شراكة مرفوضة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يوم الأربعاء في الواحد والعشرين من شباط، يوم لا تستطيع الممرضة شيلا أن تنساه بسهولة، بدأ مبكراً ولم ينته إلا متأخراً جداً، بل موصولاً بعدة أيام أعقبه!
مساء ذلك اليوم الشتائي القصير، أنهت السيستر شيلا نوبتها النهارية، وقبل أن تبدّل ملابسها وتخرج، أخفت في حقيبتها للمرة الأخيرة شيئاً مهماً ما كانت لتغادر المستشفى من دونه. أغلقت الحقيبة عليه بحذر وانطلقت إلى البيت. مشت مسرعة لأكثر من غير سبب، مباشرة لحقت بها غريمتها نادين، سقطت على أفكارها من غير استئذان... تمنّت لو تزيحها من دربها وتعطيها درساً قاسياً تلخص لها فيه الغرام والانتقام في حقنة واحدة مكثفة. لكنها ستكتفي كارهة بما في متناول يدها، بالاقتصاص من شريكها فيليب.
بعد الحساء الساخن وبقية العشاء ونصف زجاجة من النبيذ الأحمر شربتها مع زوجها فيليبب، ساعدته في الانتقال إلى سريره. بذلت عناية خاصة في تغطيته وترتيب وضع ساقيه وقدميه. في الوقت الذي كان فيه الزوج المشلول يشكرها بلسانه وقلبه بأصدق ما يستطيع، "على الطعام اللذيذ الذي أعدته وعلى عنايتها واهتمامها به"، كانت أصابع الممرضة المتمرسة في كف الزوجة الحاقدة تحقن آخر نقاط الموت في جنبه من غير أن يشعر بشيء، ناولته ما تيسر، وأخذت نفساً عميقاً.
دهم شيلا شعور طاغ من التعب، وسمعت للماء الساخن في الحمام الملتصق بغرفة النوم وقعاً مغرياً يناديها لترمي إليه بجسمها المرهق وأعصابها المنهكة. استسلمت للنداء، أغلقت وراءها الباب، أسدلت جفنيها وأصبحت في دنياً أخرى. لم يعد لها رغبة في عمل أي شيء، ولم يعد عليها عمل شيء. إنها لا تريد أن ترى ولا تريد أن تسمع وبالتأكيد لا تنوي أن تفكر! فقط تمنّت أن تنقضي دقائق ساعة كاملة في أقل وقت ممكن.
لكن الماضي بطوله كان بانتظارها، دخل معها في ماء المغطس وأخذ يقلبه بهدوء مثير، مولداً حولها موجات صغيرة صاعقة...صور ثابتة ومتحركة، أخذت تعبر ذاكرتها بسرعة مذهلة، أو تتسكع في شعابها ببطئ قاتل..
فيليب ينطلق سهماً أشقر على دراجته النارية، شيلا ذلك اليوم البعيد بالذات ليست معه تطوّق خصره، وشعرها لا يتطاير وراءها حزمة من أشعة شمس. كان فيليب وحده... فارس عصري على صهوة حصان وحشي، تصطدم الدراجة بجبل أصم، باص من طابقين، تتحطم، ومعها تتحطم الدنيا في عينيها وعظام فيليب.. ويصاب حبيبها بشلل كامل في ساقيه.
في الأيام الأولى والأسابيع الأولى، كانت شيلا تبكى وفيليب يبكي، وأوراق الأشجار تبكي والرفاق يبكون. ثم مع الأيام تماسكت الأيدي وجفت الدموع.
كان الماء في الحمام ساخناً ولذيذاً.. لكن الماضي المنغّص كان حاضراً ومحرقاً، تمنت لو يبتعد قليلاً فقط، رغبة ملحة لن تدركها المستحمة بهذه السهولة!
بعد شهور مضنية من الحادث المروع، ترك فيليب المستشفى وخرج إلى الحياة من جديد، وبعد شهور أخرى عاد يركب العجلات، لكنها أصبحت عجلات أربع يدفعها بيديه القويتين فتمشي بكرسيه وتأخذه يومياً إلى معهد الخدمة الاجتماعية الذي التحق به بدلاً من مدرسة التمريض… ويتخرّج فيليب بعد سنتين بأحسن درجة ويصبح جاهزاً للعمل. تقدم له شيلا الطلبات بنفسها إلى أكثر من مكان وترفض إرسالها بالبريد. تتذكر ذلك بكل وضوح..لو يذيب الماء الساخن والصابون بقع هذه التفاصيل!
وتتتابع الأخبار.. يقبض فيليب مبلغ التعويض بعد انتظار غير قصير وتردد مضنٍ على الأطباء والمحامين، أربع مئة ألف من الجنيهات أودعها في حساب خاص في المصرف. وتتسارع الأحداث، حدس الأصحاب لا يخيب، يتزوج الحبيبان. يشرب الجميع الأنخاب ويرقص منهم من يستطيع الرقص.
تمرر شيلا يدها اليسرى على بطنها الأملس وتحركها برفق حول سرتها.. تتذكر بوضوح مؤلم فرحة فيليب وفرحتها يوم تأكد حملها بعد مداخلات طبية مضنية…وتتذكر انشغالها وارتباك فيليب بإعداد غرفة الطفل المرتقب…ثم وصول أندرو الغالي، في صباح مبكر مع صحوة الشمس وزقزقة العصافير!
تباعد شيلا ما بين أجفانها، ترى الجو، كما صدرها مخنوقاً بالبخار والصور التي لا تناسب المقام، تغمض عينيها، فلا يتبدل الحال، ماذا عليها أن تعمل لتتخلص من هجمة الماضي؟
كبر الطفل، تطورت قدرته من الزحف إلى الحبو، ومن السير المضطرب، إلى المشي المتزن، وأقلع عن استعمال عربته التي كرهها فجأة. أصبحت لعبته المفضلة هي دفع فيليب في كرسيه لبضعة أمتار، ثم القفز بتلك الهمة الرائعة ليركب إلى جانبه. أما القفزة الأخرى فكانت إلى دار الحضانة. اليوم، منذ دقائق فقط، دفعت بأقوى ما تستطيع صاحب الكرسي إلى أقصى ما يمكن!
تتنبه شيلا على حين غرة، تصيخ السمع، هل هناك من يناديها؟ هل صحا أندرو أم تراها تسمع ما يشبه صوت فيليب؟ هل ما زال فيليب يقوى على النداء؟ ليفعل، لينادي.. لن تستجيب له، سيصمت قسراً أو من تلقاء نفسه! المهم أن يبقى الطفل نائماً، وقامت بلهفة وكادت تخرج من الحمام عارية... ثم مباشرة شعرت بطمأنينة كانت أحوج ما تكون إليها، تذكرت أن أندرو الصغير ليس في غرفته، وليس في البيت، إنه بعيد في أمان في رعاية واحدة من صديقاتها. ألقت من جديد بكتلة أعصابها المضطربة في ماء البانيو، ما أحسن ما رتبت.
أضافت مزيداً من الماء الساخن والتقطت بيد ليفة طبيعية طويلة وبالأخرى قطعة من الصابون المعطر.. لكنها عادت تتقلب مرغمة فوق أشواك ذاكرتها التي تحتفظ بكل شيء…
انطلاق فيليب للمرة الأولى في سيارته ذات التجهيزات الخاصة. " الظهر المكسور لا يعني انكسار الحياة" هكذا كانت تقول له، لقد سمع كلامها وصدق…وقفتها عند باب البيت تودعه بنظراتها القلقة وأندرو بين ذراعيها، ثم قفزتها إلى جانبه من غير أن تتحرك..التصاقها به تحميه، تحذره، تربكه.. بل إزاحته عن مقعد القيادة وجلوسها مكانه، تقود السيارة الجديدة خائفة تنظر في وقت واحد في كل اتجاه..
من ناحية أخرى، قفز الزمن وتبدل الحال…انضمت نادين المتدربة الجذابة للعمل مع فيليب. التقت بها في أكثر من مرة، لكنها من اللقاء الأول لم ترق لها ولم يعجبها التحاقها بزوجها، لم تخف ذلك عن فيليب الذي ضحك باستغراب وأسى وبقي صامتاً من غير تعليق، كان يومها يستطيع أن يضحك!
من ملاحظات متكررة لا سبيل لإهمالها أو إنكارها، وفي وقت قصير وصلت شيلا إلى ما لم تتوقعه أبداً، إلى قناعة ثابتة مفادها أن زوجها ومساعدته يخططان للتنعم بالمال وهدر الجنيهات في كل اتجاه، الجنيهات التي تعبت بها وبكت منها، والتي تملك نصفها. سمعتهما بأذن الشك القاتل يرتبان للتخلص منها كلما تكلما في أي موضوع، ورأتهما بعين الشك المحرق يتآمران ويتغامزان عليها وعلى وجودها كلما اجتمعا لأي سبب...تكلمت في ذلك مع فيليب فأنكر بالطبع واستغرب، هذا على أي حال ما كانت تتوقع! لكن كشوف المصرف الدورية التي كانت تفتحها خفية، أكدت كل شيء. لاحظت أن فيليب قد وقّع صكاً بمبلغ يزيد عن أربعة آلاف، وفي مناسبة أخرى نقص الحساب خمسة آلاف دفعة واحدة، إضافة إلى أرقام أخرى ليست بهذا الحجم، كانت تُقتطع من الحساب بشكل منتظم وبتكرار ملفت. لكل ذلك أخذت قراراً لا رجوع عنه، لن تشاركها امرأة في زوجها، ولن تشاركها امرأة في مالها. وقررت التحرك وقررت أن لا تنتظر!
كان ضرورياً لأشلاء شيلا المشتتة تلك الساعة في أكثر من زمان ومكان، أن تستعيد الحقائق المؤلمة، برغبتها ووعيها أو من غير وعي أو رغبة. كان مهماً جداً أن تصل بذاكرتها إلى ما وصلت إليه… لتلتقط أنفاسها وتتماسك قطعة واحدة لا يمزقها ضعف أو ندم على ما أقدمت عليه منذ دقائق.. شهور مضنية قضتها في سجن التحضير لهذه الليلة، لتنسف جذور الصحة في كيان فيليب، ولتتركه عرضة لنوبات فقدان الوعي الكامل…أخيراً ستحطّم السور وتحرر حاضرها ومستقبلها من عبث العاشقَين؟
" ماما ماما، ماذا تفعلين هل..؟" كان أندرو يسأل عندما يراها تغرز حقنتها في جسم فيليب، من خلال ثيابه أحياناً!
" نعم يا حبيبي كما تظن ونتمنى…هذه الحقنة ستقوّي رجلي البابا وتساعده على المشي.. سيمشي بهما بعيداً في يوم قريب!" كانت شيلا تجيب، وأندرو يفهم ما يفهم!
وتستمر شيلا تحقن فيليب بالأنسولين الذي تقتطعه من حصة مرضاها، وتشتعل الحيرة في ذهن الطبيب الذي كان يعوده بعد كل نوبة فيسأل ويفحص ولا يصل إلى نتيجة، ويسقط أخيراً في يده، ولا يجد خيراً من الرجوع إلى التراث.. يتبرع بنصيحة تشبه نصائح الجدات "خذ كأساً من مشروب سكري، واحتفظ بقطعة من الشوكولا تأكلها عند الشعور بحالة الهبوط". عند هذا الحد اقتربت شيلا من إتمام خطتها، وأصبح في وسعها اختيار موعد النوبة المنتظرة التي ستذهب بحياته إلى غير رجعة، الليلة هي ليلة النوبة الكبيرة!
وقفت المستحمة أمام المرآة التي تغطي جداراً في الحمام، كانت ملامحها ضائعة مثلما كانت أفكارها..ضباب في ضباب يخنق أنفاس السقف والمرايا. خرجت منهكة، جففت جسمها، ارتدت روباً قطنياً زهري اللون ولفت شعرها بمنشفة بيضاء. كان فيليب يحب رؤيتها خارجة من الحمّام متوردة الوجنتين وكانت تعرف ذلك. " الوقت الآن ليس لهذا النوع من الخواطر!" ضربت صفحاً على ما جال في ذهنها، سرقتها فكرة مرعبة، أين أندرو؟ هل هو غافياً في سريره؟ ثم تذكرت، لقد أجابت على هذا السؤال منذ قليل. اقتربت بحذر من السرير، نظرت إلى الزوج "الخائن" متوقعة أن ترى كل شيء تم كما خططت.
كان فيليب مغشياً عليه بلا شك، لكنه لم يكن قد وصل إلى حيث رغبت أن ترسله! لم يكن ميتاً بعد. بحركة انعكاسية، تراجعت إلى النافذة وشدت من جديد طرفي الستارة المغلقة، لتغلقها أكثر، كان عندها الكثير مما تود أن تخفيه عن أي عين! تمنت وتضرّعت أن تنجح أخيراً وتنتهي متاعبها المزمنة إلى الأبد، وأن لا تضطر للتكرار المضني وللمخاطرة بسرقة الدواء مرة أخرى، ليتها تجرأت وضاعفت الكمية التي خرجت بها الليلة. فجأة سقط نظرها على الهاتف، تذكرت شيئاً أساسياً في خطتها، انقضت عليه، أدارت أرقام الإسعاف، نطقت عدة كلمات قصيرة كأية زوجة ملهوفة:
"أرجوكم المساعدة فوراً، زوجي في حالة كوما ولا يستجيب لشيء ".
استمرت حالة الغيبوبة خمسة أيام، قضاها فيليب في قسم العناية المركزة، لكن العناية المتفانية لم تستطع تخليصه من أنياب الموت التي سنتها له شيلا وزرعتها تحت جلده. في اليوم السادس، في منتصف النهار، توقف القلب نهائياً وأقلع عن التنفس. مات القسم العلوي من جسم فيليب، وتوحد بسلام مع بقيته.
لماذا لم يستجب فيليب للمحلول السكري الذي قالت زوجته أنها تركته قربه وأفادت أنه شربه؟ ولماذا تأخرت شيلا في الاستعانة بالإسعاف؟ وفي غياب الأورام التي تفرز الإنسولين بكميات زائدة عن الحاجة الطبيعية، كما استثنى التشريح الجنائي، كيف تُعلل نسبته المرتفعة التي لوحظت في دم المريض عند إدخاله المستشفى؟.. أسئلة طفت على السطح في الوقت الحرج. تزامن ذلك مع تحقيق سري لتفسير استجابة المرضى المنتظرة، أو بالأحرى عدم استجابتهم لكمية الدواء المقررة في سجلاتهم. وكان من الطبيعي أن تدعى المسؤولة عن قسم السكري للشهادة والسؤال، ثم بسرعة غير متوقعة، للمساءلة والتقصّي، بعدها حُولت القضية إلى البوليس، ودخلت شيلا قفص الاتهام.
**
قال محامي الدفاع، أم تراه محامي الإدعاء، ما الفرق!؟ كانت شيلا مُجهَدة ومتلاشية:
".. ملاك الرحمة .. ملاك الموت.. مال ..مصرف.. شك" وذكر أشياء أخرى.. " أدوية.. سرقة، دواء معين ..مرضى سكر، إنسولين.. غادر حاقد… مغدور به يدفع الثمن.."
تصغي شيلا بصعوبة تصل بعض الكلمات إلى وعيها، معظمها لا يصل... " تذكرتين .. حول العالم ..حجز في فنادق الدرجة الأولى". تسمع اسمها يتكرر.." تذكرة باسم شيلا آن كاننغهام وفيليب روبرت كاننغهام… موعد السفر .. مرور عشر سنوات على زواج فيليب من قاتلته… شهادات استثمار باسم الطفل أندرو..مناسبة لم يعش ليفصح عنها..".
تابع واحد من المحامين مداخلته، وجاء الدور على الآخر.. اختلطت الإجراءات على شيلا وأوشكت حالة الإجهاد عندها أن تبلغ حالة الإغماء وبصعوبة سمعت:
"..كان فيليب كاننغهام رجل أسرة صغيرة أحب زوجته وابنه.." وتناهت إليها عدة كلمات متفرقة: "شكك..غيرة.. قاتلة..."
غشى قاعة المحكمة الكبيرة سكون مبهم، بل دوت في أرجائها أصوات رجال ونساء وأطفال... وقرعت طبول وتفجرت قنابل…ثم عاد صوت سمعته قبلاً يسترحم، وانطلق من مكان ما صوت مرعب يطالب بأقصى عقوبة؟
من سماء سوداء ملبدة بالغيوم هجرتها الشمس وآمال النجاة، أو من سقف القاعة الذي أطبق على صدر الأرض، تدلّت مشنقة، بل تدلت ألف مشنقة وتأرجحت بين عيني المتهمة، التفت حبالها الغليظة الخانقة حول عنقها وجسم وأطرافها…وساقت المذنبة إلى هوة سحيقة لا قرار لها…فلم تعد ترى أو تسمع، لم تعد حاضرة بأي شكل أو صورة. جاءتها عقوبة الإعدام التي أعدمها القانون منذ سنوات طويلة، كما يعرف الجميع، وكما كانت تعرف شيلا إلى عهد قريب، قبضت عليها بعنف... وأحكمت قبضتها!