جيوش من ورق... ونظام لا يثق حتى بنفسه
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
سقوط بغداد... الحقيقة الكاملة (1/3)
جيوش من ورق... ونظام لا يثق حتى بنفسه
زيد بنيامين- دبي: توحي لنا تسمية "جيش القدس" بأنه جيش يهدف إلى تحرير القدس، خصوصًا أن القائد العام في القوات المسلحة - صدام حسين - طالب في يوم من الأيام، بقطعة أرض كي يرى القادة العرب كيف سيحرر القدس ويعيدها إليهم. ويعلق مسؤول عسكري عراقي رفيع المستوى على هذا الحديث قائلاً: "لم يكن هدف الجيش هذا تحرير القدس أو حتى مقاتلة الصهاينة، إنما هدفه أن يكون أداة أخرى لحماية النظام".
ما إن انطلقت الحرب حتى تحطمت ماكينة صدام حسين العسكرية واكتشف الرئيس العراقي حقيقة استعداد هذا الجيش وغيره من الجيوش، ويقول مسؤول مقرب منه إن صدام حسين توقع أن يقاتل هذا الجيش كالأسود، وأن يجبر الأميركيين على إعادة التفكير في خططهم، إلا أن مساعديه لم يتمتعوا بالشجاعة الكافية ليبينوا له حقيقة ما يجري. والمضحك أن البيانات التي كانت تصدر عن القيادة العامة للقوات المسلحة كانت تقول إن قوات معادية مدعومة من الطائرات السمتية (الهليكوبتر) حاولت الإنزال في مطار المثنى إلا أن قوات جيش القدس، كانت لها بالمرصاد.
وقد نجحت في ايقافها ومن ثم الإلتفاف على المتبقي منها على الأرض، مسببة لها خسائر فادحة على صعيد الجنود والمعدات، وتضمن تدمير 7 عربات للعدو من مختلف الأنواع. نوجه تهنئة حارة من الأعماق إلى جيش القدس لهذا النصر المؤزر على القوات المتحالفة مع الصهاينة. لكن البيان كان قد بني على حادثة لم تحدث أبدًا، وقد عرف أن البيان كتبه أحد مسؤولي حزب البعث العربي الإشتراكي في وقتها وبثته قناة العراق الفضائية.
الحقيقة أن جيش القدس بدأ يذوب مع اقتراب القوات الأميركية من بغداد ومع وصول تلك القوات الى حدود بغداد حيث وجدت القوات الأميركية سواتر لهذا الجيش، إلا أنها لم تجد أيًا من أفراده.
الجيش الآخر في المشهد كان "فدائيي صدام" الذين كانت مهماتهم أوسع من "جيش القدس". فمع أن كل فرد في جيش القدس لديه مهمة معينة مع سلاح كلاشينكوف قديم، فإن أفراد فدائيي صدام كان يتوجب عليهم أكثر من مهمة، منها الخروج خلف العدو، وحق التصرف حالاً في حال وجود شغب محلي وكذلك مهام استطلاعية مضافة أخرى. وتتوحد مهام كل من فدائيي صدام وجيش القدس مباشرة في المنطقة التي تشهد أعمال شغب ضد النظام.
كان نجل الرئيس العراقي البكر عدي قد أسس جيش فدائيي صدام عام 1994 كردة فعل مباشرة على الثورة الشيعية والكردية ضد الرئيس العراقي في آذار(مارس) من العام 1991 (صفحة الغدر والخيانة كما كان يحب النظام أن يسميها). وشكل هذا الأمر الدليل الأول على أن صدام بدأ يؤمن دائرته الداخلية، بعد دخول العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على العراق في عامها الرابع، وعدم تحقيق اتفاق مع الأمم المتحدة حول رفع جزئي لهذه العقوبات. كانت تلك من أصعب السنوات في تاريخ العراق وفيها ترأس صدام الوزارة.
ويوضح عدد من أفراد الحلقة الداخلية للرئيس العراقي، أن الهدف الأساسي من إنشاء جيش فدائيي صدام كان حماية بغداد من العشائر العراقية التي تستقر بالقرب منها. فصدام حسين اكتشف بعد مرور حوالى 25 عامًا من مجيء سلطة البعث، أن العشيرة تقوم بدور مهم في الهيكل العراقي، كما هي حال الدين حيث كان حزب البعث علمانيًا وبقي هدف الفدائيين فيما بعد حماية النظام من أي أعمال مستقبلية ضده.
تقول احدى الوثائق التي وقعت بين أيدي القوات الأميركية بعد غزو العراق والتي تعتمد كوثيقة تأسيسية لفدائيي صدام إن المهام الرئيسة لهذا الجيش تمثلت في "حماية العراق من أي تهديدات داخلية وخارجية".
وأكدت إحدى الوثائق التي عثر عليها الأميركيون أن جيش فدائيي صدام إرتكب خلال عشر سنوات من تأسيسه "إبادات جماعية ضد المخربين في محافظة المثنى"، إضافة إلى إطلاق "حملة لاعتقال سارقي السيارات في الأنبار" و"مراقبة زائري العتبات المقدسة في كربلاء" و"التخطيط لتفجير عربات المساعدات الانسانية في اربيل حيث كانت الاستخبارات العراقية تشك بأن القائمين عليها من الاستخبارات الغربية".
وتؤكد إحدى الوثائق، التي يعود تاريخها إلى أيار(مايو) 1999، أن مهمة الفدائيين كانت ارتكاب أعمال تخريبية في دول أوروبا، ولكن عدي صدام حسين هو الذي كان يقف وراءها وليس والده الذي كان يعرف حجم الخطر المرافق لمثل هذه الخطوة. وتكشف إحدى الوثائق أن عدي صدام حسين أمر فدائيي صدام الإعداد "لعمليات خاصة، ضمنها اغتيالات وتفخيخ لمراكز واماكن تعتبر بمثابة الرموز في لندن وايران ومناطق الحكم الذاتي في كردستان استعدادًا للإحتفال بثورة 17 تموز (يوليو) المجيدة".
كذلك تبين وثائق أخرى أن فدائيي صدام تدربوا على عمليات انتحارية في الغرب وكان الامر على وشك الانتهاء منه قبل بدء غزو القوات الأميركية للعراق.
وكان جيش فدائيي صدام يوفر لأعضائه أموالاً كثيرة مقابل المهمات الناجحة، وفوائد على مستوى الدراسة من حيث منح الأعضاء في الجيش درجات إضافية، اضافة الى معاملات طبية عسكرية مع أي حالة اصابة وتعويضات كبيرة في حالة وفاة المتطوع في الجيش إضافة إلى قطعة أرض مجانية.
وتمتع الكثير من أعضاء هذا الجيش بالمزايا الاقتصادية للدولة، التي شهدت خلال وجود عدي صدام حسين اقتصادًا موازيًا داخل اقتصاد الدولة. وكشف بعض التقارير أن هذا الجيش استفاد من عائدات العام 2001 من تهريب أسلحة إلى المملكة العربية السعودية، وكانت هذه الأسلحة تستخدم في عمليات التسليب في المملكة.
في المقابل، كان يعاقب من لا يؤدي المهام الموكلة إليه بقطع اليد أو الأذن وكذلك الجلد والمضايقة الجنسية، كما كان العقاب بقطع اللسان في حال الكذب، والرجم في حالات أخرى. ولم يمض وقت طويل حتى تم احتساب الفشل العسكري كعمل إجرامي لا يخضع للقوانين العسكرية.
في العام 1998، أصدرت سكريتارية جيش الفدائيين توصيات تحت عنوان "التعليمات الخاصة بإصدار أحكام الإعدام بحق مختلف قادة الفدائيين" وتقتضي التعليمات الواردة فيها بـ:
أولاً- إعدام كل قائد فرقة في حال انهزمت فرقته.
ثانيًا- إعدام كل قائد فصيلة في حال خسرت فصيلته.
ثالثًا- إعدام كل قائد مسؤول عن قطع السلاح في حال فقد اثنين من القطع.
رابعًا- إعدام قائد المنطقة في حال انهزمت اثنتان من الفصائل التي يشرف عليها.
خامسًا- إعدام كل فدائي أو قائد للفدائيين في حال تردد في تنفيذ واجباته، أو تعاون مع العدو، أو سلم أسلحته للعدو، أو زود الأعداء بمعلومات حول الأمن الوطني.
وتبين هذه التعليمات الصارمة أسباب القوة التي يتمتع بها هذا الجيش، والتي يفرض من خلالها الأوامر على أعضائه. وإن عدنا الى حرب العام 2003، كان يظهر واضحًا تأثير فدائيي صدام في القتال قرب السماوة والنجف وكربلاء، كما لعبوا دورا في حماية بغداد الى حد جعل القادة العراقيين يظنون ان الفدائيين هم الذين سيحمونهم من السقوط بأيدي الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن الواقع كان غير ذلك، ففدائيو صدام لم يكونوا مستعدين للحرب لأنهم مجهزون لخوض حروب داخلية فقط، وقد سقط منهم آلاف العشرات في مواجهات مع القوات الأميركية أثناء تقدمها باتجاه بغداد.
أظهرت التجربة أن صدام حسين لم يثق بأحد إلا بنفسه. ومع الوقت، كان يجمع السلطات بين يديه، ولم يكن بإمكان أي شخص عمل أي شيء على الأرض العراقية من دون الرجوع إليه. ويقول أحد المقربين من صدام في تصريحات للجنة التحقيق الأميركية حول الحرب: "كانت شروط الرئيس العراقي لتعيين أي مساعد له مهما كان صغيرًا، هو أن يكون نصف متعلم أو غير متعلم أو غير موهوب، كما أن هناك شرطًا وهو ألا يكون خطرًا على النظام العراقي وكانت هذه الشروط الأساسية لتعيين المقربين من الرئيس العراقي وليس الوزراء".