عالم الأدب

اللعبي: صفحكم يا أهل مدريد

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي

ترجمة وتقديم جمال بدومة عن الفرنسية

رأينا جميعا نهاية العالم القديم: رأينا كيف سقط البرجان وأفغانستان وبغداد وآلاف الضحايا، وكيف أصبحت عولمة الدم والقتل والجثث هواء نتنفسه كل صباح، وصورا نشاهدها كل يوم. لقد شهدنا جميعا كيف مات عصر وولد عصر جديد... وقبل عام، يوما بيوم، فجّر إرهابيون قطارات مكتظة بالركّاب في قلب مدريد وخلّفوا مئات الضحايا وجرحا غائرا بين ضفتين. لن ينسى الأسبان، ومعهم العالم، كيف اختلطت يوم 11 مارس 2004، جثث الأبرياء بالانتخابات وبالسياسة الخارجية والداخلية وبالتاريخ والجغرافيا... وكلّما عرف العالم منعطفات حاسمة، يتجدد الحديث عن دور الشعر وتجد دائما من يتساءل عمّ يمكن أن تفعله القصيدة، وهل باستطاعتها الاقتراب من لهيب الحدث دون أن تحترق وتتحول إلى مجرد كلام وشعارات؟ لكن ثمة شعراء لا يكترثون بهذه الأسئلة لأنهم يضعون ثقتهم في أصوات سرّية لا يسمعها سواهم، بمنأى عن الأحكام الجاهزة وسبق الإصرار والترصد. في هذا السياق، على الأرجح، كتب الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي هذه القصيدة-الموقف أياما قليلة بعد حادث قطارات الموت في مدريد. وحين سمعته يقرأها في أواسط أبريل بالمركز الثقافي الفرنسي بمرّاكش، رأيت الشعر يتجول في قاعة مكتظة وصامتة، بلا افتعال ودون خطابة. رأيت الشعر فقط، لذلك قررت أن أنقلها إلى العربية. وليس غريبا أن يذكّرنا مبدع مثل عبد اللطيف اللعبي، الذي سبق أن أمضى ما يناهز عشر سنوات وراء القضبان جرّاء مواقفه، بأن الشعر مازال قادرا على الالتحام بالقضايا الراهنة وبالموقف والمعنى دون أن يفقد توهّجه.
"صفحكم يا أهل مدريد"، على المستوى الإنساني إدانة للحقد والقتل وللسياسة المصابة بعمى الألوان، وعلى المستوى الشعري رسالة تكذيب إلى كل من سجنوا القصيدة في أحكام جاهزة مبتورة عن سياقها، وصاروا يكتبون نصوصا مذنبة وبيضاء بدعوى أن الشعر ينبغي أن يكفّ عن الانشغال بالحدث وأن يتخلى عن المعنى.


صفحكم يا أهل مدريد

Ay que dia tan triste en Madrid* !
ليعلم الجميع
أن الأرض لم تتزلزل ذلك النهار
لم يتحطم فوق البورصة
نيزك متشرد
ولا زحفت على الشواطئ موجة تلوث جديدة
والسالفة
كانت عما قريب
ستعالج في صناديق الإقتراع
كان التلفزيون ينبح، يموء، يقوق،
يصرصر، ينعق، ينهق، يثرثر
لاعبو كرة القدم ذهبوا للاستجمام
الثيران ترعى
الكتّاب يستمرئون نوم الصباح
ذو الشارب ينقح خطبة الوداع
ال serial killer
أخذ مهلة للتفكير
والرب الأب أو الأم
كان كعادته
موغلا في الغياب
ليعلم الجميع
أنّ الزمن توقف بغتة
ثم جاءت تلك الرنّة الباهتة
التي ضاعت وسط تنافر الرنّات
ملعونة كل الهواتف المحمولة
على الأرض كما في السماء !
انهار حاجز العقل
في بضع ثوان
تكسّرت سلسلة السلالة البشرية
dia tan triste en Madrid Ay que!
نحن الورثة المرغمون
لكل الأندلسات المأثورة
وكل عهود الأنوار
لكل التصفيات العرقية
وكل عصور الظلمات
مشدوهين
سخيفين
مثل جرذان
تسقط في مصيدة العجز
للمرة الألف
نحاول أن نفهم
بعدما خلنا آخر مرة
أننا فهمنا كل شيء
حديثا أظهر العلماء
أن الكون ما عاد في توسع
عكس ذلك
نزعم نحن السذج
أننا اكتشفنا
بأن الإنسان ساديّ بلا حد
هي ذي هاوية الشر التي بلا قرار
تسمل عيوننا
لنغطسُ فيها إذن
كي نشعر ولو بقسط يسير
من محنة الوافدين الجدد
إلى حفل الفظاعة المقنّع
هناك حيث الروح والجسد
مبخوسين في محرقة
بإحدى دوائر الجحيم
لم ينبّه إليها
أي نص معجز

يا سادتي القتلة
لكم أن تبتهجوا
أيها المضاربون المحنكون، بأبخس الأثمان ملكتم فدادين مترامية الأطراف من البؤس، والظلم، والإهانة، واليأس
واستمثرتموها للآخر
وملكتم أسرار تكنولوجيا الشياطين الرجماء
أساتذة أنتم في فنون جر أحابيل الحقد، ترصدون وتحددون وتطاردون وتحاصرون وتنكلون بأول من تصادفونه، سواء كان يدرك أو لا يدرك مخاطر مجرد أن يكون
أن يكون منهمكا في الأكل، أن يكون نائما أو واقفا، أن يصلي، أن يحرك أفكاره في رأسه أو يذهب إلى شغله برأس فارغ، أن يداعب خد طفله أو يقطف زهرة، أن يسمع موسيقى تذكره بأرض الأسلاف أو باللقاء الذي غيّر مجرى حياته، أن يكتب قصيدة أو يملأ استمارة الضرائب، أن يتكلم في الهاتف مع السمكري أو مع أمه الراقدة في المستشفى، أن يقرأ كتابا لغابرييل غارسيا ماركيز أو ورقة إشهارية لمطعم بيتزا، أن ينتفض تحت الدوش أو يصاب بالضجر في المرحاض وتبانه عالق بين ركبتيه، أن يفتح قلبه لجار في الحافلة أو يخفض بصره أمام نظرة فاحصة للقاعد أمامه، أن يمسك حقيبته قبل أن يصعد إلى قطار أو يجري في الممرات الكفكاوية لفندق فخم أو حقير، أن يتناهى إلى علمه للتو بأن عمره صار مقدّرا في بضعة أشهر بسبب التهاب في الكبد أو يتحسس جيبه ليتأكد أن حافظة النقود في مكانها، أن يحك خصيتيه أو يضرب بقبضته على الطاولة، أن يكون شغوفا بمرافقة الكلاب أو القطط، أن يكون قد أصبح رجلا، أو امرأة، أو يكون في ذلك العمر المبارك حيث الملاك لا جنس له ولا أجنحة على الخصوص.
كل الدمى متساوية. يكفي ألا تكون ممدّدا في قبر كي تنال نصيبك الأول.
آه أيها الطفل الوديع
ألذلك كدت تسلخ رئتيك
من شدة الصراخ
لحظة ولادتك؟

يا سادتي القتلة
يقال إنكم بارعون في تشغيل أدمغتكم. دعوني إذا، أطرح عليكم سؤالا بسيطا:
ماذا يعني في عرفكم كائن بشري؟
لماذا هذا الصمت؟ أجيبوني !
آه أخمن كيف تبتسمون في شماتة وازدراء، وأتخيل الفقاعة التي تفلت سهوا من شفاهكم الشاحبة. أرى داخلها حشرة صغيرة تهوي عليها قبضة مزغّبة، وعلى سبيل التعليق هذا الإنذار: إنها عبرة لمن يعتبر!
حقا، أواصل سبر أفكاركم، هذه الحشرة المؤذية خرجت من صلب الكائن الذي يجعلكم تتصببون عرقا باردا، الكائن الذي تتفانون في إذلاله مخلصين لمبدأ الوقاية: المرأة أقصد، ولتغفروا ليَ الكلمة. أخمّن خوفكم وتقززكم، أخمّن الفظاعة التي يبعثها فيكم المجيء إلى الحياة، عندما تندلق رأس الطفل اللزجة، إثر أنّات الوالدة وصرخاتها، من المجرى القذر الذي أجبرتم على حرثه، على بذره و يا للنحس. لن تغفروا أبدا لأنفسكم مروركم من هنا. لذلك، يبقى الموت وحده شغفكم. تحمرّون لأجله وتشحبون. يخفق قلبكم بشدة. تخور قواكم. وبمجرد ما ينتهي احتفالكم به، تجدون أنفسكم تطرقون أبواب ما لا أدري من جنّات عدن حيث وعدتم بملذّات، اعترفوا أنها منحرفة.

Ay que dia tan triste en Madrid !
ليعلم الجميع
أن الخسارة ستكون أفدح
في الرباط والجزائر والقاهرة وبغداد
لن نعرف كيف نفكر
ماذا نقول
ماذا نصنع
نحن الورثة المرغمون
لعصر ذهبي تتعهده النائحات
لكل الأحلام المجهضة
لكل أنواع الذل
والطغيان
مشدوهين
سخيفين
يقضمنا من الداخل
الوحش القذر نفسه
الذي تعودنا أن نقذفه بأقدامنا
في وجه الآخرين
أمسؤولون نحن؟ آثمون؟
نحن أيضا ضحايا
الجلادين الذين نفرزهم
كما تفرز الكبد مادتها الصفراء
كل مرة يدمرنا ويبيدنا
الطواغيت الذين نبغضهم ونعبدهم
نكافح أحيانا
بقوة الأمل واليأس
لعل ذريتنا تصدق ذات يوم
إشاعة قديمة
تزعم أن قبل الموت ثمة شيء إسمه
الحياة:
نهر أمومي
يحلو فيه العوم
نهارا
وليلا
في كل الفصول الجميلة
والواعدة
المعجزة الوحيدة
التي لم يزوّرها أحد
ليرقد موتاكم في سلام
يا أهل مدريد
كانوا جميعا جديرين
ببذرة الحياة المقدسة التي زرعت فيهم
حملوا النفَس الذي يحرك الكون والخليقة ككل الناس. اهتزت كل ذرة في أجسادهم ودارت حول الشمس الداخلية التي أضاءت دربهم. سفرهم كان سفرنا، وصارت رحلتنا منذ اليوم رحلتهم. سوف نواصل الحلم في أحلامهم، سنخدش أرواحنا في خدوشهم، ونتساءل في تساؤلاتهم، ونحب في حبهم، ونداعب الضوء في مداعباتهم، ونندهش في اندهاشاتهم. حتى ضعفنا سنواصله في ضعفهم، وننحبس في انحباسهم. لن نتجاهل عماهم ولا نذالاتهم الصغيرة. سنأخذ على عاتقنا نصيبهم من اللاتسامح، ومن الحماقة واللامبالاة، لأننا لسنا كبشر سوى إخوة وأخوات لهم، كبشر لا غير. لكننا سنحاول أن نقاوم أفضل في مقاومتهم، سنؤجج النار التي تتراقص في ذاكرتنا بفحم ذاكرتهم المحرق.

يا أهل مدريد
لأن أحدا لم يفكر
أن يطلب منكم الصفح
سأفعل أنا
أنا؟ من أنا؟ اسمي لن يعني لكم شيئا
لماذا أقدم على ذلك؟ ليس مهما
الصرخة تسبق الكلام
والكلام أحيانا يسبق الفكرة
ثم إن للقب دوافعه
التي يتجاهلها الذهن أحيانا
عذرا إذن، يا أهل مدريد
عذرا عن كل الليالي البيضاء أو الرمادية
التي سوف تأتي
ويعود معها أحباؤكم
أشباحا مهدّدة
تعاتبكم لأنكم بقيتم على قيد الحياة
عذرا عن اليد
التي لم يعثر عليها
عن خاتم الزواج الذي تفحم
عذرا عن علبة الماكياج المفتوحة
التي استعملت في آخر لحظة
عذرا عن الحذاء الذي بقي على حاله
عن حمّالة الصدر التي ما تزال عابقة
بالورد أو الفانيلا
عذرا عن عشاق بقلب خنثى
مشطور إلى نصفين
عن ضحكة الأطفال التي صعقت
عذرا لأمهات ما سوف يصبح ساحة
11 مارس
عذرا عن صمت إخوتي
حتى لا أقول عدم اكتراثهم
عذرا عما لا يتجرأ بعضهم
أن يتفوه به جهرا
عذرا لأنني لم أفعل أكثر ولا أحسن
ضد الذئب الذي يفترس
حظيرتي
عذرا لأنني لم أتعلم لغتكم
بما يكفي
كي أتحدث إليكم بإسبانية طليقة
عذرا للوركا، لماتشادو، لهيرنانديز
لأنني لم أحث أبنائي على قراءتهم
عذرا عن الثغرات والتعازيم
عن العيون الجافة من الرأفة

عذرا عن القليل الذي تضطلع به الكلمات
أو لا تقول إلا نصفه
و غالبا ما تجهله
لكن أرجوكم
عذرا.
* ما أحزنه من يوم في مدريد.

كريتاي/ فرانكفورت، 16/24 مارس2004

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف