مسرحة اماديوس، بين بوشكين وشايفر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
لقد خلقت اسطورة من انسانا عاديا(واصفا نفسه)
وخلقت انسانا عاديا من اسطورة(يقصد موزارت)
ساليري.
كتبت مسرحيه موزارت اول مرة للمسرح على يد الشاعر الروسي بوشكين في عام 1825، اي بعد وفاة الموسيقار الايطالي انتونيو ساليري بخمس سنوات، وكان بوشكين اول من كتب عن هذه العلاقة المركبه بين العبقري الشاب موزارت والموسيقار ذو السلطات الكبيرة ساليري. يعد بوشكين صاحب الريادة في مجال الحداثة الادبية الروسيه و في توضيف اللغة الشعبية في اعماله الشعرية، هكذا يصنفه نقاد الادب الروس.
ولد بوشكين في موسكو من اصول عائلة نبيلة من جهة ابيه، وتنحدر امه من اصول اثيوبية حيث هاجر اجداده وخدمو في ضل حكم الامبراطور بيتر الكبير، ولقد حمل بوشكين تلك الملامح في سحنته وفي شعره الاسود وخليط انتاجه الثقافي المتنوع. بدأ بوشكين مشوارالكتابة وهو في سن الرابعة عشر عندما نشر اول قصيدة له في احدى الصحف المحليه. ولكنه بدء بشكل اساسي عندما كتب مجموعته القصصية الاولى روسلان و لودميلا في عام 1820 وكانت تلك القصص عبارة عن حكايات اسطورية استمدها من حكايات جدته له. قبل هذا بعدة سنوات كان بوشكين قد انخرط في العمل السياسي، حيث شغل منصبا في احدى مكاتب وزارة الخارجيه في مدينة لينينغراد، ولكن منصبه هذا لم يبعد الشبهات عنه لارتباطه بمجموعة محافظة كانت قد اشتركت في انتفاضة ديسمبر من عام 1825 والتي اودت بنفي واعدام معضم من شارك في هذا العمل السياسي. وبالرغم من عدم اثبات اي تهم بحق بوشكين، لكنه بقي تحت الضوء بسبب قصائده السياسية، حيث تعرض للنفي والملاحقة بسبب كتاباته المتكررة. لم يكن بوشكين مصدر الهام لكتاب المسرح فقط بل كان كذلك للموسيقيين ايضا، حيث استلهم الموسيقار الروسي جايكوفسكي اوبرته الشهيره ايفجيني اونيجين من رواية لبوشكين بنفس الاسم.
كذلك استمد الموسيقار موسوركسكي مسرحيه بوشكين التراجيدية بوريس كادونوف ليبني على اساسها عمله الاوبرالي والذي اعطاه نفس الاسم. كتب بوشكين العديد من المسرحيات والقصص والروايات، وكان اخر ما انهمك في كتابته هو كتاب يؤرخ حياة الامبراطور بيتر العظيم، ولكنه لم يكمل الكتاب بسبب زواجه الذي ادخله في متاهة لم يخرج منها الا على سرير الموت . ففي سنة 1831 تزوج بوشكين من امرة فائقة الجمال بعد علاقة حب دامت لاكثر من سنتين.
كانت قد اختيرت تلك الحسناء لتصبح رفيقة في البلاط الامبراطوري، فما انكفت عن تلبية الدعوات في كل مناسبات البلاط، وقاد سلوكها المهمل ا تجاه التزاماتها الزوجية الى وقوع بوشكين بين متاهة المديونية الكبيرة التي لحقت به والهمس خلف الكواليس حول علاقات زوجته الغرامية المفترضة والتي سلبت سكينته ولم تبقي له وقتا كافيا للكتابة وعجلت في نهايته. ان تلك الملابسات الحياتية وذلك التقارب الشخصي بين ما الت اليه علاقة بوشكين بزوجته والتشتت الحياتي والمنافي التي عاشها بوشكين، وطموحه الذاتي، جعله قريبا جدا من شخصية موزارت وعرفانا منه لتلك العلاقة الروحية كتب نصه الشهير موزارت وساليري والذي بناه على اساس فكرة المؤامرة مبتعدا عن تناول الاسباب الاخرى والتي ربما عجلت او ساهمت في نهاية موزارت، وقد يكون بوشكين متعمدا الابتعاد عن ذكر الاسباب الذاتية حتى لا يكون نصه عن موزارت انعكاسا لحياته الخاصه.
لقد ضمن بوشكين نصه اشارات لغويه يلقي الضوء فيها على مدى ارتباط ساليري بالكنيسة، ولشعوره بالاحباط منها لانها، اي الكنيسه، فضلت موزارت عليه رغم ان ساليري كان ملتزما باداء الشعائر الدينية، كذلك همش بوشكين الانجاز الموسيقي الرائع والذي كان اخر ما خطت يدا موزارت الا وهو القداس الجنائزي.
ان الفكرة الاساسية التي يدور حولها نص بوشكين والتي يفصح عنها ساليري في مطلع النص الا وهي انعدام العدل، وذلك بناء على فكرة،(خيانة الاله لساليري) هكذا يتصور ساليري وهو الذي قضى معضم حياته ملتزما باداء الطقوس الدينية بينما كان موزارت يقضي اوقاته متسكعا بين الحانات واماكن اللهو، ساليري والذي لم تسعفه الكنيسه ولا سلطة الامبراطورفي اعتلاء عرش الموسيقى ولم تعينه كل تلك السلطات عندما اجتاح موزارت عالم الموسيقى وهمش ساليري في المحفل الموسيقي الاوروبي.
باتت تلك العلاقه ما بين موزارت وساليري في نص بوشكين ساكنة، الى ان بثت فيها الروح من جديد وذلك عندما اعيد هذا النص للاضواء في منتصف القرن الماضي على يد الكاتب البريطاني بيتر شايفر والذي اسماه( اماديوس) نسبة الى الاسم الثاني لولفكانك اماديوس موزارت.
ولد بيتر شيفر في ليفربول،انكلترا في عام 1926،درس التاريخ في جامعة كامبرج، عمل في مهن عده، ابتداها في حفر ابار المناجم، الى بائع في مخزن للكتب، وانتهى به المطاف في مكتبه جامعة نيويورك في لندن.
عرف شيفر لاول مرة ككاتب مسرحي بعد نجاح نصه المسرحي الاول الذي كتبه في عام 1954 والذي كشف فيه شايفر عن موهبه عالية في مجال الكتابة المسرحية، وحقق هذا التالق في مسرحيته ارض الملح. ثم تلى هذا النص نصوصا لاتقل اهمية عن ارض الملح، حيث كتب فيما بعد تمارين الاصابع الخمسة، في عام 1958 واعقبه نصه العملاق الصيد الملكي للشمس، والذي يتحدث فيه عن ماساة احتلال الاسبان لدولة بيرو، ثم كتب بعد هذا النص الكوميديا السوداء، في عام 1965،ثم تلاه نصه الكبير ايكوس، والذي عرض اكثر من الف عرض في مسارح برودواي، وتلى هذه النجاحات نصه المثير للجدل اماديوس والذي نال العديد من الجوائز وعرض كذلك في برودواي اكثر من الف عرض.
كتب شايفر عددا اخر من النصوص المسرحية مثل اييتس ولوفاج، والكذب الابيض ونصوص اخرى ذو فصل واحد.
ان مما لاشك فيه ان بيتر شايفر استخدم نص بوشكين (موزارت وساليري) كمادة استلهم منها وطور على اساسها نصه الشخصي الذي كتبه في منتصف القرن الماضي. ولكن من يقرا نص شايفر يجد وبكل وضوح ان شايفر توسع بشكل كبير وبحث في شكل تقديم هذا النص المهم واغنى في تقديم شخصياته والمؤثرات المحيطة بها، والتي اثرت في تكوينها وبنائها على المستوى الشخصي والفني والتي اغنت النص المسرحي واعطته طابعا خاصا عرف به اسلوب شايفر فيما بعد على مدى سنوات طويلة.
ان اي دراسة لتقديم نص مسرحي او عرض مسرحي،يجب ان تقيم وتضع فهما مسبقا لاشكاليه تركيبه نظرية الاتصال والتواصل بعين الاعتبار، وهذه الشراكة المتبادله والمركبه يجب ان تكون في اولويات بحث المعنيين بتقديم العرض المسرحي واعني هنا بالتحديد كاتب النص ومخرجه.
ان هذه الشراكات هي التي تحدد تلك العلاقة بين صانع العرض ومقدمه من جهه، وبين المتلقي من جهه اخرى، وهذا ماداب عليه معظم من كتب للمسرح في بريطابيا وتحديدا في النصف الاخير من القرن الماضي، فشكل العرض والية تقديمه لم تنفصل عن الكيفية والشكل الذي تطور فيه المجتمع الانكليزي.
ان شايفر اعاد صياغة نص اماديوس وفقا لهذا التظاد في هذه العلاقة،ان نصه الممتلئ بحقائق تاريخية لحياة موزارت جائت حلقة متينة في بناء هذا النص الكبير ولم تاتي لتغطية بعض الحقائق التاريخية،
يتطرق شايفر بشكل محترف لعلاقة موزارت بابيه الذي لقنه الموسيقى واخذه في رحلاته في دول اوروبا يعرض مواهبه على ملوكها وامراءها منذ ان كان موزارت في الرابعه من عمره. يتوسع شايفر بشكل ساحرعندما يعرض شكل تعامل موزارت مع الفن، ومع الموسيقى بشكل خاص، حيث ان موزارت تعامل مع الفن على انه وسيله لتغيير الاذواق وليس لارضائها، الفن ارتبط عنده بمعنى التغيير والتحول، الدعوه الدائمة لكسر الحواجز والتقاليد الكلاسيكية وليس المحافظة عليها كما كان يدعو اليها المحافضين الذين ورثو تلك التقاليد وتعودو عليها.
ان موزارت غير شكل تقديم الاوبرا الذي كان معمولا به من قبله، كذلك غير شكل وطبيعة شخصياتها.
ان تمرد موزارت الفني هذا بتغييره هيكليه الاوبرا وقدسيتها اثار حفيضة خصومه الموسييقيين وغيرهم من الساسة،ان سعيه الدؤؤب واجتهاده حدا به في نهايه المطاف للاصطدام بالمحافضين والمحيطين بامبراطور النمسا انذاك الامبراطور جوزيف، وفي مقدمتهم الموسيقار الايطالي انتونيو ساليري.
لم يغفل شيفر كذلك ذكر علاقة موزارت بالمحفل الماسوني حيث ان موزارت كان عضوا في هذا المحفل منذ عام 1784 وكانت اخر اعماله قد كرست لهذا المحفل، وكانت للماسونيه دورا مهما في حياته لما تتمتع به من سطوة ومكانة في المجتمع الاوروبي انذاك،حيث اعان هذا المحفل موزارت في ايام ضيقه الشديدة وسوقت اعماله لفترة من الزمن.
اما شخصية ساليري في معادلة بناء نص اماديوس،فلقد جاء هذا التضاد بينه وبين شخصية موزارت جزءا مكملا من الناحية الفنية والتاريخية.
لم يكن ساليري شخصية ابتدعها شايفر من محض خياله،بل كانت شخصية حقيقية عاشت في فيينا وانجزت اكثر من اربعين سمفونية واوبرا.
كان انتونيو ساليري المرجع الموسيقي المفضل لامبراطور النمسا جوزيف، حيث اعتمد الاخير عليه في اغلب الاحيان، في اختيار القطع الموسيقية التي تعرض على الامبراطور في حفلاته الترفيهيه، وفي اعطاء الدروس له ولحاشيته، وكان لموقع ساليري هذا وقع مهم في كيفية تعامله مع الموسيقين الذين لايحضون بدعم السلطه انذاك، وقد يبدو هذا الامرليس غريبا على الكثير من فناني عصرنا ايضا.
لقد استخدم ساليري مكانته وسلطاته الكبيره بمنع الكثير من الموسيقيين من ارتقاء سلم الشهرة وكان اكثر من حاربهم هو غريمه ومثاله الاعلى في الموسيقى، موزارت.
يقول ساليري في احدى حواراته واصفا علافته بموزارت
لقد خلقت اسطورة من انسانا عاديا(واصفا نفسه)
وخلقت انسانا عاديا من اسطورة(يقصد موزارت)
قدم شايفر شخصية ساليري بشكل مذهل من خلال الغة الرفيعه التي استخدمها على لسان حاله وفي وصفه لموسيقى غريمه موزارت، فساليري هو اول من من استطاع ان يرى ويقيم اهمية هذا الشاب الطموح صاحب اللسان السليط، حيث يصف ساليري، موسيقى موزارت في حوار اخر،
* اني اسمع صوت الله من خلال فم طفل عاق*
يقصد هنا تلك القدسية والعذوبة الموسيقية التي تنهل على مسامعه. هكذا يبني شايفر نصه ويشكله، انه يقدم شكلا غير معمولا به كثيرا في بناء النصوص الدرامية باستخدامه الشخصية المحوريه ساليري كمقدم لشخصيات النص المسرحي و محطة للانتقال بين الماضي والحاضر دون ان يقلل من شان تلك الشخصيةلا على المستوى الدرامي ولا على المستوى التاريخي.
يستهل شايفر نصه* اماديوس* بتقديم الشخصيات على لسان ساليري، ويسهب في شرح ابعادها المختلفة وعلاقاتها مع بعضها البعض، يستخدم شايفر شخصية ساليري كنقطة ارتكاز، ينطلق منها،يغور في وصف دقائق المكان وملامح الشخصيات حتى تشعر انك جالس في احدى مقاهي فيينا القديمة. ثم يعود من جديد الى نقطة ارتكازه الاساسيه ساليري ليبدء من جديد .
ان نص شايفر لا يخلو من الطابع التقريري والوثائقي، ولكنه يخفي خلفه حبكة دراميه عالية. هنالك ثوابت مكانية وضعها شايفر في نصه تكاد تكون ثابتة وغير قابلة للتغيير،كشكل البيانو في وسط المسرح والذي يتكرر في اكثر من مشهد.ولكن قد تكون هذه الثوابت المسرحيه جزء من تلك القيود التي يفرضها شايفر على من يتعامل مع نصه المسرحي. قدمت اماديوس اول مرة على خشبة المسرح في لندن وقد انتجت المسرحيه من قبل المسرح الوطني واخرجها بيتر هول في سنه 1979 وقد اعاد اخراجه لها في عام 1999 في مسرح اولد فك في لندن. لا يخلو موسم او مهرجان مسرحي بريطاني من عرض لمسرحية اماديوس لما لها من وقع واهمية في نفوس العاملين في مجال المسرح، ولكن يبقى سر موت موزارت مجهولا لم يحله شايفر في اروع نصوصه المسرحية.