الدرويش: فصل من رواية وداعا سيلوبي!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
دخل الدرويش إلى خيمته مترنما بأغنية شعبية، علقت بذاكرته من ذلك الزمن الجميل، الذي كان ينتمي إليه قبل قدومه إلى هذا المخيم اللعين. لام نفسه على تسمية زمن الكوابيس الذي خلفه بالزمن الجميل.تلك الكوابيس التي خلفت بصماتها القذرة والرهيبة على روحه وكيانه.
كان تعود على أن يغفو في القيلولة قليلا ثم ينهض ليذرع ساحة المعسكر جيئة وذهابا مع أصدقائه حتى حلول المساء، يعود بعده إلى خيمته استعدادا لجلسة شرب مع رعد ورمزي في أغلب الأحيان أو يشرب لوحده، حيث يكون ساعتها منغمسا في رحلة لا تنتهي مع ماضيه الذي تركه خلفه في مدينته كركوك.
ازداد وجيب قلبه خفقانا عندما أحس بالدخان يتصاعد من مؤخرة الطائرة. أخذ يردد الصلوات والأدعية التي يحفظها عن ظهر قلب. ثم صرخ من أعماقه:
ـ انجدني يا سيد أحمد الطيار!
فجأة أحس بيد تربت على كتفه، عندما التفت ليرى صاحبها، وجد إلى جانبه شيخا جليلا وقورا يخاطبه بصوت هاديء رزين، نزل بردا وسلاما على نفسه التي كادت تهلك من الهلع.
ـ اطمئن يا ولدي. واصل طريقك على بركة الله.
أراد أن يلثم يد الشيخ المباركة، لكنه لم يفعل. أيقن بإيمان راسخ لا يلين على أن الشيخ الجليل هو السيد أحمد الطيار، الذي اعتاد على زيارة مرقده الذي يقع بجوار مرقد السيد ( أبو علوك ) الذي يتبرك به عامة الناس في كركوك. وكان الشائع أن السيد أحمد يغيث الملهوف ومن به كرب في غمضة عين وانتباهتها، أينما كان الكرب، غير معترف بالبعد الجغرافي للمكان الذي يستنجد به الملهوف، لذلك أطلقوا علية لقب ـ الطيار ـ.
أحس بأن لهيب الخوف والهلع الذي مد لسانه في كل بقعة من أعماقه، قد سكن وانطفأ فجأة، تاركا مكانه لسكينة وهدوء لا مكان لمساحتها.
هبطت الطائرة المحترقة بسلام في مطار كركوك العسكري بين تصفيق حشد من الجماهير بينما الدخان لا يزال يتصاعد منها.
عندما تهيأ للنزول من الطائرة، التفت قبل أن ينزل ليشكر الشيخ، لكنه لم يجد أحدا إلى جانبه. فقد اختفى الشيخ دون أن يمنحه فرصة شكره.
استفاق الدرويش من منامه، متأملا سقف الخيمة لدقائق غير قليلة فقي محاولة منه ليستجمع ذاكرته التي شوشها الحلم.. كي يستعيد وعيه، الذي نبهه بأنه لا يزال سجين معسكر سيلوبي، ينتظر الخروج مع الآف اللاجئين من ذوي مشارب مختلفة، لا يجمعهم إلا خيط واحد، وهو أنهم عراقيون
تمنى لو كان يملك دفا ينقر عليه بعض التواشيح، التي يحفظها لعل بعض ما في كيانه من انكسار يزول إلى الأبد. نقرات كتلك النقرات التي كانت تبدأ هادئة مثل الهمهمة ثم تعلو رويدا رويدا حتى تصل إلى قمة ما بعدها قمة في النفس، فتنطلق الأحاسيس منة عقالها، والمشاعر من سجنها نحو سماء لا تنتهي، لتجري بين آلاف الكواكب والأجرام مثل ذرة في السماء وتتلألأ مثل نجمة في ليل الصحراء لتكون دليلا لتائه يبحث عن طريق بين الكثبان الرملية التي لا تنتهي.
وضع قنينة الخمر تحت وسادته هامسا:
ـ مرحبا بك دائما.. اللعنة على حاجي رسول!
كان أقسى ما يعانيه الدرويش، هو شعوره بأنه أعماقه يحوي كائنين منفصلين، يعيشان جنبا إلى جنب. احدهما يرد أن يعيش الحياة كما هي، وأخرى تحن إلى أيام الدروشة وحلقات الذكر.
وعلى الرغم من محاولته أن يكون أحد هذين الكائنين إلا أنه لم يفلح في مسعاه. بدا محكوما عليه بهذا الانشطار بين الشخصيتين المتناقضتين، رغم ان حبه للحياة وملذاتها، كانت الطاغية، لكنه في أعماقه لم يكن يرى حرجا في سلوكه هذا، خاصة عندما كانت صور من يعرفهم من الدراويش تترى على ذاكرته، من الذين كانوا يمارسون صنوفا من الإعجاز في حلقات الذكر، تأبى العين أن تصدقها والعقل أن يستوعبها.
السيد حامد الكبه جي كان لا يبدأ بعروضه قبل تناول نصف قنينة من الخمرة. فيروح بعده يقضم الموسى أو المصابيح الكهربائية، أو يطلق على نفسه الرصاص دون أن يناله أذى. وكان لا يطعن نفسه بالآت الجارحة إلا وهو في أقصى حدود النشوة عند استماعه لأغاني أم كلثوم أمام رواد كازينو النصر الواقع على شارع الجمهورية.
وهل ثمة امرؤ في كركوك لا يعرف السيد سرحان السرسري، الذي يعتبره البعض أحد عملاء الأمن،ومع ذلك كان يغمد السيف حتى قبضته في بطنه!
لقد وجد نفسه محاطا بالآف علامات الاستفهام عن حقيقة كرامة أمثال هؤلاء الدراويش، الذين يحتفون بأمور الدنيا ومباهجها أكثر من انغماسهم في التصوف والدين.
وفي كل مرة ينغمس فيها بلجة هذه الأسئلة المحيرة، يؤمن أنه من هذه الفصيلة فهو يحب الدين والدنيا. يشرب ويصلي. يستمع إلى الأغاني ويطرب لها، ويرتجف خشوعا عند سماعه تلاوة من القرآن بصوت القاريء عبدالوهاب محمود. يحضر حفلات الأعراس، التي تشتهر بها كركوك والتي يستمر فيها الغناء والطرب حتى الصباح، وحلقات الذكر في ليالي الجمعة.
كان يؤلمه أن من حواليه في هذا المعسكر الملعون، لا يعرفون هذه الحقيقة. لأنهم لا يرون في الحياة والدين إلا لونا واحدا. الأسود أو الأبيض.. فلا مكان في ذاكرة هؤلاء لقوس قزح الألوان. لهذا فأنه يؤثر أن يعيش في شبه عزلة في المعسكر، بعد أن ابتعد عنه من كان قد تقرب منه لهذا السبب أو ذاك، بعد ان شاع تعاطيه للخمرة.
ينام في القيلولة، ويسكر في المساء مع نظام ورعد ورمزي الذين لا حديث لهم إلا انتظار دورهم في الخروج من جحيم سيلوبي.
رغم هجره لحلقات الذكر منذ سنوات تمتد إلى ما قبل خروجه من كركوك، إلا أنه يحلو له أن يتذكر تفاصيل ما عاشه في تلك السنوات، التي كان فيها مريدا لدى الشيخ.
في بعض المرات كان العزاء المقام في الجامع، يتحول في يومه الثالث بعد دعوة الدراويش إليه إلى حلقات للذكر. تبدأ بنقرات خفيفة ورشيقة على الدفوف في جامع الحاج محمد الواقع قرب ساحة الطيران أو جامع ( العرصة )، حيث تبدأ الترانيم والتراتيل مع تلاحق الضربات على الدفوف، التي تتصاعد معها حالة الوجد لدى الدراويش، وعندما يؤذن لهم صاحب الطريقة التي ينتسبون إليها، يبدأ الدراويش بطعن أجسادهم بالسيوف والسكاكين، وتشتد حمى الضرب عندما يصل المنشد إلى قوله:
جتي الغزالة تبجي وللرسول تشتكي
والجمل يشكو لـ (طه) من حمله وما شاله
وطه هو شيخ الطريقة، عند ذكر اسمه تبلغ حالة الوجد ذروتها، حتى تصل إلى حالة هستيرية غامضة لا حدود لها. فيبدأ الدرويش بقضم زجاج المصابيح الكهربائية. وقد شاهد بأم عينيه مصلح السيارات عدنان، وهو يمسك سلك احد المصابيح بيده، والمصباح في اليد الأخرى، فيشتعل الضوء فيه. ولا ينحصر الأمر في حلقات الذكر بذلك بل تجز أعناق وتقطع رؤوس. ويبرع الكاكائية في تقديم مثل هذه العروض التي يحتار اللب في تفسيرها. في مثل هذه الحلقات ليس غريبا قيام درويش بدق سكين في رأس زميل له بمطرقة يحملها في يده، فينزل بها دكا على السكين المغروسة في رأس زميله. حتى الصبية الصغار كانت تستهويهم مشاهدة هذه العروض.
كان الدراويش يقومون بعد استئذان السيد بغرز أسياخ في صدورهم وبطونهم وألسنتهم. بل أن ابن عمه الصغير الذي لا يعي الطرق الدينية، تناول في واحدة من تلك العروض مصباحا كهربائيا وبدأ بقضمه، وكأنه واحد من أمهر الدراويش الذين اعتادوا على القيام بمثل هذه الطقوس.
عندما كانت كان الرؤوس تقطع، وتثبت المسامير في الرؤوس، ويطعن الجسد بالسيوف والخناجر، لا تنهمر قطرة دم واحدة من جسد الدرويش. رغم أن الجميع يرون كيف تخترق أجساد الدراويش، الذين تصل بهم حالة الوجد والانفصال عن واقع أجسادهم إلى حد الانغماس في بكاء كبكاء النساء عند مشاهدتهن تلك المشاهد من نوافذ بيوتهن المطلة على صحن المسجد، ومن يرددن مع الحشد الهائج:
الله حي
لا اله
إلا الله
في واحدة من حلقات الذكر التي أقيمت في حي ـ القصابخانه ـ فوجيء الجميع بالدم يتدفق على غير العادة،من جسد أحد الدراويش كالنافورة و هرع إليه السيد وغطاه بعباءته ثم التفت بغضب على الحاضرين قائلا:
ـ ليخرج من فيه جنب من الجامع!
فخرج شخصان منكسي الرؤوس. وعندما رفع السيد عباءته من جسد الدرويش، توقف النزيف وكأنه لم يكن. وعاد الدرويش إلى طعن جسده بالسيف مجددا.
في نفس تلك الحلقة نهض عبدالقادر انضباط، وهو رجل يعمل في أمرية الانضباط العسكري المواجه لقشلة كركوك. فوجيء الحضور به يخرج غدارته، وأخذ يطلق النار على جسده من رشاسته، جحظت عيون الحضور وهي ترى الرصاصات التي تصطدم بجسده تسقط تحت أقدام الجالسين، دون ان تتمكن واحدة منها من إلحاق الأذى بجسده النحيل. لم يكتف بذلك بل أخرج مسديه واخذ يطلق بين ذعر الحاضرين النار على رأسه، فكان مصير الرصاصات مثل مصير زميلاتها. لم تخترق الرصاصات الرأس بل ارتطمت بالجدار بعد اصطدامها برأسه لترتطم بالجدار ثم تسقط في باحة الجامع لا حول فيها ولا قوة.
لعل ولعه بالسادة والدراويش ومعجزاتهم قد بدأ منذ سن مبكرة، فقد حدث وأن غطت أثاليل كثيرة مقززة يديه، ورغم ذهابه مع والدته إلى العديد من الأطباء إلا أن المراهم التي وصفوها له، لم تجد نفعا. أوصى جار لهم والده بأن يأخذه إلى الملا عابد، الذي تملأ شهرته كركوك باعتباره حاذقا في كتابة التمائم والتعاويذ، وإصلاح البين بين النساء وأزواجهن، الذين بيتهم صدود وجفاء. وكانت رقى الملا عابد تغير المرء من حال إلى حال، ويجعل الزوج المتسلط، الفظ الذي يعامل زوجته أسوأ معاملة يتحول إلى حمل وديع، لا يرد أمرا لزوجته مهما كان الأمر.
كان الملا عابد يمتاز بوجه حسن، يشع منه الخشوع، ويؤثر في نفوس ناظريه، ويقال أنه في الأصل كان يهوديا ثم اهتدى إلى الإسلام، فأصبح أحسن من أهلها.
قدم الملا عابد له تميمة، طالبا منه أن يدفنها في مكان ذي تربة رخوة، رطبة. بعده ستختفي الثآليل من تلقاء نفسها، وباختفائها ستختفي التميمة المدفونة في الحال، ولن يعثر لها على أثر.
لاحظ أن قطرات الماء المنسكبة من حديقة دارهم، تهيء أفضل مكان لدفن التميمة. بعد أيام اختفت الثآليل والدمل من يديه، وعندما هرع للبحث عن التميمية المدفونة تحت الحنفية، لم يعثر لها على أثر. فقد اختفت بدورها كما قال له الشيخ عابد باختفاء الثآليل اللعينة من يديه.
وهو ان ينسى كل شيء، فلن ينسى شجرة الدلب المزروعة على مدرج قلعة كركوك العتيدة، فعندما بدأ عمال البلدية بقطع كافة الأشجار في المدرجات بهدف تجميل منظر القلعة، أخذت تلك الشجرة تنزف دما حقيقيا على اثر الضربات التي انهال بها عليها أحد العمال. وكأنها وريد يد مقطوعة لإنسان وجهت إليه طعنات قاتلة. عقدت الدهشة لسان العامل المسكين، فألقى بالمنشار الكهربائي من يده واخذ يكبر بصوت عال، بينما كانت الدماء المنبثقة قد بدأت تنهمر بغزارة منحدرة من المدرجات نحو الشارع، منطلقة وكأنه سيل نحو المنحنى الذي يقع أمام سينما الخيام، بحيث ان إطارات السيارات المارة من الشارع، اصطبغت باللون الأحمر القاني.
حضر محافظ المدينة محمد حمزة ومعه فريق من رجال الاطفائية، متأملين بأفواه عقدتها الدهشة، المنظر الفريد الذي لا يخطر على بال مخلوق، شجرة تنزف بغزارة دماء بشرية.
لم ير المحافظ بدا بعد أن اصطبغ الشارع بالدماء، من استدعاء السيد احمد، وهو من أقارب السيد علاوي صاحب الكرامات التي تحفظها المدينة عن ظهر قلب.
نهر السيد عند حضوره الجميع، ولم يدر بالا بوجود المحافظ بين الجمع المحتشد.ثم قال بعد أن تفحص الشجرة الجريحة التي اغمدوا في جذعها منشارا كهربائيا:
ـ تبا لكم! الآ تعلمون بأن قبر حسقيال حفيد النبي دانيال الذي يقع مرقده في القلعة، يقع تحت هذه الشجرة المباركة تماما؟!
وبكل هدوء انتزع السيد عمامته الخضراء وربط بها جذع الشجرة المثلوم، وبقدرة القادر الواحد الأحد، توقف نزيف الشجرة بين تهليل وتكبير الجمع الذي احتشد في مكان الحادث ليرى هذا المنظر الفريد. وبكل هدوء استقل السيد سيارته، التي انطلقت من وسط الزحام الذي كان يتكاثر في مكان الحادث مع مرور الوقت.
رغم مشاركته في العديد من حلقات الذكر، الذي تسبق طعن السيوف والسكاكين في أماكن لا تخطر على بال كم أجساد الدراويش، إلا أنه كان يقف عاجزا أمام هذا اللغز:
تخاذل نصل السيوف والطلقات النارية من اختراق أجساد الدراويش، أو إحداث أ ي جرح فيها حتى لو كان طفيفا!
كان مرد استغرابه، تساوي جميع الدراويش في تخاذل النصول الجارحة من النيل منهم، مؤمنا كان الدرويش أم كان عابثا، لاهيا يعاقر الخمر والميسر ويرتكب الموبقات مثل محي الدين رابعة، اشهر مسطول في محلة القلعة، ومحمود الكبه جي الذي كان لا يطعن جسده إلا وهو يستمع منتشيا أغاني أم كلثوم، وعشرات آخرين.
حيرته هذه قادته رويدا رويدا للابتعاد عن حلقات الذكر، رغم احتفاظه في أعماقه بخشية الله. لكنه واصل معاقرته للخمرة، وأيقن أن الشراب الذي طالما تغنى به المتصوفة والدراويش في قصائدهم، إنما هو شراب عن حق وحقيق، وليس مجرد معنى مجازي في أمور يصعب تفسيره.
منذ ذلك اليوم أيقن تماما أن على الإنسان أن يعيش دينه ودنياه في آن واحد. فهذه الطيبات التي خلقها الخالق على وجه الأرض، ليست للفرجة بل للشم والتقبيل والنشوة. رغم محطات اليقين هذه، ظل الكائن الثاني في أعماقه حيا، منطلقا يرافقه في حله وترحاله.
ألم يكن من أوشى به درويشا، فاق في مهارته في الطعن بعد استئذان سيده عبدالله اوزون، أشهر درويش في حي القورية؟
شرد ذهنه، وانساب خياله كما يحدث دائما إلى تلك الأيام المرعبة التي ظل فيها لسنوات متأرجحا بين الحياة والموت، عاش فيها معاني الرعب والهلع وسط حقل ألغام لا يدري في لأية لحظة ينفجر فيه لغم ليمزقه اربا، ويقذف به قطع متناثرة من اللحم في كل الجهات. يحكم من خلال النظر في عينيه.
تذكر كيف اعتاد أن يلتقي مع مالك الأسود طويلا في المقهى، عند عودته في كل إجازة له من الجبهة التي حشر فيها من قاطع العمليات في المحمرة، في سنوات الجمر والخراب مع إيران.
كانا يمشيان لساعات طويلة في أزقة كركوك وحواريها، يسلمان يمنة ويسرة على معارفهم وأصدقائهم عند مرور هم من شارع الجمهورية، الذي يتحول في المساء إلى شارع مزدحم بالسيارات والمارة.
لم يكن يخفي عن مالك الأسود ضيقه وتبرمه بحياته العسكرية، وهو يرى كل يوم الموت،بل في كل لحظة قريبا منه، قاب قوسين أو أدنى منه. كان زملاءه يتساقطون بين انتباهة عين واغماضتها في الخندق أمامه في حرب لم يجد لها تفسيرا مقنعا.
كان مستغربا، كيف يتبادل الطرفان الدمار والخراب، وهما يؤمنان كما يدعيان بالسنة المحمدية وبالقرآن، الذي ينهي عن العنف والقتال بين المسلمين؟
لم يعر اهتماما لفكرة مالك الأسود في تشجيعه على الفرار من الجندية في واحدة من اجازاته. أرعبته الفكرة، كيف يتسنى له الهرب والى أين؟
أتاه الجواب: إلى تركيا ففي كويسنجق، هناك مهربين سيقودونك حتى الحدود. الاستسلام للإيرانيين محفوف بالمخاطر، ولربما سترديه وهو يحاول الهرب إلى الخندق الإيراني المقابل، رصاصة من فرق الإعدام المشكلة لهذا الغرض: قتل كل من يحاول الفرار قبل تحقيق مأربه.
إذن كما قال مالك الأسود، أكثر البلدان أمانا للجوء والفرار هي تركيا.
ظل أرقا لليال عديدة، يعد النجوم، ويغرق في تفكير طويل. يفكر مثنى وثلاث ورباع بما همس به الأسود في أذنه، فانتشر منها إلى كل كيانه. نجح الأسود في إلقاء بذور التوتر والتوجس والقلق في روحه، والرغبة في الخلاص نهائيا من هذه الجبهة اللعينة، ورؤية البشر يتقلون يوميا أمامه، حيث رائحة الدم في مكان. لم يعد يتحمل رؤية الأشلاء المتناثرة، والأمخاخ المتطايرة هنا وهناك لبشر كانوا قبل القصف يضحكون أمامه أو يروون نكاتا له، أو يتحدثون عن لقائهم إلى حبيباتهم في الإجازة، أو يكتبون رسائل إلى ذويهم، يطلبون منهم الصبر في هذا الليل الطويل الدامس الذي حل بالوطن.
قبل يومين من انتهاء إجازته، كان معا مع عبدالله الأسود كالعادة، جالسا في بار ( عمر الخيام ) يستمعان معا إلى أغنية أم كلثوم ( بعيد عنك حياتي عذاب ). هناك في الحانة اتخذ قراه النهائي بعد ان وجد الأسود يفرش له طريق الفار بالزهور والرياحين، ويعطيه عنوان شخص يدعى ( كاكا سور ) الذي سيقوم بتهريبه عن طريق كويسنجق إلى الحدود التركية مقابل ثلاثمائة دينار.
وجد نفسه يتخذ قرار لا رجعة فيه، سيترك وراءه كل شيء، مدينة كركوك بشوارعها وأناسها وبارتها وتكاياها وجوامعها، لينطلق صوب حياة جديدة لا وجود فيها للسلاح والحرب والخوف والذعر فيه.
أبلغ الأسود انه سيستأجر سيارة أجرة لينطلق صباح غد إلى أربيل ومنها إلى كويسنجق، لينهي في حياته عصرا من القلق والخوف والعيش في رعب دائم في الخنادق. ان كل مكان في الوطن أصبح بمثابة جبهة قتال ينتصر فيه الباطل على الحق.
لا يزال يتذكر جليا وقوف سيارة الأجرة أما بيتهم، وقيام أخيه بحمل حقيبته الصغيرة التي لا تسترعي انتباه نقاط السيطرة المنشرة بين كركوك و وأربيل،من ان صاحبها ينوي الفرار من العسكرية.
قبل يدي أمه الباكية ثم انطلق بخطوات سريعة نحو السيارة. كان لا يتحمل مناظر الوداع، ورؤية أمه في حالة من حالة يقطع نياط أقسى القلوب.
عندما جلس على المقعد، انتصبت أمامه فجأة سيارة، قاطعة الطريق على السيارة التي يستقلها. هبط منها رجال بملابس مدنية يحملون المسدسات، أحاطوا بالسيارة في غمضة عين.
لم يصدق هل أن ما يحدث أمامه حقيقة أم خيال. تمنى ان يكون كل ما يراه كابوسا، كتلك الكوابيس التي اعتاد أن يفيق بعدها مذعورا في الجبهة.
أقترب منه أحدهم يحمل جهاز لا سلكي وهو يخاطب شخصا آخر:
ـ أصبح الصيد في حوزتنا!
أحس وكأنه أرنب مذعور، يحيط به الصيادون من كل جانب، لكنه رغم ذلك استجمع بقية من تماسك ليسألهم:
ـ خيرا إخوان؟ ماذا حدث؟ أنا لم أفعل شيئا. اعتقد بأنكم مخطئين.
نظر إليه صاحب اللاسلكي باستهزاء:
ـ نحن لا نغلط في العنوان يا أفندي !
ثم صرخ في وجهه:
ـ جبان! جندي وتريد الفرار من أداء الواجب المقدس في مثل هذه اللحظات المصيرية من حياة أمتنا؟!
أحس بأن كل شيء قد انتهى، وان الشمس التي كانت في أوج يريقها، أصبحت شاحبة بلا بريق وكأنها ليمونة في السماء.
كانت الأيام التي تلت اعتقاله في ذلك اليوم المرعب، الذي اقتيد فيه مقيدا بالأغلال بين توسلات أمه ودموعها، التي لم تجدي فتيلا، أيام خيم فيها الرعب على أعماقه، بدا فيها أنه يعيش الحلم واليقظة. وكم كانت دهشته عظيمة عندما اقتادوه بعد إحضاره مقيدا من يديه وقدميه، عندما رأى الأسود يقف أمام المحكمة كشاهد إثبات، ليقول أنه كان عازما على الفرار، حيث كان يؤكد ذلك له عند حضوره إلى كركوك في كل إجازة. وأنه أبلغه عن اتفاقه مع مهرب من كويسنجق ليوصله إلى الحدود التركية، ليتخلص بفراره بذلك والى الأبد من شرف المساهمة في الحرب المقدسة المعلنة ضد الفرس المجوس.
كان هذا آخر ما يتوقعه. أن يدينه أعز أصدقائه، ويحمله كل ما أقترحه عليه هو!
مثل أمام الحاكم مسلم الجابري مع مجموعة من شباب التركمان المقيدين بالأغلال.
قال لهم الجابري:
ـ رغم أنكم خونة وجواسيس، لكن المحكمة قررت تكليف محام للدفاع عنكم.
لم يصدق ما يسمع. هل من المعقول ان النظام الدموي، الذي حول الوطن إلى بحيرة من الدماء وأرض خصبة للمقابر الجماعية، ستقوم بتوكيل محامي للدفاع عنهم؟!
سرعان ما حضر المحامي، الذي لم يرتح لمظهره وسحنته. فقد أخذ يتطلع إليهم بغطرسة ورح عدائية تكشف عن نفسها من نظرات عينيه الضيقتين.
بدأ المحامي بالمرافعة فورا دون أن يعرف أي شيء عن طبيعة التهم الموجهة الى المتهمين المغلولين في قفص الاتهام:
ـ سيدي رئيس المحكمة، الأعضاء المحترمون. لا يخفى عليكم ما يمر له وطننا العزيز من عدوان فارسي سافر على يد مجوس القرن العشرين. ونظرا لدقة الظروف التي يمر بها قطرنا المناضل، اطلب من محكمتكم الموقرة بعدم الرأفة بهؤلاء المجرمين، وإنزال أقصى العقوبات بهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الإساءة إلى منجزات ثورة 17 ـ 30 تموز المباركة!
اعتدل الحاكم في جلسته، وبعد أن وجه أقذع الشتائم على الجميع، هددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، حكم على الذين كانوا معه بعد أن ألقى نظرة قصيرة على ملف التهم الموجهة إليهم بمدد مختلفة، أقلها السجن لعشر سنوات. كان الحاكم قد أجل النطق بالقرار في التهمة الموجهة إليه:
ـ نظرا لمحاولة المجرم الفرار من خدمة الوطن والشرف والكرامة في مثل هذه الظروف التي يتعرض فيه بلدنا إلى عدوان متلاحق من الفرس المجوس، ونظرا لمحاولته اللجوء إلى دولة أجنبية، تقرر الحكم علية بالإعدام شنقا حتى الموت!
لا يزال محفورا في ذاكرته، كيف قذفوا به وسط الزنزانة التي كان فيها العشرات من المسجونين المحكومين بالإعدام.يتذمر كيف تكور على نفسه مثل قنفذ مذعور لا يكلم أحدا لمدة اسبوع. مكتفيا بتأمل حواليه، وكان زملاؤه بلحاهم ورائحة العرق النفاذة التي تفوح منهم في قيظ تموز، يبدون كمخلوقات تنتمي إلى كوكب مجهول.
لا يزال يتذكر تفاصيل الذعر الذي كان يخفق بجناحية فوق رؤوس الجميع، كلما سمعوا صرير الباب الحديدي ينفتح ويطل منه عسكري متغطرس مناديا على بعض الأسماء. كان أصحابها يودعون الجميع، مرددين الآيات القرآنية وهم يتوجهون مع جلاديهم نحو غرفة الإعدام.
لكن ذلك اليوم الذي يأبى مغادرة ذاكرته، كان يوما لا يشبه يوما آخر. فهو يوم فاحت فيها رائحة الدم في القاعة.
كان كعادته متكورا كالقنفذ على نفسه، يخشى حتى من الحديث مع بقية المحكومين الذي ينتظرون مثله الإعدام في أية لحظة. انفتح الباب الحديدي المشؤوم، بدا صريره هذه المرة وكأنه أطول من المرات السابقة. أطل بعده عسكري ومعه خمسة من مساعديه، ونادى على أحد الأسماء. لكنه فوجيء بأن معظم رفاقه في القاعة أحاطوا به ومنعوه من الذهاب. ارتفع أصوات التهديد والوعيد من العسكري، إلا ان المعتقلين لم يسلموا له الشخص الذي بدا وكأنه قائدهم، مرددين الآيات وأصوات التكبير.
خرج العسكري وزمرته متذمرا، ساخطا من هذا العصيان في القاعة، الذي اعتاد أن يأمر فيها فيطاع.
بعد قليل صر الباب الحديد مرة أخرى، ودخل عسكري برتبة رائد هائج كالثور، محتقن الوجه، يغطي الدم عينيه الصغيرتين اللتين تتقطران لؤما وخبثا وإجراما.
نظر إلى المعتصمين الذين كانوا يكبرون باستمرار، مجتمعين جميعا في زاوية من القاعة. سأل الرائد من معه:
ـ هل هؤلاء المجرمون، يتمردون على تنفيذ القرار؟!
أجابه أحد الجنود الذي كان معه بعد أداء التحية له:
ـ نعم سيدي!
بدون سابق إنذار أو أدنى تردد، أطلق الرائد زخات سريعة من الرشاشة التي كانت في يده على المعتصمين خلف قائدهم. تساقطوا جميعا الواحد تلو الآخر. وكلما ازداد الرمي، أنفك الحصار من حول الزعيم فكان آخر الصرعى.
لا يزال يتذكر كيف تلاشى من الرعب في زاويته. كان الرعب يشع بأوسع معانيه من عينيه المذعورتين.
تكومت جثث رفاقه في القاعة الذين كانت قلوبهم تنبض بالحياة قبل لحظات.
سمع صوت الرائد يرعد صارخا على بقية المساجين:
ـ هيا ياقواويد، اسحبوا جثثهم القذرة إلى الساحة!
لا يتذكر كيف تمكن رغم الرعب الهائل في كل خلية من خلاياه، من سحب الجثث إلى باحة السجن. كانت كل جثة يتم سحبها، تترك خلفها خطوطا وبحيرات من دماء دافئة.
أخذ الرائد يعد الجثث، كانت مائة وخمسون جثة بالتمام والكمال. لم يسمح للمساجين بالعودة إلى القاعة، بعد نقل الجثث، بل اخذ الرائد يدور بينها ويطلب منهم ذكر اسم صاحب الجثة التي يعرفون صاحبا، ليشطب الاسم من قائمة كان يحملها قي يده، كانت تضم أسماء المعتقلين في قاعة المحكومين بالإعدام.
بعد ساعات قام مع زملائه في القاعة بغسل الدماء ومسح آثارها.
في زاويته تقيأ في ذلك اليوم كثيرا.
هناك فقد إحساسه بالزمن والمكان. ولم يعد يرى ضياء النهار، لأن المصباح الباهت الذي كان يتوسط القاعة، أصبح بديلا له وللآخرين عن الشمس. كان شما لا تغيب قط.
في تلك الأيام السود تلك، كم تضرع إلى الله!