مسرح إيلاف

عملان يختلفان في الهدف ويتفقان في التنفيذ

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كيف نقدم أنفسنا للآخر؟ وما هي وسائل التقديم؟ هل نستعير التراث ورموزه أو نتعامل مع المفردات الحياتية البسيطة لإعطاء صورة عن ثقافتنا وتراثنا العراقيين؟ وهل من الضروري استخدام هذه الرموز والمفردات في كل ممارسة كي نقول للغربيين أننا أصحاب تراث ولكن تخلفنا عن اللحاق بكم بفعل حكامنا وما جرت ويلات الاستعمار علينا ؟ ثمة رؤية من هذا النوع نلمسها في ممارسة بعض الأنشطة الثقافية هنا التي تتوسل بالمتراجع ثقافيا كي تقول ضمنا أننا متقدمون. أسئلة كثيرة تزدحم أمامي وأنا أشاهد أعمال مسرحية عراقية، يشكل جهد أصحابها محل تقدير رغم الاختلاف معها حينا وتأييدها حيناً آخر، وثمة ما يقال بهذا الصدد وهو بالتالي رؤية أخرى لا تتوافق مع رؤية المخرج أو المؤلف لإيصال صورة عن ماهية الثقافة العراقية للأوربيين.

كانت الأيام القليلة السابقة كريمة معي في أن أرى عملين مسرحيين لفنانين عراقيين في هولندا ، الأول كان في مدينة أمستردام بعنوان "أين الـ هناك " والثاني في مدينة دنهاخ بعنوان " فاقد الصلاحية" ، كتب نص العمل الأول كل من الشاعر شعلان شريف والفنان صالح حسن، وهو عبارة عن انثيالات أو صور نثرية جمعت مع بعضها لتكون بالنهاية نصا غير مترابط حيث لا تنقلات متجانسة ولا عبارة تسلم لعبارة أخرى مما انعكس على أداء الممثل. نفذ العرض الفنان صالح حسن وأخرجه اليوغسلافي سالي بيكوفيتش، كما شارك فيه المخرج حازم كمال الدين كمخرج مختص بحركات الجسد وله أكثر من عمل مسرحي في هذا المضمار. طرح العمل تساؤلات عده تمركزت حول الأنا والآخر، والآخر هنا قد يعني أنا في مكان أخر وزمان آخر وكل موقع يحمل ذكريات وصور أخرى ، والنص بصيغة هذه أقرب إلى الجانب الفلسفي منه إلى نص درامي مسرحي بالمعنى السائد، فهو مبني على السؤال المفتوح وهذه الصيغة عادة ما تكون سلاحا ذو حدين كلاهما يقع على الممثل. وسؤالنا يتمركز على الكيفية التي يصل بها النص للمشاهد عن طريق التمثيل وليس الممثل فقط؟ بمعنى أن الممثل هو صالح حسن بينما التمثيل هو مجموعة التعليمات الإخراجية والفنية فكيف يوصل الممثل كمؤدي للنص طريقة التمثل؟. هذه علاقة أزلية بين النص والمرسل –الممثل- والمستقبل- والجمهور، وأزليتها تكمن بأن العرض كان عبارة عن ميلودراما يؤديها شخص مفرد، في حين أن الممثل كان شريحة اجتماعية عريضة ،فالمشاهد يواجه ممثلا واحدا، وهو يؤدي العرض في حين أن العرض يطرح مشكلة أعم. وهذا يعني أن عليه أن يستحضر كل أدواته لكي يوصل النص كرؤية شاملة بالحركة والكلام والإيماءات والصور اللفظية إلى المشاهد. وقد اقول أن شيئا من ذلك قد تحقق وشيئا قد اخفق فيه الممثل. فقد كانت المؤثرات الصورية والضوئية جميلة ومتناسقة أعطت العرض بعداً مكانيا وزمانيا تلائمت مع مفردات النص الذي يصور الـ هناك في أزمنة وأمكنه مختلفة، حيمنا أجاد الممثل صالح حسن في تقريب الأزمنة خلال العري الجسدي في أغلبها ولكنه كان غير موفق في بعضا منها عندما استحضر مفردات ،من مثل اللطم وهو احد شعائر الزيارات الحسينية ، فهذه المفردة كان يمكن توظيفها بصورة أجمل وأغنى مما قدمت عليه فهي تحمل مضامين فلسفية وتراثية كبيرة ،للأسف لن نر شيئأ منها سوى التجسيد الحركي السريع لها وكذلك الحال مع الرقص الجنوبي فهذا الآخر كان طارئا ومفتعلاً منه إلى تجسيد معناً معينا .هذه المفردات غريبة وجديدة في الوقت نفسه على المشاهد الأوربي فهو يتلقاها كما لو كانت حركة فقط لا يعرف خلفياتها، على العكس من المشاهد العراقي. يحتم توظيفها إلى فهم اكبر من كونها حركة فقط يجيدها كل العراقيين تقريباً ،وربما يعود سبب هذا إلى قصر فترة البروفات – شهر ونصف فقط.
اما بالنسبة للقاعة التي عرض فيها العمل فلم تستغل جيدا ،بقي العرض محصورا بمساحة صغيرة لا تتجاوز المترين المربعين، بينما أهملت المساحة خلف الستارة الشفافة-screen - التي ارتسم عليها الضوء والمؤثرات الصورية التي تحاكي حركة الممثل وتجسد صور جميلة عن العلاقة بين الحاضر والماضي بين واقع الشخصية وما هي عليه وبين صور من ماضيها ترتسم على الشاشة،ماعدا مرة واحد وكانت الأروع في العرض ،حينما شكلت الخيوط الخلفية أشبة ما يكون بشبكة عنكبوتيه احتضنت صراع الشخصية مع الـ هناك . عموما كان العرض جيدا حيث استطاع الفنان صالح حسن أن يوصل فكرته للمشاهدين بيسر ،كما أن المؤثرات الصورية والضوئية متناسقة مع العرض ومكملة له ، وبقي أن نقول أن الجهد المبذول كان كبيرا ولكنه غير كاف لإخراج نص مثل هذا. فالنص أو حوار الشخصية مع نفسها هو الذي قاد العرض ولم يترك فرصة كافية للحركة أو للتمثيل من أن يأخذا مداهما في التعبير عن النص .

فاقد الصلاحية

أما العرض الثاني " فاقد الصلاحية" الذي أخرجه الفنان العراقي رسول الصغير ومثلهُ كل من الفنان العراقي احمد شرجي والمغربيتان دنيا البركة وعاليه، فهو موضع تساؤل مهم وقبل أن نبدأ بالتحليل نعرف القارئ أن هذا النص قد كتبه الكاتب الهولندي خرتايس، وأن يكون إخراجه وتمثيله من قبل فنانين عرب،على أن يكون هناك عرض آخر لنص عربي - للكاتب فلاح شاكر- والإخراج للمخرج الهولندي أيخون فان انك ، أي أن ثمة نوع من الرؤية الإخراجية الشرقية لنص هولندي وأخرى هولندية لنص عربي. وتبدو الطريقة جزء من الاندماج الثقافي الذي يدعو له الجميع. فالنص يحاكي عائلة هولندية تسكن حيا شعبيا يكثر فيه الأجانب الأتراك والمغاربة ، العائلة مكونة من أم مريضة أو تدعي أنها مريضة، والمرض سواء حقيقة أم مفتعلا يشكل هاجسا فنيا هو أن الشخصية غير طبيعية، ثم يضاف لها أن هذه الشخصية تخشى الخارج وتعتبره قوة ضاغطة عليها دون أن نعرف السبب.الأسرة مكونة بالإضافة للأم التي تمثل رمزا للحضانة والامومة والأرض من أب له علاقاته العاطفية الخاصة به والتي يمارسها خارج البيت ويعتبر هذه الممارسة محطة استراحة له مادام هو السلطة في العرف الشرقي وفي الوقت نفسه يشكل سلوكه مركز إزعاج لزوجته الملولة والمتشككة والخائفة ، وإلى جوارهما ابنتهما الشابة والتي لها خصوصياتها وعلاقاتها التي تقودها بالنهاية إلى أن تصبح بائعة هوى في احد الأماكن. نحن أذن أما ثلاث حالات تشكلها هذه الأسرة: أم خائفة وأب متهور وابنة شاذة. فهل أبقى المخرج والمؤلف على سياق كي نتعامل معه بطريقة غير تلك التي نعرفها عن مثل هذه الحالات؟ هذا التشتت الداخلي والخارجي الذي يلف العائلة والعلاقات السيئة فيما بينهم والتصادم بين جنوح البنت وخوف الأم واستهتار الأب والذي جسده المخرج بصور شتى، برز في الصور المفردة لكل منهم والمعلقة في الواجه ، عدا صورة واحدة تجمعهم قبل أن يتفرقوا تحت سقف البيت الواحد ، في حين أن أماكن الجلوس تشكل هي الأخرى تشتتا أخرا فثمة كرسيان فقط للأب وللابنة بينما كان الكرسي الثالث غائبا وهو للأم، هذه الدلالة تعكس طابعا خفيا ينم عن ذكاء فالأم لا تحتاج للكرسي فالبيت كله كرسيا لها لذلك تخشى أن تطل على الخارج حتى من النافذة كما أنها لا ترد على الهاتف كي لا تجعل الخارج يتسلل إليها ، في حين ـأن علاقة الأب والبنت بالخارج أكثر حرية لأنها مشدودان إليه بحكم علاقتهما المشوهة مع البيت. فالبنت رغم أنها لا تقبل أن يتدخل احد في حياتها لكنها في الوقت نفسه تميل إلى الأم وتحاول أن تفرض توازنا داخل الأسرة. في حين أن الأب ما يزال خارجه كداخله كائن ينتمي للبيت ويغترب عنه في آن واحد. لقد وقع هذا العرض في المشكلة نفسها التي وقع بها العرض السابق ، فرؤية المخرج العربي للنص الهولندي لم تكن موفقة في بعض مراحل العرض، وقد انعكس هذا على البناء الدرامي للعرض فتذبذب من حيث الفعل ورد الفعل سواء كحوار أو كحركة. فعندما كان الموقف يحتاج إلى تصاعد درامي حركي ولفظي كان هناك نوع من الفتور في الأداء، فالام كان حضورها فاتراً إلا في الخمس دقائق الاخيرة . وهذا الأسلوب يحاكي عموماً الأسلوب الغربي في معالجة المشاكل الخاصة بمجتمعهم، أي أنهم لا يميلون للعاطفة في حل مشكلاتهم بل للعقل ويعني ذلك تأجيل الحلول وليأخذ القانون طريقة. بينما كان من المفترض أن يكون رد الفعل مختلفا تماماً عندما تكون الرؤية شرقية للأحداث أي الميل للعاطفة والموقف المتسرع والحلول النصف. فوقع الإخراج بين مشكلة نص غربي أريد لمفرداته أن تعالج برؤية مخرج شرقي، وبين رؤية شرقية تتعامل مع نص كتب لمجتمع غربي له عاداته وانفعالاته وطبيعة تعامل مختلفة مع قضاياه. فمن الممكن تعريب النص ليلائم الوضع الاجتماعي العربي ولكن لا يمكن تعريب الواقع الغربي كي يلائم سياقا شرقيا، فأما أن نستدل على الواقع بمفرداته وخصائصه مع إضافة ما نراه ضروريا من رؤية شرقية إخراجية ليلائم العمل ككل ،وإلا سيتحول العمل إلى عمل تتقاطع فيه الحوارات مع الحركة مع المفهوم العام للعمل.
عموما كانت الربع ساعة الأولى من العرض شرقية بحته استخدم فيها المخرج الطشت كرؤية شرقية جسدها بطريقة جلوس الأم وساقيها العاريتين وهما يحتضنان الطشت وهي تغسل القذارة التي تأتي للبيت كل يوم محملة بأفعال النبت التي تبيع الهوى وأفعال الأب وعلاقاته خارج البيت وكأنها تحاكي دورة الحياة التي تزيل بمسيرتها خطايا الماضي كي تستنبت الجديد ولكن ذلك لم يجسد إخراجيا، بل تحول المشهد وكأننا في احد الأفلام المصرية .
نعود للنص والمعالجة الإخراجية، قد يكون المخرج محددا بالنص ولا يمكن الخروج عليه ولكن كان بامكانه أن يكشف عن ملابسات الأحداث التي هيمنت على العرض مثل: الدعارة والعلاقات الجنسية المشوهة والخيانة الزوجية و بالرؤية نفسها عندما عالج فيها فكرة الطشت الذي يعني فيما يعنيه غسل الأحداث واستنبات الجديد النظيف كنوع من التلاحم والألفة التي تسعى الأم له بين أفراد العائلة رغم الاختلاف والتنافر بينهم. وكذلك الكتب التي برزت عيانيا دون أن تضيف شيئا محسوسا للنص ولا للعرض حيث لم نجد أحدا من أفراد الأسرة مهتما بالثقافة ، ولا اعرف إن كان النص قد تعامل معها كرمز مثلاً أو أن الأحداث كانت تجري في مكتبة وهذا أيضا لم يتضح. فمثل هذه الرؤية للكتب لم نجد لها ما يفيدها إخراجيا بل تحولت إلى ظاهرة تزينية؟ والاهم من هذا كله هو كيف يمكن أن تعالج رؤية شرقية موضوعا حساسا مثل بائعات الهوى في مجتمع يقبل مثل هذه الممارسة؟ في الحقيقة كان هناك تصور أو رؤية شرقية مشوهة لبعض ما طرحة النص فعلى سبيل المثال عندما قبلت البنت أباها كأي زبون أخر تبيعه جسدها؟ و ثمة مشهد أخر عندما رفع الأب ثوب ابنته ليرى صدرها، فهل كان المشهد غربيا أو شرقيا؟ وهل كان رد الفعل في الحالتين يتناسب مع رؤية شرقية؟ الإخراج لم يعمق أيا من الفكرتين ؟. كل هذه الأمور وغيرها لم تعالج بروية شرقية بل قدمت بطريقة سردية دون أن توجد دلالاته العميقة. بقي أن أقول ان المزج بين الثقافتين حرج ويحتاج إلى درجة كبيرة من الخبرة في اختيار الموضوع وطريقة تقديمه للمشاهد الشرقي او الغربي ،لكن هذا لا يعني ان العمل كان غير موفق بل ان اقتحام هذا المجال هو نقطة تحسب في صالح المخرج والممثلين وفي صالح الثقافة العراقية في الخارج، ويعد خطوة مهمة إلى الأمام في مسيرة الفنان رسول الصغير في حين أن الفنان احمد شرجي قد اثبت عن طريق التمثيل أنه فنان مقتدر وموهبة تتجدد وتنمو من عمل لآخر وهي في تحد مستمر مع ذاتها لتقديم الأفضل.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف