اللغة سلطة!

*سيكون موضوع كتاب جديد حول الديكتاتورية...

-كلا ! ليس هناك ديكتاتورية الآن ! اكتب رواية جد مختلفة، حول فلورا ترستان وحفيدها بول كوكان.بدأتها عندما انتهيت من هذه، منذ حوالي ثلاثة شهور.

* كما لو تولد من جديد بفعل الكتابة؟

-آه،فأنا احد الفلوبيريين ! فلوبير قال عن الموهبة:"الكتابة هي طريقة في الحياة". إنها طريقتي في العيش، لا اعرف غيرها، ولا أتصور حتى على مستوى الفكر طريقة أخرى للعيش غير أن أكون كاتبا.

(*) الحوار منشور بالمجلة الأدبية الفرنسية الشهيرة(ماغازين ليتريرmagazine littéraire) عدد 410 يونيو 2002.

Faouzi32@hotmail.com

انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص

ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف