أصداء

العراق و عش الدبابير 5

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

5/7


الدستور:

كانت الانتخابات التشريعية، التي أُجريت في العراق في الثلاثين من كانون الثاني الماضي، بمثابة حد فاصل في تاريخ البلاد. ومع ذلك فالديمقراطية تتطلب أكثر من مجرد عملية التصويت. إذ إنها تتعلق بتوزيع السلطة السياسية عبر المؤسسات والقوانين التي تضمن الحكم المسؤول. ولكن الصراع الحقيقي على السلطة كان حول صياغة دستور العراق الدائم.

دعي العراقيون إلى استفتاء عام للتصويت على مسودة الدستور التي خرجت بعد مخاض عسير. وكان يمكن لهذه المسودة أن تخرج بصورة شيعية-كوردية بنسبة تزيد عن 95 %، وذلك بحسب التمثيل البرلماني في الجمعية الوطنية، لكن العقلاء استدركوا الأمر و قرروا دعوة ممثلين من السنة للمشاركة في لجنة صياغة الدستور، أو لجنة ال 55.

كما ذكرنا سابقاً، الغالبية تسيطر على الأقلية وتفرض ما تريد و خاصة إذا تم ذلك بحسب اللعبة الديمقراطية، وهكذا كان الأمر في صياغة الدستور، حيث بدأ الأكراد بالمطالبة بالفيدرالية وهم في قرارة أنفسهم يريدون الإنفصال و الإستقلال، فاتفق معهم الشيعة لأن هذا النموذج لا يؤثر عليهم بل ويخدمهم. هذا النموذج من الفدرالية لو تم تطبيقه بشكل صحيح قد يخدم العراق بشكل عام، إذ أن هناك نص فيه يقضي بإمكانية منع الإنفصال عن الوطن الأم إذا ما صوت ثلثي ناخبي ثلاث محافظات ضده، ويعتبر هذا صمام أمان، إذ لا يمكن لأي إقليم أن ينفصل عن الوطن إذا ما عارض ذلك ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات أخرى. وهذه الإمكانية موجودة لدى السنة الذين يمكن أن يصوتوا ضد أي انفصال لو اتفقوا في ثلاث محافظات على الأقل، مثل الأنبار و ديالى و صلاح الدين و نينوى وغيرها.

وكان من الضروري على الجميع التنازل من أجل الوصول إلى حل وسط يرضي كافة الأطراف. فمثلاً كان على العرب الشيعة التخلي عن مطالبهم بأن تكون الشريعة الإسلامية هي الأساس الوحيد للتشريع، و أن يتقبل السنة العرب أنهم ما عادوا يسيطرون على مؤسسات العراق وينبغي على الكورد العراقيين التخلي عن حلمهم بتحقيق الاستقلال والسيطرة المطلقة على النفط في كركوك وينبغي على التركمان العراقيين والكلدو- آشوريين إدراك أنهم يعيشون في دولة عراقية فيدرالية يشكل العرب والكورد الأغلبية فيها.
لكن مرة أخرى، بدأت أصوات المعارضة لهذا الدستور من جانب السنة العرب، يقودها بعض من أنصار النظام السابق، ممن ذكرناهم سابقاً، والذين لا ندري كيف استطاعوا الوصول إلى هذا الموقع و الدخول في لجنة صياغة الدستور، بل نتسائل من نصبهم ممثلين للشعب و السنة العرب. بدأ هؤلاء بحشد طاقاتهم و إمكانياتهم لعدم التصويت على مسودته او التصويت ضده، فقط بسبب كلمة الفيدرالية، وهم غير فاهمون لهذه الفكرة أبدا، متنسين أن غالبية دول العالم تعيش في نظام فيدرالي. وهذا خطأ آخر يقعون فيه بعد مقاطعتهم للإنتخابات الأولى، وهم يعلمون بأنه ستتم المصادقة على مسودة الدستور بتصويتهم أو بدونه. ولكن يبدو أنهم يتناسون أن الدستور نص تضعه الجمعية الوطنية وأنه يمكن تعديله من قبل الأغلبية، فالهدف القادم لهم يجب أن يكون الوصول إلى البرلمان و حشد الأصوات للحصول على تمثيل أقوى و أوسع في هذا المجلس للتمكن من التأثير على القرارات القادمة، فالدخول كقوة مؤثرة يكون عبر صناديق الإقتراع وليس خارج هذه الصناديق. وهذا للأسف تناساه زعماء معارضة و مقاطعة الإنتخابات و الإعتراض على أي تصويت أو استفتاء، ممن يقودون البلاد إلى التهلكة.

لا تخلو مسودة الدستور من بعض الأخطاء، لكن بعضها مشروع فهذه هي التجربة الأولى للعراقيين في سن مسودة دستور بهذا الشكل في العصر الحديث. فكان هناك مثلاً جدال طويل لم ينتهي بعد حول حزب البعث و نظام صدام حسين، و طال الجدل و النقاش إلى أن دخل في فراغ. لكن الحقيقة أن مثل هذه المواضيع لا تدخل في نص دستور يوضع للبلاد، فأنت تتحدث عن حزب معين و تسميه لتمنع ظهوره من جديد، ونسي من فرضوا هذا البند أنه يمكن لأي شخص (بعثي سابق أو باسم البعث السابق) أن يشكل حزبا جديداً و تحت أي تسمية بينما يضم في عضويته بقايا العهد البائد ليظهر من جديد. لذا فرض بند يحظر حزب البعث ما كان يجب إدراجه في الدستور، لكن كان يمكن إدراج بند يمنع تشكيل أو تأسيس أو ترخيص أي حزب سياسي يتبنى أفكاراً دكتاتورية سلطوية دموية و فئوية، بكل بساطة.
على كل حال، فقد سارت عملية التصويت على الدستور بشكل جيد و سلمي دون أي تعكير، وبقي الآن على العراقيين أن يستعدوا للمرحلة القادمة وهي الأهم، ألا وهي الإنتخابات التالية في كانون الأول القادم. فيما بعد، سنرى كيفية تقسيم الدوائر الإنتخابية في العراق و اختلافها عن الإنتخابات السابقة، و إمكانية تشكيل تحالفات جديدة ستغير المشهد السياسي في البلاد.
إن العراقيين يواجهون قرارات صعبة جداً بشأن مستقبلهم. إذ إن التنازلات ممكنة فقط عندما يقر العراقيون بأن الدستور الدائم سوف يصون اهتماماتهم الأساسية.

أما بالنسبة للفيدرالية، فهي من أنسب الحلول لمعالجة مشاكل العراق و تعقيدات مكوناته. وبالإستناد إلى المعايير الجغرافية لا العرقية وبغية تعزيز الشعور بين العراقيين بأنهم يديرون شؤونهم الخاصة بأنفسهم فإنه ينبغي تقسيم العراق إلى خمس أو ست حكومات فيدرالية تكون بغداد إحداها. مع وجود حكومة مركزية تدير شؤون الدولة العسكرية و الأمنية و العلاقات الخارجية و المالية الرئيسية، وينبغي أن تتألف كـل حكومة عراقية فيدرالية مما لا يقل عـن ثلاث محافظات.

وكما ذكرنا سابقاً، فإن أي انسحاب مفاجئ للقوات الأمريكية (أو القوات متعددة الجنسيات، من شأنه إثارة الصراع بين العراقيين وإشعال فتيل صراع إقليمي أوسع. كما أن الإخفاق والتراجع في العراق سيشجع الراديكاليين والمتطرفين في مختلف أرجاء العالمين العربي الإسلامي.

إن وجود قوات الائتلاف والقوات الأمريكية في العراق ضروري حتى يتم تبني دستور دائم. وبما أن القوات العراقية، بكافة وحداتها، تفتقر حالياً إلى القدرات على مكافحة التمرد، فإن الوجود المستمر للقوات الأمريكية هو الذي يستطيع وحده ضمان مضي العملية السياسية قدماً ضمن سلامة نسبية. وعندما يتم تبني الدستور وعودة السيادة الكاملة للعراقيين.

الجيش و الحرس الوطني و قوات الشرطة:

تم تشكيل عدة ألوية من الجيش العراقي و الحرس الوطني و قوات الشرطة، وحصلت هذه القوات على تدريبات مختلفة داخل وخارج العراق. لكن تبقى نقطة ضعف هذه القوات أنه تم تشكيلها بطريقة انتقائية مما جعلها تعتمد على الشكل وليس النوع، رغم أن بعض هذه القوات حصلت على تدريبات قتالية وشاركت في بعض العمليات القتالية و الهجومية و الدفاعية.

ونظراً لطريقة التجنيد الإنتقائية، فقد تعرضت هذه القوات و حتى المرشحون للتجنيد و المتطوعون، تعرضوا باستمرار لهجمات إرهابية راح ضحيتها المئات من المواطنين و المتطوعين و المجندين، حيث كنا دوماً نسمع عن تعرض هجمات انتحارية لطوابير المتطوعين سواء كانوا للشرطة أو الحرس الوطني أو الجيش والتي حصدت المئات من الضحايا.

وقبل أسابيع قليلة، استدعي قادة الجيش الأمريكي، وعلى رأسهم الوزير دونالد رمسفيلد، إلى لجنة تحقق (وليس تحقيق) في الكونجرس الأمريكي، حيث طرح الجنرال أبي زيد و الجنرال كيسي رؤيتهم في مستقبل الجيش العراقي و استفسر أعضاء الكونجرس عن أعداد ألوية هذا الجيش الذين أكملوا تدريباتهم وأصبحوا على جاهزية عالية للقتال و الدفاع عن البلاد. عندها اختلفت أجوبتهم فمنهم من قال أنه لواء بينما تساءل رئيس اللجنة كيف أنه قبل عام تم إبلاغه بأن ثلاثة ألوية على الأقل أصبحت جاهزة.

المهم كان القصد من كل هذه الإستفسارات و التفسير بيان إمكانية انسحاب القوات الأمريكية وتسليم زمام الأمور للقوات العراقية. لكن الرئيس جورج بوش حسم هذا الأمر و خرج علينا ليقول أن الجيش الأمريكي أنهى تدريب ستة ألوية من الجيش العراقي كاملة التجهيز، لكن الإنسحاب من العراق الآن هو أمر غير مطروح.

ثم هناك قوات الحرس الوطني الذين أصبحوا قواتاً مرعبة يخشاهم المواطنون، فهذه القوات و من خلال ضرورة محاربتهم للجريمة و الإرهاب، لم يعودوا يفرقوا بين الصالح و الطالح، كما أن الإرهابيين الذين أخذوا باستخدام طرق غير عادية في عملياتهم الإرهابية لم يدعوا مجالاً للتسامح، فقد استخدموا سيارات شرطة وسيارات إسعاف و سيارات خاصة و سيارات شحن أو نقل أو حتى دراجات نارية، كما أنهم لم يفرقوا بين مكان للعبادة أو مستشفى أو سوق أو مدرسة أو سكن، لذا اضطر رضال الأمن و الحرس الوطني إلى فرض رعبهم و رهبتهم و تخويفهم على المواطنين الذين أصبحوا يكنون لهم بشعور الكراهية، و يستذكرون الأجهزة الأمنية للنظام السابق. بالإضافة إلى شعور المواطنين، بشكل عام، بأن تشكيل هذه القوات يتم بطريقة طائفية.

تبقى مشكلة قوات الشرطة فهي ضعيفة جداً و ينخرها الفساد حيث تسيطر قوى الجريمة و السرقة و النهب على شوارع المدن الرئيسية وخاصة العاصمة بغداد.
هذا الفساد طال حتى التجنيد في صفوف الشرطة، حيث يشكو المواطنون بأنهم مضطرون لدفع رشاوى من أجل ضمان قبول طلبات التجنيد، وهذا ما سهل اختراق الشرطة من قبل الجهات المعارضة و الإرهابية، و نسمع يومياً كيف أنه أصبح من السهل مهاجمة مراكز وتجمعات الشرطة من قبل الإرهابيين حتى تجاوز ذلك إلى إمكانية توفير زي الشرطة و أسلحتهم وحتى سياراتهم (مقابل المال) لأي مجموعة مسلحة تخطط للقيام بأي عملية، سواء كانت إرهابية أو سرقة ونهب أو خطف، إلخ، و الأخبار مليئة بمثل هذه القصص رغم أنها لا تنقل جزءاً يسيراً من حقيقة ما يحدث.

ولو عدنا إلى تشكيلة الجيش العراقي و الحرس الوطني لوجدنا أن أفضل هذه القوات تدريباً و تنظيماً
هي تلك التي تم دمجها مما كان سابقاً يعرف بإسم: قوات بدر و البيشمركه، وهذه كما نعرف هي الميليشيات الشيعية و الكردية.


نهاية الجزء الخامس و يتبعه في الحلقة القادمة "الإنتخابات التشريعية القادمة و سيناريو محتمل لانسحاب القوات الأمريكية".

الحلقة الرابعة


أكثم التل
كاتب و صحفي أردني مستقل
Akthameltall@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف