قص

القزم

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الاخبار التي تناقلتها الصحف تفتقر الى المصداقية فيما يتعلق بجريمة مقهى هايتي والاكاذيب الكثيرة التي دفعت الناس الي ان تتجنبني كانت ملفقة ومع ذلك فانك تود ان تعرف السبب الذي دفعني الى قتل القزم. انه سبب هام و بالاحرى كانت اسباب كثيرة. كل ذلك جعلني انفجر غضبا واقتلع حنجرته بيدي العاريتين بطريقة استباقية وخاطفة وبلا ألم.
هربت واختفيت لستة ايام في بيت مهجور ولكنهم القوا علي القبض بسبب وشاية من احدهم بي. الشرطة عاملتني بوحشية وطوال سنوات ما فتئت اسأل نفسي: منذ متى كان القزم انسانا تهتم لامره الناس وتتحرك الشرطة بفاعلية وتمشط المدينة شبرا شبرا بحثا عني ؟ومنذ متى كان الحثالى والمهمشين يحضوا باهتمام الحكومة ولماذا تنعتني الصحافة بالمجرم المعتوه والوغد الذي لا يحترم الانسانية ؟. بل في رأيي ان القزم كان كالنعُرة في انف حمار ومؤخرته قد اصابها الهزال وتخشبت من الركلات العنيفة الموجعة التي يوجهها له كل افراد المجتمع. انه لوضع سييء، الا يعتبرون انني قد خلصت المجتمع من سرطان مزمن كان يتورم تحت رقبته.
ان القزم كائن شرير تسكن روحه شياطين منبوذة وحين جثوت على صدره لاستئصال حنجرته كان القذر يغمزني بعينه الصفراء ويضحك.
اعتقدت بعد ما انتزعت حنجرته انني قد خلصت النساء الجميلات من مشاهدة كائنه المقزز الذي يلوح به لهن في عرض الطريق والامر الاكثر قبحا كان كشفه عن بطنه المملوءة بغرز العمليات. القزم انسانا فظ وقاسيا لا تعرف الرحمة سبيلا الى قلبه مما جعلني اردد على مسامعه:
- انك بهذه التصرفات تؤكد على كونك وحشا بلا انسانية. افعل أي شيء الا ان تحرق التلاميذ الصغار باعقاب سجائرك القديمة وترعبهم كل يوم مطاردا اياهم عبر ازقة المدينة.
- وماذا في الامر ؟
- ليس هؤلاء من يضايقونك يا رجل الا تفهم ؟.
- الان هم لا يضايقونني ولكنهم بعد سنوات سيكبرون وسألقنهم درسا منذ الان .
لمح مجموعة تلاميذ عند باب مدرسة فاشعل سيجارة وركض خلف اصغرهم حتى خرّ ساقطا على وجهه وأخذ يركله بوحشية ثم حرق اذنيه والصغير يصرخ والقزم يعض على لسانه ويصرخ منتشيا.
امسكت به صارخا في وجهه:
- سأقتلك يا قزم. لا تفعل هذا امامي مرة اخرى.
اتضنون ان من العدل ان اقضي سنوات في الظلام منتظرا حكما بالاعدام نتيجة قتل القزم الوغد الذي قلب حياتي رأسا على عقب، فقد كنت قبل ظهوره المفاجيء ضائعا في متاهة اسمها القراءة باحثا عن السبب الذي قعد بالانسان عن معرفة نفسه.
ولسوء الحظ انني تعرفت اليه في المقهى فقد اعتدت على الجلوس حتى ساعات متأخرة من الليل افكر في المستقبل المجهول الذي ينتظرنا وفجأة جلس على المنضدة امامي كالشيطان وقال:
- ان ما تفكر به الان لابد ان يكون عملا عظيما.
نظرت اليه طويلا وبالكاد ميزت مخلوفا بشعا لا يقدّر له عمر محدد قزما مثيرا للاشمئزاز لا يبلغ طوله مترا واحدا جسد نحيل ورأس مفلطح ومستدق كرأس ثعبان واحدى عينيه صفراء والاخرى مطفأة ويسيل منها سائل لزج. كان يرتدي قميصا قذرا مفتوح الازرار وعلى صدره آثار حروق قديمة. وقف فوق المنضدة وخلع قميصه وراح يلطم صدره بعنف كما لو كان غوريلا - وفي الواقع كان ابشع من غوريلا - ثم جلس وقال:
- اعطني سيجارة.
اشعلها واستهلك وقتا طويلا وهو يدخن مغمضا عينه ثم اردف:
- لا اعرف لماذا اجلس معك فإستك كبيرة ويبدو انك لا تجيدالتفكير بل تجيد الفُساء.
غضبت كثيرا وكنت اود ان اذبحه عضا باسناني ولكن القذر بادرني بسؤال اضحكني وخفف من حدة غضبي:
- هل تتفق معي بأن الناس اليوم عبارة عن افواه ومؤخرات ؟.
وبعد هنيهة مدّ يده الى علبة سجائري اخرج سيجارة واشعلها ثم اغمض عينه وراح يلمظ شفتيه متلذذا بالتدخين ثم قال:
- الناس تنقسم الى فريقين، فريق يضربني على استي دون ذنب وفريق اكثر انسانية لكنه يحتقرني لكوني قزم قبيح، لست مسؤالا عن قبحي ودمامتي.. اليس كذلك ؟
كان جالسا قبالتي فدنا مني وتابع:
- انظر، هل انا من اخترت هيئتي القبيحة ؟، هكذا ولدت . فلماذا يضربونني ؟ واما بالنسبة للشياطين الصغار فانني احاول ان اتغذى بهم قبل ان يكبروا ويتعشوا بي..
بينما كان يتحدث كنت افكر في ماذا لو قمت واوسعته ضربا وقيدته بالحبال او الاجدى ان انصرف عنه ولكن القذر نظر اليّ طويلا من اخمص قدمي الى قبعتي ثم اخرج سكينا وفتحه باسنانه بحذق وقال:
- اتريد ان تذهب قبل ان آمرك.. سوف اقطع عضوك وارميه للقطط.
سكت وهو يلعب بالنصل في الهواء ثم اردف قائلا:
- اذا غادرت لن تجد احدا مثلي يتحدث اليك مجانا يا أخي..
كلمة يا أخي وبالطريقة التي تلفظ بها القزم قللت من حدة التوتر بيننا، اقتربت منه ومنحته ابتسامة وقلت له:
- لا تغضب يا رجل. لن اغادر.
مرت سنة طويلة مملة والقزم يزداد شراسة وشرا وقبحا ولا يكاد يوم يمر ولا يرتكب فيه حماقة تفوق قدرتي على التحمل وحين دفعت بي الازمة النفسية الى الانزواء في البيت كان يزورني باستمرار وهو يتجول في ارجاءه مستمتعا بالفوضى التي تسود البيت ويتساءل عن ماهية الكتب المبعثرة وينزع عنها اغلفتها، ضقت ذرعا بتصرفاته اللعينة، وكنت حينها مستلقيا مستغرقا في قراءة ( الامير ) لميكيافيللي، قمت واشبعته ضربا ووضعته في كيس من الخيش والقيته في صندوق قمامة، ثم عدت الى قراءتي.
عاد التعب مرة اخرى، وضرب عقلي زلزال مدمر وعشت اياما طويلة تحت تأثير الادوية التي كشطت سقف ذاكرتي مثلما تكشط الريح سقوف الاكواخ.
الشوارع كانت تعج بالبلهاء، ومظهر الناس يشي باجواء سيرك، صخب ولغط وكلمات تحجب ما خلفها من بؤس. وصلت الى مقهى هايتي ، وجدته شبه مقفر، النادل يقلب صفحات مجلة نسائية دون ان يقرأها ورجل في زاوية المقهى يجلس صامتا وقد وضع قدميه على المنضدة ويحدق في السقف ببلاهة. سحبت اقرب كرسي وجلست لغط الشوارع كان يقترب شيئا فشيئا وكأنه شفرة صدئة تخدش اعصابي المتعبة ،المقهى قليل التهوئة
وكدت اختنق، فجأة لاح لي القزم ووقف الى جانبي ثم ادار وجهه وتعمد ان ينظر اليّ نظرة تنم عن الاحتقار وقال وهو يوليني ظهره:
- لماذا الهواء راكد هنا كأنه قديم ؟
ثم التفت نحوي صارخا:
- متى ستتوقف عن الفُساء ؟
اشتعلت غضبا واندفعت نحوه بشكل جنوني وامسكت بخناقه، وشدّدت من قبضتي على حنجرته، دافعا اصابعي بكل قوة وعنف، واخيرا انبجس دمه الكريه، واستمر الامر لدقائق ولم اتركه الا جثة هامدة. حين نهضت متلفتا رأيت النادل وحيدا مذعورا ينظر الى جثة القزم. اخذت نفسا عميقا وخرجت من المقهى فلم يعد هناك ما يدعوني للبقاء.

sefarune@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف