جديد البهرزي: صفير الجوال آخر الليل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
التوق الى الحرية المستحيلة
إبراهيم البهرزي من الشعراء الموجــودين بقوة على السـاحةالادبية منذ ثلاثة عقود من الزمــن، وبالرغـــــم من إن لديـهسبع مخطوطات شـعرية وروايـــة ، والعديــد من القصــائد والنصـــوص المنشورة فـــي الصـــحف العراقية والعربية، الا أن مجموعته الشـــعرية هذه(صفــير الجوال آخر الليل)هي المجموعة الشـعرية الاولى المطــبوعة والصادرة عنالمؤسسة العربية للدراسات والنشر بالاشتراك مع منشورات(ضفاف) في النمسا. يقول إبـــراهيم أنـــه فقد مصير أربعمجموعات معدة للنشر إثنان منها في دار الشؤون الثقافية في بغـــــداد وأخريتـان مع شـــاكر نوري فــــي باريس والقاصصـلاح صلاح في عمان، وهو يذكر ذلـك في تقديمه لنفسه، عـــلى الصفحات الاخيرة لمجموعته الشـعرية هذه، لغرض (التوثيق والامانة التاريخية)!!
يزعمون
أنني ما قاتلت بقسوةٍ
سُرّاق الزهور المنزلية،
من أقاتل:
الحدائقي؟
بائع الزهور؟
البرد والجفاف؟
يزعمون
أنني لم أغادر محاجر الطاعون..
هذا مرضي
غير معدٍ
ولا أتنقل فيه زوراً وزيارات،
مثل قابيل المستوحد
مع جثةٍ عزيزةٍ
وغرابٍ حقود
* * * *
ابراهيم البهرزي مثال قل نظيره من الناس، شعراء كانوا او غير شعراء، من فاقدي الحرية والمتطلعين اليها بلهفة، أؤلئك الذين حرموا من الحرية بقدر شغفهم بها. مثال صارخ على ذلك النوع من الناس الذين عزز الشعر حساسيتهم دافعا اياها الى ابعد مدياتها،جاعلا من نفسه ـ أي الشعر ـ ألازمة والحل مهما كان قصيرا خاطفا وغير مشبع. وبالرغم من ولعه حد الهوس بالمكان ـ بهرزـ التي تسمّى هو باسمها، والتي تَطبّعَ الكثيرُ من شعره بطابعها وكانت مصدرا مهما لصوره الشعرية والتي سنجدها في احدى قصائده (يتيمةً)، الا أن مفهوم الحرية لديه قد ارتبط بالقدرة على مغادرة المكان، أنه يرغب كما سنرى لاحقا أن يؤمن هذه الامكانية نظريا على الاقل، فهو نفسه سيفند لاحقاً فكرة البحث عن الحرية في مكان آخر، فالفرق كبير بين فقدان الحرية نتيجة إستلاب قسرى متسلط وبين عدم الرغبة في إستخدام الحرية المتاحة، انه يرغب في أن يؤمن لنفسة القدرة على المغادرة كما تفعل الطيور، ففي قصيدته الطيورّي يخاطب ابراهيم الطيور متسائلا باستنكار:
اذا كنا خرجنا من ترائب وأصلاب
غرقى في ماء دافق
من ذا خلع أجنحتنا وأطلقك ايتها الطيور؟
ولكنه قبل ان يتمادى في القاء اللوم على خطأ بايولوجي يلتفت الى نفسه:
من يمنعني عن الطيران
غير يدي التي تمسك الاشياء الثقيلة
وقدمي التي تدوس على فضائل الموتى؟ّّ!
واحمّل بالامانات
كبعير ابله
جين نلتفت الى الوراء، كما فعل هو، ناظرين الى ما أنقضى من العمر باحثين في ماضينا الشخصي وماضينا الجمعي سوف نطرح على انفسنا السؤال التالي: " هل نحن أحرار حقا؟، ومن المسؤول في أن نكون ناقصي أو معدومي الحرية ؟ ماهي مسؤولياتنا في أن نكون أحراراً ؟ وهل يستطيع أحد ما حقا أن يسلبنا الحرية الا بالقدر الذي نرغب نحن فية ؟ "، سنلجأ، إن كنا جادين ومنصفين وباحثين بجد عن الحقيقة، الى تشخيص مسؤوليتنا في أن نكون مستلبين مهزومين وفاقدي الارادة ذلك لأننا:
نختزل نزوة الصعود
بنزوة معاكسة
لان أيادينا
لا تجيد غير التلويح للطيور
كسولة
كسولة جدا عن محاولة الطيران
فأولئك الذين لم يطيروا لايجيدون غير التلويح للطيور وأياديهم كسولة حتى عن المحاولة ونزوة الصعود مستبدلة بنزوة النزول.
الحرية هي ممارسة ذاتية خارج أي ظرف. و إن القاء اللوم على كل شئ الاّ الذات وترقب حصول المعجزة، بطريقة ما، في وقت ما، هو أحد أمراضنا المزمنة.
الحرية هي مصنوعاتنا، ولن يقوم بصناعة حريتة الا ذاك الذي يعتقد ويؤمن بجدوى هذه الصناعة، وهي صناعة خطيرة،لايقدم عليها الا ذاك الذي لايوغل في الحسابات والمخاوف، ذلك الذي لايبحث عن حل فردي لحريته والذي لا يوهم نفسه بأن هروبيته ومغادرته الى مكان ما، هناك حيث يجد الحرية جاهزة، هو الحل الامثل... قبل قرن ونيف رأى ماركس، المولع بتحرير الانسان، أن " الحرية هي ادراك الضرورة" وقد تطلع الى الشروط التى تقود الى ملكوت الحرية.. كان ماركس يسعى مسعى فلسفيا ابعد مدى من تساؤلاتنا ومن مراراتنا الذاتية، ولكن السؤال مع ذلك يبقى مطروحا: اليس معرفة المرء بالاسباب السالبة لحريته هي الخطوة الاولى للحصول عليها ؟؟ هل يكون الطيران ممكنا بدون معرفة قانون الجاذبية تلك التي اعطاها ابراهيم اكثر من مغزى ؟ (ياعذاب ثقال الجسوم في جاذبية ظالمة).. اما الطيور التي تبطل مفعول الجاذبية برفيف اجنحتها، فانها تخلق حريتها بجهد فيزياوي محض دون الحاجة لمعرفتها بالضرورات. وابراهيم الذي لم تسعفه أية اجنحة للطيران، حتى ولا أجنحة الشعر، يقسم مخاطبا (بان سامي رامز):
بزوجتي وأطفالي الخمسة
سأعلن الطيران
عن الارض التي أثقلتني كثيرا
الى السـماء التي رهّفتك كثير
لكن إبراهيم لن يحلّق الا في فضاء الشعر بالرغم من القسم، وبسبب القسم وهو الذي أعلن قبل أن يقسم:
أنا والطيور
تقاطعان
يحملان برفقٍ
جسد الكتابة الصليبية
كانت المغادرة، مغادرة المكان، هي الحرية المفترضة التي سرعان ما تتبخر، ليحل محلها الحنين المعذِب للمكان، فاؤلئك الذين لم يحصلوا على الحرية في اوطانهم سوف لن يكون بوسعهم أن يحصلوا عليها في مكان اخر. فهذا المولع بفردوس المكان يغبط الطيور ليس لانها قادرة على المغادرة بل بالعكس لانها قادرة على العودة، فالحرية ليست في كل الاحوال طريقاً وحيد الاتجاه.. فعود منير بشير (بخمسة شرايين أقلها الندم هو الذي يدل على قبور العراقيين الضوّاعة ببخورها في مقابر الغرباء الواثقة من قوة صلبانها).. وحيث رماد جثمان فائق حسن (الذي حملته خيول الحنين من تحت قوس النصر باتجاه ساحة الطيران لم يصل طريبيل). ففائق حسن المقتول في باريس حنيناً(لازال العرفاء السمجون تحت جداريته يأكلون البيض المسلوق والبطاطا ويضرطون بعرامة).
ويطرح ابراهيم على نوري جعفر، في قصيدته (مراثٍ بغدادية)،الاسئلة نفسها التي يطرحها على نفسة مفنداً وهم البحث عن الحرية خارج الوطن: (ماذا في الصحراء الكبرى ؟ في ليبيا ؟ في مفازات الطوارق ؟ في أبجديات الامازيغ؟ في (كسكسي) المهاجرين....غير أن تموت بعيدا؟!).. ها هي ذي اذن، وفي نفس السياق، تمزقات عبد الوهاب البياتي الذي عاش وترعرع بباب الشيخ ببغداد حيث يطوف الفقراء حول قبر الشيخ عبد القادر ويصيحون: (يا عبد القادر إن كانت في صحنك جُلّ طفولته ولم تشفع كل كراماتك للشيخوخة... متى تستذكر رحلتك من كيلان لبغداد وتدرك شهقة كل مهاجر؟) هي نفسها تمزقات غائب طعمة فرمان الذي يرى ابراهيم أنه: (منذ غياب البهجة عن بغداد ـ موجوداً كان يراقب أحوال الرقّ الملتجئين الى رقّ) وهي أخيرا تمزقات ابراهيم نفسه، حيث ما ننتمي اليه تم تمزيقه بصورة منهجية لمسح ذاكرتنا وحقننا بذاكرة جديدة، فخيول فائق حسن: (تفر من شناشيل كاسفة، آسفة لاقتلاع أنيسها الوحيد الجسر الحديدي الانكليزي، وموت القطار الاخير الذي الذي يصفر في برية المدينة).
كان ابراهيم يدرك انه محاصر بين المكان الذي لا يرغب بمغادرته، ولكنه لا يمتلك القوة لحمايته من منتهكي الذاكرة، وبين المغادرة التي لا تمثل سوى الحرية / الوهم
كان إبراهيم يدرك الخلل في المهرب المفترض الى الحرية /الوهم، ولكن الحرية المفترضة هي كوة ضوء في اللاوعي وملاذ سرعان ما يتبدد بإعادة حسابات عقلانية تتسلل بين الفينة والاخرى، كوة ضوء في الجدار الصلب للعسف الذي بدا أزلياً و غير قابل للقهر ومهربٌ وملاذ لم تبرره تجارب كل الباحثين عن الحرية خارج حدود الوطن. ولكنه حلمٌ ضروري بقدر لاواقعيته، انه يشبه خيبة أمل غير المؤمنين بعدم وجود الجنة. والحال إننا قد دأبنا منذ زمن طويل على البحث عن الحرية في المكان غير الصحيح، وهنا بالذات يكمن سر حرماننا المزمن منها وخوفنا حتى من قدومها المحتمل.
.. يضرب ابراهيم حجري التضاد، التضاد الكامن في التطلع الى رفيف الاجنحة باعتبارها رمزا للحرية من جهة، وعدم الجدوى الملازم للمغادرة والتغرب من جهة أخرى، كما دلت تجارب الآخرين حيث لامكان يتسع للحرية ولايتسع حتى للطيور، موقدا بشرارته نار الشعر الساخط الذي يحطم ما حوله لبناء فردوسه الشعري، حيث فيه يجد الحرية الحقيقية، ولكنه يجد أنه حتى عزلته الاثيرة في بهرز قد انتهكت حين يمر في بساتينها:
أعرابي سفيه
يحرث الذكريات
بمحاريث القحاب والقوة
هذا السفيه هو نفسه الذي يفرّخ العرفاءَ السمجين الذين يأكلون البيض المسلوق والبطاطا تحت جدارية فائق حسن والذين (يفرغون جيوب الجنود المهازيل وطفولاتهم من آخر لون وحيد أبقت عليه الحروب).
***
أثارَ الغزوُ الهمجي لمراكز الحضارة حفيظةَ إبراهيم الشعرية. فالقادمون الجدد،مستحدثو النعمة،قد أنتهكوا المدينة والمراكز الحضرية، حاملين معهم سلوكا وذوقا منحطا، فالطبقة الوسطى والمدينيون، الذين بات من المستحيل كسب ودهم تحت أية يافطة للمداهنة، تم اقصاؤهم بفظاظة، وأحياناً بدموية، من المسرح الاجتماعي. كانت مراكز البداوة، فيما سبق ترشح ببطئ الى المدينة ما تستطيع المدينة هضمه واعادة تأهيله، ولكن الغزو الاجتماعي واسع النطاق و المخطط بعناية قد أغرق المدينة ومسح معالمها، كان ثمن الحروب على الجيران وعلى الداخل السماح للمولعين بهذه الحروب، كبطولة بدوية، و كرد للجميل، باستباحة المدينة ومسح ملامحها:
طافحون من مجرى التركات الهُمل
يقطفون جنة الانهار البائدة
و يرتكبون المباهج على مقبرة الابرياء الخضلة
جُوَفٌ يمتلئون بعصير الارواح المصهورة كمدا
وينعمون بمغنانم الحروب المتبرعمة من سماد الجثث
هذا هو الازدراء الجميل!
إنه السخط النبيل للمراقب اليقض المفعم بالمسؤلية أزاء مصائر أشياءنا الجميلة، المكان والانسان، والآيلة الى الخراب بفعل مخطط تدميري، وهو المحرك الذي لايكل لشعر ابراهيم الذي لايمتلك سوى قوة الكلمة، حيث لا حول له سواها، ازاء الراقصين على جثة الوطن. يوغل ابراهيم في ابراز الجمال الكامن في المكان والانسان وفي طفولته التي يرثيها لانها غادرته وتركته وحيداّ ناضجاً مدركاّ هول مأساته، كان المطر يغسل قلبه تماما وبعد كل شتاء في الربيع المحموم (أجدني طفلا في السادسة بقلب متعب يذهب لمدرسة الازهار بحقيبة ممزقة تتناثر منها رسائل الغرام)، وهو اذ يوغل في الجمال فانه يؤجج السخط على أعدائه مستدعيا لغة مفعمة بالقوة قادرة على كنس المستهلك واليومي والمبتذل رافعا إياها الى مصاف الموسيقى، موسيقى النار.
هذا الغضب الذي دفع بلغة ابراهيم الى هذه المديات القصية والذي يصل احيانا الى حد السخط على الذات. ولانه عاش عبدا بما لا يطاق، فانه كما يقول:
يريد من الله، جنازة تليق بالملوك.
هذا الساخط الشفيف يفصح في أماكن اخرى عن العواطف النبيلة وخصوصا في قصيدته (بهرز اليتيمة)
حيث:
سرعان ما سيقتحم الربيع
بستاناً خجولاً
يورد الجوري وجنته
فيختفر بسعف النخيل الغيور
***
حمل ابراهيم الضمير معه في حله وترحاله، في رحلاته التي لم يغادر فيها المكان، لم تشفع له شاعريته وبقي منسيا أومُتناسى، كان الضمير الذي يركس به معزوفا عنه من الاصدقاء والاعداء في عزلته، والذي يحمله على ظهره سلاحا فاسدا، كما عبّر هو، إمعاناً في الاستياء من الذات، هو نفسه الذي أضفى الالق على شعره، فالتمعت لغته متوهجة السطوع، ففي قصيدته " مكتبة مؤيد سامي * "، (وهي المكتبة الوحيدة في العالم التي تنبت في وسطها نخلة تخترق السقف) يجد ابراهيم (الضمير)، الى جوار كتب اخرى،" كتابا " في المكتبة لكنه دون الكتب الاخرى ليس أنيقاً، وهو:
جدَّ صغير حتى إن النملة
تعبره بطريق القوت على مهلٍ
متنشقة عبق العرق العُريان
هو ليس ثقيلاً كأضابير التاريخ
بل الساقط من أعلى الرف
على دمعة عين كتمت وردتها
(* حين كان هذا الموضوع قيد الاعداد تناهت الينا الاخبار عن إغتيال المثقف الرائع، والانسان الوديع صديق الكتب مؤيد سامي امام انظار زوجته وأطفاله امام داره في بهرز.)
***
ولد إبراهيم البهرزي وترعرع في بهرز في محافظة ديالى ولايزال مقيما هناك، وتركت البيئة آثاراً لا تمّحي على شعره، تقع بهرز عند إنعطاف فاتن لنهر ديالى محاطة بحشد من غابات النخيل التي تغطي مساحة كبيرة من بساتين الحمضيات وتتخلل بساتينها ودورها العشرات من السواقي، وفّر جمال المكان وهدوئه جواً من العزلة المتأملة عززه نمط الانتاج شبه البطريركي للاغلبية الساحقة من سكانها و التي تعتمد في معيشتها على الملكية الصغيرة عاليةِ الانتاجية وفق معيار المكان و الزمان،أواسط القرن الماضي، كان الدخل المعقول والكدح القليل الذي تحتاجه البساتين قد لعب دورا في تكوين طبقة من المالكين الصغار الواعين والمتعلمين والذين ساهموا والجيل الذي أعقبهم من الابناء والاحفاد بنشاط في الحياة الفكرية والسياسية. كان جمال المكان وشيوع الملكية الصغيرة والتوزيع شبه العادل للدخل قد أوجد القاعدة لنوع من السلم الاجتماعي وروح التسامح والالفة قبل أن ينتهك كل هذا بفظاظةٍ شموليةٍ دخلت في كل مسامات حياتنا. في هذا الجو نشأ إبراهيم، وفي هذا المكان كان رقيباً يقظاً للتحولات الارتدادية، التلوث البيئي والتلوث الاخلاقي وإنتهاك الغزاة الفظ لقدسية المكان ـ بأعتباره منجماً لاينضب لابراهيم و للعديد من الرسامين والادباء والكتاب ـ وكان رقيبا لسيادة البرغماتية البدائية المنحطة على مفاصل الحياة، حينذاك كدت أبكي وأنا صغير حين قطعت من الجذور شجرة زهرة القهوة الفاتنة، لتفسح المجال لشجرة منتجة، وحين غدا جمال المال متفوقا على كل جمال آخر. لم يكن نعي الماضي ونعي المكان المنتَهك ناتجا عن النوستالجيا أوالحنين للماضي، كان مايجري على مرأى من إبراهيم إرتداد مأساوي كارثي جديربالرثاء والسخط.
المباهج التي صنعت صبوتي:
رفقة في البساتين
عشاق يسترشدون بنهار المدامة
صوب النشيد وفخر النساء
انقضت هكذا
بيدٍ لوحت
في حوار معه اجراه عدنان حسين احمد قال ابراهيم البهرزي عن بهرز: " حين أحدثك (عنها) ينبغي أن أتحدث عن شبق زهر البرتقال في نُوّارات البراءة والخمرة والوداد الرفاقي، عن أريحية المقاهي الضجيعة تحت يوكالبتوس (خريسان) القديم، عن المطر الحنون المتشقلب على مراوح النخيل، عن الرياح الموسوسة التي تدّوم بالطفولة الى أعالي الله، عن مسارج النفط بفتائل التمر المشعشعة في أكواخ البساتين المعتزلة، عن القُبل الاولى المهراقة تحت نزيز العنب، عن الوجوه البُنيّة المنحدرة لشواطئ (المنتريس) بوفير الخمر وهدير الاغاني الناحبة، عن الطيور الطائرة والقناطر البعيدة، عن ماريجوانا القداح الخجول، عن زهور الخُزامى السكرى على أسيجة المنازل العالية، عن سطوة الفلس السحرية في زمان العيد والاراجيح ودواليب الهواء، عن الجدل الفوّار كأقراص المعدة في كأس العرق الابيض، عن التطواف الليلي على دراجة هوائية في أزقة المناديل النسوية الملّوحة، عن رائحة الرز المحروق وعروق الكباب البيتي في عشايا النفير الى مقاهي الحج المسائي، عن بيداغوجيا الخمر التي لا تضع القرنفلة الزرقاء الا في الجيب العلوي لسترة المعلم، عن الندم يعض كابن عرس أليف في مزغل الحنجرة، عن ابتسامة من خلف الباب، وليمونة ريّانة لاجل مزّة الليل، عن موتي القريب في بستان كريّم الداوود تحت شجرة العناب الوحيدة التي رسمت بها قصيدة (انتصار حميد ناجي) في المنفى الهولندي المتفردس، عن الدم الشاخب على عشبة مقبرة (أبي محمد) من توابيت أجمل القتلى ".
ولكن يا عزيزي إبراهيم ان أجمل قتلانا لم يكن لهم لاتوابيت لا وقبور!