قص

صور

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الصور مرايا في ذاكرتي، تنعكس، تنقلب، تنكسر تتشظي رغباتي للكتابة عنها، فأحاول لملمة ما تبقي، تعصفني الحاجة للتماذج مع فنجان قهوة ساخن بعد أن بللني مطر أيلول عقب مغادرتي للمستشفي وسيري في ذاك الشارع الطويل والأملس كجسد أفعي أمشي علي أسفلت أقداري فيما الأبنية حولي أشباحا تتعالي توهمني ببرد أيلول ودفء أوراقي. اليوم تتزايد حاجتي للكتابة عنها عن سمر التي مثلت كل صورها أمامي بعد مفاجأتي بلقائك كم تغيرت وكم شككت أني عرفتك دائما أي ذكري عن سمر تقودني لتذكرك هي التي ظلت حاضرة غائبة، أما أنت فصرت ظلا واهيا. الأشخاص كالأشهر يتشابهون بعضها يمر بلا سمات خاصة تميزها وأخري لها حظوة وحضور لكن ما علاقة سمر بأيلول، هي التموزيه الحارة، كيف أقارنها بفتور أيام أيلول وحزنها وخجلها، أأكون أنا أيلول؟ لم تكن الأجمل بين بنات المدرسة، لكنها كانت من اللواتي أتين إلي دنيا الفصول فيها ربيع دائم.ولم أفكر يوما إلي أي فصل كنت تنتمي أنت؟ سمر التي استطاعت خلال عام واحد أمضته في مدرستنا المتواضعة بعد رسوبها في مدرستها الخاصة أن تدير حولها هالة من الإعجاب والافتتان مع أنها لم تكن متفوقه أو مجدة في دراستها، ولم تكن سلسلة أو بسيطة في علاقاتها، بل كانت تتمتع بإلقاء نظرة كبرياء وترفع علي كل من حولها، كما لو أنها تؤكد علي اشمئزازها من هذا المكان وهؤلاء الناس، ورغم ذلك حظيت بودهم، وحصدت ما لم أحصده أنا في سنوات طويلة من الاجتهاد والتآلف مع الأساتذة والتلاميذ.تصل إلي المدرسة في سيارة "شيفروليه" وسائق خاص فيما كل التلاميذ والتلميذات يأتون إما بالباصات، أو سيرا علي الأقدام• معظم الأحيان لم تكن ترتدي مريول المدرسة تظهر ببنطلون جينز ضيق ، قميص أبيض، وجاكيت من الجلد أو الشامواه، تاركه خصلات شعرها الطويلة تنسدل حتي الخصر معطرة بنوع من العطور مازال عالقا بأنفي حتي الآن لأنه يشبه رائحة الفاكهة الإستوائية، أذكر أنها كانت تقول للفتيات إن عطرها هذا من ماركة "البودي شوب" لأنها لا تحب أن ترهق جلدها بالعطور الكيميائية وتتمسك باستخدام كل منتجات "البودي شوب" لأنها من مواد طبيعية لا تؤذي البشرة، ولم أكن في ذاك العمر أعرف أي ماركة من ماركات العطور العالمية• ذات عصر عقب انتهاء عملي ولدي عبوري من شارع رئيسي وجدت فرعا لمنتجات "البودي شوب" مثلت في ذهني صورة سمر، وعبق أنفي برائحة الفاكهة الإستوائية، تجرأت علي الدخول وسؤال البائعة عن العطر المجهول الذي اكتفيت بوصفه أذكر أنها نظرت إلي مع ابتسامة حانبة لتتأكد مني أن هذه هي المرة الأولي التي أستعمل فيها منتجات "البودي شوب" لأن العطر الذي أسأل عنه صار منتجاً قديما لم تعد الشركة تصنعه•• وسارعت البائعة لإخراج قوارير صغيرة من العطر تحمل روائح الفراولة والفانيلا، والمسك الأبيض، لكني غادرتها مؤكده أنني أبحث عن رائحة تتضمن الفاكهة الإستوائية.
في نهاية يوم دراسي طويل، دخل إلي قاعة المدرسة رجل أربعيني يرتدي بدلة سموكنع سوداء بأزرار مذهبة حذاءه لامع، وبيده سيجار اندفعت سمر من بين التلاميذ لتعانقه وتقبله كما لو أنه مر عام علي فراقهما أذكر يوم أتي والدي إلي المدرسة ليطلب من المدير أن يمهله وقتا لتسديد الأقساط، ظللت مختبئة بين التلاميذ• كي لا يعرفوا أنني أبنة ذاك الرجل الذي أمطروه بالتعليقات علي ملبسه وحذائه الممزق والمستخ، كنت خجلي أن تصل تعليقاتهم إليك. مدير المدرسة اصطحب والدها في جولة عامة علي قاعات الدرس ثم علي الساحة الواسعة المملوءة بالحفر ومياه المطر والوحل وكان من المفترض أن تجهز كمكان مناسب ليمارس فيه الطلاب الأنشطة الرياضية• عقب النتائج النصفية للعام الدراس ورغم تصدري المرتبة الأولي بلا منازع ورسوب سمر بجدارة، لم أجد حولي إلا بنتا وولدين من رفاق الصف لتهنئتي فيما تحلق الباقون حول سمر لمواساتها ربما قبل تلك اللحظات هي لم تكن تبصرني وربما كل ما كانت تراه بي فتاة سمراء بجمال مألوف لا يبرزه الفقر، لكن أنا كنت أراها وأعرفها جيدا، خاصة بعد أن أحسست اهتمامها بك لكنك كنت تخفي افتتانك بها، وتظهر استخفافك بكلامها السخيف، وكبريائها الزائف.
يوم العيد، وبعد نهاية العام الدراسي، نجحت سمر، ونجحت أنا رسبت أنت ليس لأنك فاشل بل لأنك كعادتك تتكل علي ذكائك كثيرا.
جاء رفاق كثيرون لزيارتي، وتهنئتي بالنجاح، لم تكن بينهم، قالوا إنهم يجمعون بعضهم لزيارة الناجحين وتهنئتهم، طلبوا مني القدوم معهم، "سمر" كانت من الأسماء الناجحة التي يتوجب علينا زيارتها• الغسيل المنشور أمام بيتنا اخوتي الذين تجمعوا في صالوننا الصغير عند دخول الرفاق، أكواب العصير الرخيصة التي قدمتها أمي لهم، بجامتي القديمة، الباهتة التي كنت أرتديها حين فتحت لهم الباب صور مثلت في ذهني عند تجاوزي البوابة الحديدية الكبيرة التي تتوسط حديقة بيت سمر وتؤدي إلي باب خشبي ضخم بمقبض حديدي، رنينه جعلنا ندلف إلي بيت العجائب المكون من طابقين، نزلت سمر من الطابق الأعلي تتهادي بفستان قصير من الحرير الأبيض الموشي برسومات ورود حمراء، تضع حول عنقها عقدا من اللؤلؤ، وأقراطا تشبهه، تنتعل صندلاً أبيض رقيقاً جداً وفي قدمها اليمني خلخال ذهبي تتدلي منه وريقات شجر صغيرة كانت المرة الأولي التي أتي فيها إلي لزيارتها ولكن رفاقي كانوا يعرفون المنزل جيدا، ويعرفون أن الأب والأم يرحبان بضيوف ابنتهما الوحيدة الذين يبددون وحدتها أنوعا مختلفة من الحلوي، فاكهة متنوعة كؤوس عصير طبيعي بأكواب مذهبة اصطفت أمامنا، ثم أغنيات صاخبة لمايكل جاكسون ومادونا صدحت من جهاز تسجيل كبير، وانهمك الرفاق في الاحتفال.
وم إصابتي بحمي التيفوئيد، وانشغالك عن القدوم لزيارتي رغم قرب المسافات بيننا، كانت تصحبك معها إلي النادي المنتسبة إليه، وإلي كل أماكنها الأخري، الجميع قال إنها تريدك لأنك لم تلاحقها لكنها تركتك حطام شاب، فاشل في دراسته متعثر يجهل ما يريد لأنك لم تفكر يوما أن الفقراء أمثالثا لا يملكون إلا الثروات الداخلية التي لا يمكنهم تبديدها بسهولة ولكنك بددت ثروتك أمام انبهارك ببريق الثروات الخارجية• اليوم حين التقيتك في المستشفي في اللحظات الأولي لم أذكرك تذكرت "سمر" فيكما شيء متشابه لم أبصرك حين أتيت من الخلف، ولم تميزني في زيي الأبيض، حين تصافحت أعيننا تجمدت كلماتك وظللت تحدق بي مشدوها حتي نبهك صوت الطفلة قائلا: خالو هذه هي الدكتورة التي حدثتك عنها.
اتزعت خيط إبتسامة ومددت يدك بعناء لمصافحتي ثم قلت بتردد: أهلا وسهلا أنا سعيد بلقائك• نظرت إليك إلي قامتك الفارعة التي تحولت إلي مساحة من الدهون المتناثرة بغير صحة، بعد أن كنت مميزا بجسد مشدود وعضلات بارزة ثيابك قديمة وحذاؤك متسخ، وذقنك غير حليق علقت عيني علي كتفيك، المكان الذي رأيت سمر تضع عليه رأسها يوم رحلة المدرسة، يومها قلت إنك ذاهب مع مجموعة من الشبان لتستكشفوا المنطقة ذهبت أنا ورفيقة لي لنلتقط الصور التذكارية لم أعرف أنكما تختبئان خلف تلك الشجيرات وتتبادلان القبل تراجعت ولم تبصرني.
عد فشلك في الحصول علي الشهادة الثانوية، ونزولي إلي العاصمة لأدرس الطب، عرفت أنك اتجهت إلي إحدي المهن اليدوية، ثم سمعت عن تنقلك بين أكثر من مهنة، أما سمر فقد تزوجت من مليونير شاب ثم طلقت منه ثم شاهدت صورها بعد عامين تزف إلي ثري آخر لكني كلما كنت أشاهد صورها، أو أسمع عنها خبرا مصادفة من أحد الأصدقاء القدامي• أتذكرك أنت، لكني لم أضمن أني حين أراك سأتذكرها هي• وستمثل كل هذه الصور أمامي لأكتشف أنك تشبه تلك الأشهر الباهتة التي تمر بلا ملمح خاص يؤكد عبورها.

كاتبة لبنانية تقيم في القاهرة
Lnaabd800@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف