وليمة وحرير وعش عصافير
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
1- قبل أن تقع الكارثة
الدودة التي ستتخلق في جثتي لتعيش بضعة أيام أو أسابيع فقط، الدودة التي ستدعو غيرها لتلك الوليمة، ستتكاثر في صمتي، الديدان سوف تسرح وتمرح في جمجمتي في خلايا عقلي، والتي تعبت أكثر من نصف قرن كي أعتني بها، أفكر بها،وفي عيني اللتين دربتهما على الرؤى الخلاقة الجميلة، نفس العينين اللتين كانتا تدمعان أو تفرحان للقيا الناس، لن يرحمهما الدود المتكاثر في مماتي، تماماً مثلما لم يرحمهما في حياتي. الدود الكثيف الذي سينغل نغلاً في القبر مسكين وزائل بمجرد أن يصل إلى العظم وتنتهي الوليمة الموسمية و اللحم رغم قلته فإنني اليوم مشفق عليه فلم أستطيع أن أوفر له وليمة أفضل تطول ليبقى أو يعيش مدة أطول بغير ناحل العظم وقفص صدري يغطيه الجلد وليس حوله كثيراً من اللحم. الدود الذي سيمخر قلبي ليجد دماً جافاً متجلطاً، ليس بوسعه الاستفادة من دواء الآيزورديل ولا البافارين والأسبرين ومميعات الدم. الدود سيعيش بمجرد موتي، تماماً مثلما كان يعيش بمجرد صمتي. الدود تحت التراب مسكين ومخدوع لأن الدود فوق الأرض يحاذر ويبقى وله حظ أوفر رغم أنه قد يجوع. الدود الذي سيأتي مغدوراً لن يكون بوسعي مساعدته أو الاحتفاء بوجوده واستقباله والرأفة بمصيره، ذلك أنني لن أكون موجوداً عندما يأتي ومع ذلك سنبقى أنا وهو ونهاياتنا جميعاً تحت التراب. وفوقنا جميعاً سيدوس العابرون وقد تسقط القنابل وتشتعل الحروب وفوقنا جميعاً سوف تهب الرياح ويتساقط المطر وفوقنا جميعاً ستشرق الشمس، وجميعاً الذين تحت التراب وفوق التراب يدور بنا كوكب واحد في فضاءات مجهولة. يا لوحدتنا وخلودنا الأبدي فكل ما نخشاه أن يندفع كوكب أو نجم آخر دون دقة ودون مواعيد نحو كوكبنا بتهور غير محسوب وبالتالي قد يصطدما، والنتيجة، أننا سنذهب أشلاء في فضاء سحيق. يا للحسرة إن حدث هذا واشتاقت عظمة من عظامي للأخرى، فكيف سنتبادل في الفضاء السحيق حينذاك التحيات ونشد أيادينا على أيادي الأصدقاء والغرباء والأشلاء ؟ بل كيف سيتصرف الدود الذي سيبقى على قيد الحياة ؟ هل سيطير رذاذاً في الفضاء مثل أشلاء مركبة فضاء فشلت في العودة ؟ هل سيكون هنالك أوكسجين كاف لاشتعالنا نحن جميعاً والتراب والأخشاب وبقايا ثمر عن شجر لم يتمكن الناس بعد من قطفه ؟ ليس الدود ما يقلقني وإنما المصير الذي نحن ماضون إليه، الغافلون عنه. إن ما يقلقني أن لا تصبح السماء زرقاء وكذلك مستقبل البحر إذا ما كف عن كونه بحراً وتلاشى في حرارة الشمس وصار بخاراً أو ماء لا نفع منه، كيف سوف تفرق حينئذ كائنات فضائية مجهولة بين الدود والماء والسماء؟
ما أتعس الدود الذي هو غافل عن هذه الاحتمالات والتوقعات، فقد كنت أظن في السنوات الخمسين الماضية أن لا وجود لمن هو أتعس حظاً مني وإذا به الدود حقاً أشد تعاسة وأكثر قتامة في مصيره منا. بالطبع سوف لا ينتبه الحمار إلى هذه المعضلة، الحمار الصبور الكتوم الذي لم تخطر بباله هذه الفكرة و كل هذه الاحتمالات والتوقعات مع أنها حقيقة. والمؤلم أنها حقيقة لن ندركها أو نقنع البشرية والعالم بأنها قائمة وسوف تأتي ليس شرطاً بالطبع نتيجة أسلحة دمار شامل أو نتيجة قصف على غرار هيروشيما وناكازاكي أو الحرب على العراق، وإنما سوف تأتي يوماً ما على غفلة تماماً مثلما يأتينا الموت الكريم دونما موعد ودونما استئذان، ومع ذلك، هل الحياة حقاً جميلة أيتها الديدان التي لن أرى ولن أحس بل هل هي جميلة حقاً كما قال ناظم حكمت ذات يوم للديدان التي فوق التراب تنغل أو تحرمه من طعام جاءت به رفيقته له على بوابات سجن بورصة ذات صقيع ولم يعلم به أو يحس سخونته أو يذوقه كي يستعد جسده لإسعاد الديدان ؟ إن في الأمر ما هو مقلق حقاً أيتها الدودة البشرية.
إن الأمر لجد مقلق إذا أيقظتنا كائنات فضائية ذات يوم ما تزال تعبر طريقها إلينا منذ ملايين السنين لتقدم لنا النصيحة والدواء والحكمة وسعة الأفق. فلربما هي أيضاً سترانا ليس أكثر من ديدان إذا ما قورنا نحن البشر بها وبسرمديتها وخلودها. كم أنا سعيد لأنني استبقت طفلاً فضائياً في هذا التعاطف الكوني مع الديدان، فثمة من لا يرى فينا نحن البشر فوق هذا الكوكب أكثر من ديدان فوق التراب، لتراه الديدان تحت التراب. من الحكمة إذن أن نرى الديدان تحت التراب الآن فوراً لأننا سوف لن نراها حين تكون وقد لا نرى من هم خارج إدراكنا الآن وإن كانوا يغذون الخطى ويقطعون المسافات بسنوات ضوئية نحونا قبل أن تقع الكارثة.
2- دودة القز
قالت لي دودة القز:
لماذا تفترض موتاً عادياً فقد لا تكون أنت الوليمة ؟
وأسهبت منبهة الحمار بداخلي أن من يموتون غرقاً يصبحون وليمة لأسماك القرش، وبالتالي، وخاصة في حالة عدم العثور على الضحايا فإن أجسادهم مصيرها مصير سمكة همنجوي مجرد هياكل عظمية كما أن حالات تحطم الطائرات قد تبعثر، خاصة فوق المحيطات، الأجساد نتفاً وأشلاء والعظام كسوراً وأجزاء وشظايا، وكانت دودة القز حصيفة في استدراكها لما ستؤول إليه الروح والجسد، كيف لا وهي الدودة صانعة الحرير الذي ما زلت أسمع عنه ولم أشتره أو أقتنيه وهي التي تكمن بعملها الدؤوب وراء رفع الروح المعنوية لمن يرتدون قمصاناً من الحرير الخالص أو يقومون بإهداء سيداتهم تنانير وفساتين وملابس داخلية مصنوعة من شقاء دود القز. وهكذا توزعت احتمالات ما سيؤول إليه الجسد فقد يسقط قلبي بمفرده بالصدفة نتيجة حادث مفاجئ وعنيف ينزع عنه أعباء وأعضاء الجسد الأخرى والأطراف، ليستقر هذا القلب فوق شجرة توت مثلاً ويصبح عشاً للعصافير. أو ليس هذا احتمال آخر في كوكبنا الذي بدأنا للأسف نجتث فيه الأشجار ونصطاد فيه العصافير؟ وهنا عتبت على الدودة محدثتي فقلت لها لماذا تخدعن العصافير وأنتن في الأفخاخ وكذلك السمك وأنتن في الصنانير؟ فدافعت بشراسة عن بني جنسها أفهمتني أن ذاكرتها الجمعية بخير عندما قالت: أنتم تصطادوننا وتحبسوننا في الأفخاخ والصنانير ونتعذب مرتين عندما نوضع بفظاظة كطعم وعندما تأتي إلينا فريستكم وتشرع في الوليمة الخادعة، ففي كلتا الحالتين لا نملك إلا أن نستسلم لأقدارنا، فوق هذا الكوكب، نعم بودنا أن نصبح طيوراً نحلق في الفضاء أو كائنات بحرية تغوص في الأعماق ولكننا هكذا خلقنا مثلكم لا نملك إلا الأحلام، ولا نملك إلا هذا الجسد العاري لنهبكم الأردية الفاخرة ثم نأكلكم من بطونكم أولاً عندما يتوقف تكالبكم وجشعكم وحروبكم وكوارثكم على وجه هذا الكوكب، فأنتم من دون كل الحيوانات الذين تظنون أنكم أكرمتم لكونكم بشراً وأنتم تعتقدون أنكم الأنضج والأعقل ومن يستحق الحياة فوق أديم الأرض مع أن هذا الاعتقاد نسبي على أية حال، فقد تسببت حياتكم لنا بكوارث الوجود وكوارث الفناء ونعيش بكم وبغيركم من الحيوانات النافقة والدواب، بواقعية وصبر رغم أنكم تعتقدون أننا يجب أن نكون خارج حياتكم، إلا أننا نعرف عنكم الكثير ونعرف أن في فنائكم حياة لنا كما لغيرنا من الضواري والوحوش في غابات حولتموها إلى أثاث فاخر وفي أرواح أرهقتموها لضمان استمراريتكم غير الإنسانية، إن النمل أفضل منكم عملاً وصبراً وتنظيماً ومؤاخاة. كانت دودة القز تتحدث إلي وهي منشغلة بتطريز ثوب فلسطيني ليوم فلسطيني لن أراه، فقلت: سلاماً هي حتى مطلع الفجر، وخشيت على محدثتي فوق شجرة التوت من أي طير عابث إذا ما غفوت عنها.