ثقافات

دور المثقفين العراقيين في بناء المجتمع المدني (2 من 6)

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
للكاتب البريطاني: إيريك ديفيس

العراق 1945- 1958: ازدهار ثقافي ونضج سياسي وانفتاح اجتماعي ترجمة حسين كركوش: إن النتاج الثقافي خلال فترة ما بعد الحرب الثانية، يجب أن ينظر إليه باعتباره جزء تكميليا للتطور السياسي. والسبب وراء ذلك هو، أن ذاك النتاج أهتم في تقديم فهم واسع لمحتوى التغيير واتجاه سيرورته، خصوصا فيما يتعلق بموضوعة بناء المجتمع المدني، أكثر من انشغاله بالمطالب السياسية اليومية الآنية. لقد اتسم معظم النتاج الثقافي في تلك الفترة بالترويج لمجتمع وثقافة عراقيتينتتسمان بمزيد من الرؤية الكوسموبوليتية والانفتاح. وتبعا لذلك فأن النتاج الثقافي الذي شهدته تلك الفترة، كان قد فتح أفاقا سياسية واجتماعية، أقله على المستوى النظري الذهني، أمام العديد من الجماعات التي كانت مهمشة داخل المجتمع العراقي، مثل النساء والعمال والفلاحين والمثقفين الراديكاليين (8). وحتى إذا كانت المساهمات الثقافية خلال فترة ما بعد الحرب الثانية لم تقد إلى تغير سياسي فوري، إلا أنها، مع ذلك، تركت وراءها أرثا استلهاميا، أو أنها صاغت ذاكرة تاريخية، أصبح بمقدور القوى العراقية ذات التوجه الديمقراطي، الاعتماد عليها مستقبلا.

ورغم أن تسمية "التقليديين" كانت تعني العروبيين الوحدويين، مثلما كانت تسمية "حداثويين" رديفا للوطنيين العراقيين، إلا أن هذا الأمر لم يكن كذلك على طول الخط. فضمن الوطنيين العراقيين أنفسهم كان بإمكاننا أن نجد، في حقل الشعر، مثلا، انقساما بين التجديديين مثل بدر شاكر السياب (في سنواته الأولى عندما كان شيوعيا)، وبين التقليديين، مثل محمد مهدي الجواهري (هو شاعر كلاسيكي بالرغم من وجود النزعة الشعبوية في شعره). وبينما نجد أن بعض الحداثويين التجديديين، مثل نازك الملائكة، كانوا وحوديين عروبويين، فأن بعضهم الأخر، مثل بدر شاكر السياب، كانوا قد غيروا مواقعهم، فأصبحوا مؤيدين لقضايا الوحدة العربية، بعد أن كانوا يتبنون الموقف الوطني العراقي اليساري. وعلى أي حال، فرغم أن غالبية المثقفين كانوا يبدون اهتماما عميقا بالقضية الفلسطينية وبقضايا السيطرة الاستعمارية في الشرق الأوسط، فأن قلة قليلة منهم كانوا متمسكين برؤيا عرقية خالصة للوحدة العربية، على غرار تلك الرؤيا التي صاغها صلاح الدين الصباغ في كتابه (فرسان العروبة في العراق).

إن الاهتمام الذي نجده عند المثقفين العراقيين خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بقضايا التجريب، والذي كان نابعا من قناعة أولائك المثقفين في عجز الأشكال الثقافية التقليدية عن مساعدتهم في فهم وتفسير المجتمع العراقي المعاصر، قادهم إلى استكشاف عدد هائل من الرموز التاريخية، وإلى مزيد من المحاولات التجريبية.
ورغم أن الذاكرة التاريخية المستمدة من الإرث العراقي العربي- الإسلامي، خصوصا الفترتين، الجاهلية والعباسية، هي ذاكرة غنية وهائلة، إلا أن المثقفين لجأوا، أيضا، للاستعانة برموز من الحضارات العراقية القديمة، أي تلك التي سبقت الإسلام. وقد استعان أولائك المثقفون، أيضا، بمؤلفين أجانب، مثل ت. س. أليوت، لمساعدتهم في فهم المعالجة الغربية لقضية العلاقة بين التقليد والتجديد (9). ومع انتشار الشيوعية في العراق، دخلت إلى الخطاب الثقافي، أيضا، رموز خاصة بالعدالة الاجتماعية، وبأنصاف الفلاحين، والعمال، والنساء. لقد كان القبول بفكرة الوحدة العربية بشكلها الضيق، الذي نجده عند ساطع الحصري ويونس السبعاوي وصلاح الدين الصباغ، من شأنه تضييق محاولات التجريب لإيجاد أشكال ثقافية جديدة، وهي محاولات كانت محل متابعة نهمة من قبل المثقفين.

المثقفون العراقيون أرسوا لثقافة الحوار والتسامح والانفتاح
ورغم أن الصراعين، لأول والثاني اللذين سبقت الإشارة لهما، ركزا بطريقة ضيقة على العلاقات بين الدولة والمجتمع، فأن الصراع الثالث يسمح لنا باستكشاف أوسع للتطورات داخل المجتمع المدني. والملاحظ هنا إن معظم الدراسات التي عالجت فترة ما بعد الحرب الثانية، ركزت اهتمامها بالصراعين الأول والثاني، وتم تصوير تلك الصراعات، من قبل معظم الدارسين لتلك الفترة، باعتبارها جزء من عملية تدهور وخراب. ورغم كل ما يقال، فأن أي دراسة للنتاج الثقافي خلال فترة ما بعد الحرب، بما في ذلك المؤلفات التي أنجزت حول التاريخ والسياسة، تكشف لنا عن حياة ثقافية فوارة، كان هاجسها إيجاد بدائل للسياسة السلطوية التي سادت الحياة السياسية العراقية. ولحسن الحظ، فأن هذا النشاط الثقافي استطاع أن يؤسس ذاكرة تاريخية، بمقدور المثقفين العراقيين العودة إليها، باعتبارها مصدر إلهام لأي عملية تحول ديمقراطي في البلد.

إن اللبنات الأولى التي تم وضعها لبناء مجتمع عراقي مدني وليد ومنفتح، حملت في أحشائها ايدولوجيا مضادة للهيمنة وتتسم بمناهضة الدولة. وفي ما يخص المثقفين، وكانوا في غالبيتهم ينتمون إلى اليسار، فأنهم دافعوا عن مصالح فقراء المدن والأرياف. وفي هذا المجال لعبت صحيفة (صوت الأهالي) الناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي، دورا رئيسيا. إن الروابط الجديدة، ومهما كانت درجة ضعفها، التي تطورت بعد عام 1945 بين العمال وبين العناصر الإصلاحية المنتمية إلى الطبقة الاجتماعية الوسطى وإلى الشرائح العليا داخل هذه الطبقة، والتي كانت تناضل ضد الظلم الاجتماعي، أقول أن تلك الروابط حملت في داخلها البذرات الأيديولوجية والمؤسساتية لقيام نظام اجتماعي ديمقراطي وذي عقلية إصلاحية.

وهنا نود الإشارة إلى حقيقة جديرة أن نتوقف عندها وهي، أنه خلال فترة الخمسينيات، كان القادة الطلائعيون في الحركة القومية العربية، وداخل أحزاب الاستقلال والبعث، هم من الشيعة. وهذا يعني، أن ما يقال عن الثنائية القائلة بأن الوحدة العربية تساوي السنة، والوطنية العراقوية تساوي الشيعة، وهي مقولة انتشرت كثيرا في خطاب وسياسة حكم البعث، لا تتطابق مع ما موجود من معرفة شائعة للسياسة العراقية. إما عملية إعطاء طابع مؤسساتي للطائفية، فأنها لم تتعمق ولم يتم تسريعها إلا بعد حدوث انقلاب شباط عام 1963 والقضاء على ثورة 14 تموز 1958.

أسباب أخرى لزيادة العنف
هناك عدة عوامل تكمن وراء ما استجد من عنف بين الدولة وبين الحركة الوطنية خلال نهاية فترة الأربعينيات وفترة الخمسينيات. فقد خلقت الهجرة المتدفقة لسكان الريف نحو المدن، مجاميع متذمرة واسعة، كانت تتألف من العمال العاطلين عن العمل أو شبه العاطلين. إما داخل أوساط العمال الدائمين، خصوصا أولائك الذين كانوا يعملون في صناعة النفط، الناشئة وقتذاك، فأن الروح النضالية كانت تشهد تزايدا، استجابة، بشكل خاص، لعمليات التحريض التي كان يقوم بها الحزب الشيوعي العراقي. وفيما يخص الأمور المعيشية، فأن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية في العراق، شهدت أعلى معدلات للتضخم، وهو أمر أثر، سلبيا، على أجور العاملين من أفراد الطبقة الوسطى، والحرفيين، والعمال. وعلى مستوى موظفي الدولة، فأن مرتباتهم كانت متدنية، وكانت مواقعهم الوظيفية عرضة للاهتزاز، بسبب قلة الرواتب، وكذلك بسبب عمليات الطرد لأسباب سياسية، والتي كانت تترافق مع كل تغيير حكومي. ولهذه الضغوط الاقتصادية، بالإمكان إضافة عامل أخر هو، النقص الحاد في الخدمات السكنية، بسبب زيادة عدد السكان الحضر.

إن تخفيف القيود السياسية عن الشيوعيين العراقيين خلال الحرب العالمية الثانية، والهبة الليبرالية القصيرة التي شهدتها الحياة السياسة والاجتماعية، مباشرة بعد انتهاء الحرب، في عهد حكومة توفيق السويدي، ساهمت كلها في خلق أمال بأن فترة ما بعد الحرب ستشهد تحقيق إصلاحات اجتماعية. ولكن، حالما رحلت حكومة السويدي، وحلت محلها حكومة أرشد العمري التي اقترن وجودها بممارسة قمع شديد، فأن تلك الآمال الوليدة سرعان ما تبخرت، وأصبح العديد من الوطنيين على قناعة بأن أي تغيير حقيقي لا يمكنه أن يحدث إلا عن طريق التظاهرات وممارسة العنف.

صالح جبر يحذر الوصي
هناك حدثان حصلا عام 1948 وساهما في تفاقم العداء بين الدولة وبين الحركة الوطنية. الحدث الأول هو، محاولة الحكومة العراقية التي كان يرأسها صالح جبر، لإعادة التفاوض، في مدينة بورتسموث الانكليزية، حول معاهدة 1930 بين العراق وانكلترا. فحالما سرت أنباء حول تلك المفاوضات وفهم الناس أن الوجود الانكليزي في العراق سيستمر، فأن العنف سرعان ما اندلع. وعلى أثر ذلك، اندلعت تظاهرات ضخمة في بغداد ومدن عراقية أخرى، وحدثت معارك شوارع بين المتظاهرين وقوات البوليس. وقد قتل جراء تلك المعارك عدد من المتظاهرين. و ساهم هذا الحدث، الذي أطلق عليه تسمية "الوثبة"، أكثر من أي حدث أخر، في زيادة سخط الحركة الوطنية ضد النظام الملكي. وساهمت الوثبة في تقوية الحزب الشيوعي العراقي، الذي وظف المشاعر الوطنية وقمع البوليس، لضم المزيد من الكوادر الجدد إلى صفوفه. ورغم الجهود التي بذلها بعض العروبويين الوحوديين، بهدف ثني أعضاء حزب الاستقلال عن التظاهر، وحثهم على الانسحاب من الشوارع، حيث كان يتواجد الشيوعيون واليساريون، فأن جميع التيارات الايدولوجية داخل الحركة الوطنية، أبدت تضامنا سياسيا، كان بمثابة العلامة البارزة لتلك الانتفاضة.(10)
إن ما تحقق خلال الوثبة لم ينته مع العنف الذي حدث في كانون الثاني من عام 1948، وإنما استمر مع سلسة الإضرابات النضالية اللاحقة. وقد تجسدت تلك الروح النضالية، بشكل واضح، في الإضرابات التي نفذها عمال النفط،، وكذلك أصحاب الأجور العالية من العمال. وطبقا لملاحظات مصادر بريطانية، فأن تلك الإضرابات كانت ذات طبيعة سياسية، وكان الحزب الشيوعي هو ملهمها، إن لم يكن هو الذي كان ينظمها.(11) وإزاء عدم توقف الاحتجاجات العمالية، اضطرت الحكومة إلى إعلان الأحكام العرفية. وقد ساعد النظام العرفي، الذي استمر حتى فصل الصيف، الحكومة، ليس على قمع الشيوعيين، والعمال، والوطنيين، وإنما، أيضا، ساعدها على إثارة المشاعر العدائية ضد الجالية اليهودية، مستفيدة من الأوضاع المضطربة في فلسطين، ومحاولة منها لحرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية الداخلية.

إنه لأمر مفيد أن نتوقف مليا عند الملاحظات التي أبدتها النخبة السياسية الحاكمة، بشأن الاتفاقية المقترحة (بورتسموث)، باعتبارها مقياسا للتغيرات في القوة السياسية، التي حدثت داخل العراق وفي عموم المنطقة خلال الفترة 1930 - 1948. فقد بينت مراسلات بين الوصي على العرش عبد الآلة وبين صالح جبر، بأنه في الوقت الذي كان فيه الوصي على العرش يريد تمديد معاهدة 1930 العراقية الإنكليزية، مع بقائها، إلى حد كبير، في شكلها السابق، فأن صالح جبر كان يحذر الوصي بأن الظروف السياسية قد تغيرت، وتبعا لذلك فأن المعاهدة الجديدة يجب أن تتطابق مع معاهدات مشابهة لها عقدتها الدول العربية المجاورة للعراق، مع بريطانيا (12). لكن، الوصي على العرش، الذي كان ما يزال يشعر بامتنان للبريطانيين لأنهم أعادوه إلى الحكم عام 1941، كان متحمسا لإرضاء أسياده الاستعماريين. ورغم أن صالح جبر كان، هو أيضا، مؤيدا للبريطانيين، إلا أنه كان أكثر حساسية للواقع السياسي، ولهذا فأنه هدد بتقديم استقالته كرئيس للوزراء، في حال عدم تمكن العراق من السيطرة على القاعدتين الجويتين الإستراتيجيتين اللتين يستخدمهما سلاح الجو البريطاني وهما، قاعدة الحبانية وقاعدة الشعيبة(13). إن تلك المراسلات بين الوصي على العرش وبين صالح جبر، تعتبر مؤشرا إلى مدى القوة التي وصلت إليها القوى الوطنية، والحركات القومية العربية الوحدوية، في عام 1948. فمنذ ذاك الحين، أصبحت النخب السياسية الحاكمة على قناعة بأنه ليس بمقدورها بعد الآن أن تقدم على إبرام اتفاقيات مع القوى الغربية، دون أن تخشى عاقبة ما يحدث (14). فالمشاعر المتزايدة لدى أفراد الطبقات الوسطى المسيسين، والعمال، أصبحت من الأهمية، إلى حد أن النخب الحاكمة لم تعد تتجاهلها، في كل تصرف تقوم به.

إن اضطرار الحكومة للمناورة قبل الإقدام على أبرام اتفاقية بورتسموث، يلقي ضوءا مهما على الأهمية التي وصلت إليها الطبقة السياسية العراقية، وقوة اللحمة التي تربطها بالحركة الوطنية الأوسع. وعندما اصطحب نوري سعيد معه، إلى لندن، طيفا متنوعا من السياسيين العراقيين، لمناقشة بنود المعاهدة خلال صيف 1947، فأن تفاصيل تلك المعاهدة كانت، في الواقع، قد تمت مناقشتها بين البريطانيين، والوصي على العرش، وصالح جبر، ونوري سعيد (15). ومع ذلك، فعندما يجد نوري سعيد نفسه مضطرا إلى إشراك هذا الطيف الواسع من رجالات الطبقة السياسية العراقية لإشراكهم في التصديق على المعاهدة، فأن ذلك يعتبر مؤشرا أخرا إلى أن قادة الدولة بدأوا يدركون بأنهم بحاجة إلى دعم اجتماعي واسع لكل ما يفعلونه، خصوصا إذا تعلق الأمر مع البريطانيين. وبمعنى أخر، فأن دعوة وفد واسع للحضور إلى لندن، كانت، من جهة، اعترافا ضمنيا بأن الطبقة السياسية لم تعد تسير بعد الآن بتوافق تام مع نوري سعيد والنظام الملكي، ومن جهة أخرى، فأن تلك الدعوة كانت بمثابة اعتراف بقوة الحركة الوطنية. وقد أظهرت التساؤلات المكثفة التي طرحها أعضاء الوفد على نوري سعيد وعبد ألإله بشأن تلك المعاهدة، بأن الطبقة السياسية بدأت تتوجس الريب بجميع الأمور، حتى ما يعتبر منها من المسلمات، التي يقدم عليها النظام السياسي التقليدي، حتى لو كان هذا التوجس يتم الإعلان عنه تحت قبة البرلمان. بالإضافة لهذا، فأن تلك التساؤلات أظهرت أن النخبة الحاكمة بدأت تفقد تماسكها وثقتها بنفسها، ممهدة الطريق إلى الإطاحة بها عام 1958 (16).

وثبة كانون مهدت الطريق لثورة تموز
إن لوثبة 1948 أهمية قصوى لو نظرنا إليها بنظرة أخرى غير تلك التي تحدثنا عنها توا. فرغم أن العروبويين الوحدوويين في العراق يرجعون جذور ثورة 14 تموز 1958 إلى حركة 1941، وإلى الهزيمة الفلسطينية عام 1948، إلا أن الحقيقة هي أن وثبة كانون هي التي كانت وراء ظهور حركة الضباط الأحرار العراقيين( عرفت حركة الضباط الأحرار العراقيين قبل قيام الثورة المصرية عام 1952)،(17) والوثبة هي التي حفزت الضباط للإطاحة بالحكم الملكي (18). لقد كان صالح جبر قد عاد من بريطانيا إلى العراق في كانون الثاني عام 1948، بعد أن أحيط علما بالمعارضة الجادة التي واجهتها المفاوضات حول معاهدة بورتسموث، ليشرح أهداف المعاهدة، وليصادق عليها البرلمان العراقي. ولكن، جهود صالح جبر هذه، لم تفض إلى شيء سوى زيادة حجم التظاهرات الوطنية، ضد المعاهدة، وازدياد وتيرة العنف الذي بدأ يطبع تلك التظاهرات، مما أجبر صالح جبر على الاستقالة والهرب من بغداد. وهكذا، فإن النجاح المتمثل في إسقاط حكومة عراقية لأول مرة، لم يكن، فقط، حافزا مشجعا للحركة الوطنية، وإنما قدم للضباط الوطنيين داخل الجيش، دليلا ملموسا على قدرتهم على التخلص من الحكم الملكي المكروه. فإذا كان المواطنون العزل من السلاح قادرين، من خلال التظاهرات، أن يتسببوا في إسقاط حكومة، فأن ذلك يعني أن الجيش بمقدوره أن يتدخل لأحداث تغيير سياسي.

إن فشل الحملة التي قادها الجيش في فلسطين ضد القوى الصهيونية، في ربيع وصيف 1948، التي تمت عقب الوثبة، أدى إلى تعميق مشاعر الكراهية إزاء الدولة العراقية. والأستناج القائل أن هزيمة العرب في فلسطين، ما كانت لتحدث لولا التحضير السيئ وتواطيء السياسيين العرب مع بريطانيا، ساهم في تعميق مشاعر الكراهية لدى الضباط، خصوصا في العراق ومصر (19). فقد كان الجيش العراقي يعاني من نقص في الأسلحة، وكان عليه أن يستأجر عجلات نقل خصوصية، بسبب عدم امتلاك الحكومة لمركبات كافية، لنقل القطعات والتجهيزات من العراق إلى فلسطين (20). وحالما وصلت الوحدات العراقية إلى الجبهة، فأنها سرعان ما أصبحت تحت قيادة غلوب باشا (جون غلب)، القائد البريطاني للقطعات الأردنية، والتي تعتبر أفضل الجيوش العربية تدريبا. ورغم أن الجيش العراقي حقق عدد من النجاحات ضد القوى الصهيونية، فأن هذا الجيش كانت تنقصه القدرة على تنفيذ حملة عسكرية، منسقة مع الجيوش العربية الأخرى. لقد كانت القوة العسكرية، بتسليحها السيئ، وافتقارها حتى لمدرعات أو ألغام، غير قادرة على مجاراة قوة الهاغانا الصهيونية، التي كانت تتمتع بتفوق تنظيمي وخطوط إمدادات قصيرة (21).

ومما زاد في ألم الجيش هو، معرفته بأن غلوب باشا كان يسعى فعلا إلى منع القوات العربية من إحراز تقدم عسكري مهم، بمواجهة الوحدات الصهيونية. وكان ضباط الجيش على حق فيما يقولون. فقد كشفت الوثائق المنشورة حديثا عن وجود تواطئ بين الملك عبد الله والقادة الصهاينة، باتجاه تقسيم فلسطين (22). إن تلك الحملة العسكرية الكارثية، ما كانت فقط إضافة جديدة ساهمت في زيادة تذمر الجيش، نتيجة لإخفاق حركة مايس 1941، ولكنها عززت، أيضا، نظرية المؤامرة، وهي نظرية لاقت قبولا من قبل العديد من الضباط العروبويين الوحدويين، وكانت بمثابة المدمك في بناء الذاكرة التاريخية للقوى العروبوية الوحدوية في العراق.
وبسبب مساهمتها في تعميق مشاعر التعصب والانغلاق، فأن هزيمة العرب في فلسطين قوضت الجهود التي كانت تبذل آنذاك باتجاه تطوير ثقافة سياسية أكثر تعددية وأكثر انفتاحا، مثلما ساهمت تلك الهزيمة، في الوقت نفسه، في إضعاف الحركة الوطنية العراقوية، تماما في اللحظة نفسها التي كانت فيها هذه الحركة تخطو خطوات جبارة في تعبئة الرأي العام والحصول على مزيد من الدعم.

وفيما يخص الحزب الشيوعي العراقي، فأن حقيقة كونه يضم في صفوفه يهود وشيعة وأكراد، وممثلين لجميع الأقليات العراقية، جعلت من مواقفه إزاء القضايا العربية، موضع شك من قبل العروبويين الوحدويين. وقد وجد هولاء مصداقية لشكوكهم، في عدم ثبات مواقف الحزب إزاء القضية الفلسطينية. فبعدما كان الحزب قد أدان، وبوقت مبكر، الصهيونية باعتبارها حليفا للامبريالية عاد فعدل سياسته، ولو بعد تردد شديد، واستجابة للضغط السوفيتي، وطالب بدعم قرار الأمم المتحدة الصادر في نوفمبر 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية (23).

لقد رأى العديد من العرب والعراقيين بأن قيام إسرائيل هو امتداد للمصالح الأوربية الكولونيالية، وإمعان في تفتيت المجتمع العربي. وفي العراق، فأن القضية الفلسطينية تحولت إلى سلاح ملائم استخدمته الدولة ومعها القوى العروبوية الوحدوية، كحزب الاستقلال مثلا، لمهاجمة الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يضم يهودا في صفوفه، وكذلك ضد الحزب الوطني الديمقراطي الذي لم يظهر دعما فعالا إزاء مسألة الوحدة العربية. وقد بدأت المشاعر المعادية لليهود بالازدياد، عندما بدأت إجراءات نزع الجنسية عنهم، ثم أصبحت الجالية اليهودية كلها، والتي تعتبر واحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم، تعيش تحت خيمة من الشكوك. لقد أصبح اليهود العراقيون هم "العجم" الجدد، والمجسدين الجدد للحركة الشعوبية، والطابور الخامس، الذي يعمل على دعم النفوذ الاستعماري البريطاني داخل العراق. ولا يفوتنا، هنا، أن نقول إن إقدام العديد من اليهود العراقيين على تقديم طلبات للحصول على الجنسية البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى، بالإضافة إلى تراكم الثروة لدى بعض العائلات اليهودية الحضرية،قد ألب مشاعر الكراهية ضد اليهود لدن أجزاء من السكان العراقيين، وخصوصا لدى الطبقات الوسطى. ومهما يكن، فان اليهود العراقيين، ووفقا لكل المعايير الموضوعية، كانوا قد اندمجوا تماما داخل نسيج المجتمع العراقي، وكانوا يعتبرون أنفسهم مواطنين عراقيين، شأنهم شأن بقية العراقيين. وفي الواقع، فأنه منذ نهاية عقد الثلاثينيات، فأن الضغوط التي مارسها العروبيون الوحدويون، داخل البيروقراطية العراقية، أدت إلى ظهور حال من عدم ارتياح إزاء اليهود (24). ولهذا، فأن الدولة استخدمت الكراهية المضادة لليهود، باعتبار الجالية اليهودية العراقية، رديفا للتواجد البريطاني وللصهيونية، لحرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية والسياسية، والتركيز على قضايا "الأصالة" و"النقاء العرقي"، وهي أمور كانت تجد لها تشجيعا من قبل الوحدويين العروبويين.

وفي الوقت الذي شرع فيه الوطنيون العراقيون عام 1948 بتكثيف دعواتهم لتحقيق إصلاحات اجتماعية، بسبب معدلات التضخم الغير مسبوقة في البلاد (25)، فأن اهتمام السكان العراقيين، خصوصا في أوساط الطبقات الوسطى، كان يتم حرفه، باتجاه التركيز على هزيمة العرب في فلسطين، بدلا من التركيز على القضايا الاقتصادية الموجودة. وعلى سبيل المثال، ففي مدينة البصرة، وهي الميناء الجنوبي، قامت الصحافة المحلية هناك ومعها العروبويون الوحدويون الذين كانوا قد تسللوا إلى صفوف حزب الاستقلال، باتهام الجالية اليهودية هناك بالتواطيء مع الصهيونية (26). ووفقا لملاحظات سجلها القنصل البريطاني العام في البصرة في شهر أيلول عام 1948، فأن المحاكم العرفية التي تم فرضها بعد الوثبة، استخدمت القضية الفلسطينية، والتعاطف المزعوم مع الصهيونية من قبل يهود البصرة، لإصدار أحكام جائرة، بعد محاكمات مبتسرة.ومن الأحكام الأكثر جورا هو، ذاك الحكم الذي صدر بحق شفيق عدس، وهو احد التجار البارزين، ورئيس الجالية اليهودية في البصرة، بتهمة تهريب السلاح إلى فلسطين، حيث صدر ضده حكما بالإعدام من قبل محكمة عسكرية محلية، ونفذ فيه الحكم بتاريخ 23 أيلول عام 1948 (27).

وكلما كان تقسيم فلسطين يتجه ليصبح أمرا واقعا، فأن العروبويين الوحدويين كانوا ينغمرون، أكثر فأكثر، بالمشاعر المعادية لليهود، بينما كان الوطنيون العراقويون يدافعون عن اليهود العراقيين، إزاء الهجمات التي كانوا يتعرضون لها من قبل الحكومة، ومن قبل القوى العروبوية الوحدوية. وفي مدينة البصرة قالت تقارير القنصل البريطاني، أنه باستثناء صحيفة واحدة فقط، فأن الصحافة كلها بذلت محاولات لإثارة الكراهية ضد الجالية اليهودية الكبيرة. وكانت التظاهرة التي نظمها الفرع المحلي لحزب الاستقلال في البصرة في ربيع 1948، ذات نبرة معادية لليهود، بشكل واضح. وبالمقابل، فأن الحزب الوطني الديمقراطي، ذي الميل اليساري، كان يحظى بتعاطف يهود العراق. وطبقا لما أشار إليه القنصل البريطاني، فأن هتافات،مثل "يعيش ستالين" و "يعيش اليهود العراقيون" و "يسقط الوصي عبد ألآله"، كانت تسمع خلال التجمعات التي كان ينظمها الحزب الوطني الديمقراطي.
يتبع


هوامش:

8- قد يرد إلى الذهن هنا أن يقارن أحدنا بين ذاك النتاج الثقافي الذي تحقق في الخمسينيات، وبين الإنتاج الثقافي في السبعينيات والثمانينيات، لنرى كيف أن هذا الأخير كان موجها بطريقة مباشرة لخدمة الحكومة بإلحاحه على الحط من (الأخر)، وخصوصا أولاءك المنحدرين من أصول فارسية (العجم). وكلامنا هذا يصح تماما على تلك القصص القصيرة التي تم نشرها في مجلة الطليعة الأدبية التي تصدرها وزارة الثقافة، وكان التركيز يتم على الحرب الإيرانية العراقية التي أطلق عليها حزب البعث تسمية القادسية، في محاولة منه لأن تسلط الذاكرة التاريخية الضوء على هزيمة الساسانيين على أيدي القوى العربية في بلاد الرافدين.
9- DeYoung، Placing the Poet،265-67
10- Hanna Batatu، The Old Social Classes and Revolutionary Movements of Iraq (Princeton، N. J.، Princeton University Press،1978)،553
11- أشار تقرير بريطاني بتاريخ 14 مايو/ أيار 1948 بأن إضرابات عمال النفط في مضختي ك3 في مدينة حديثة و ك2 في بيجي "ليست مجرد إضرابات مطلبية بقدر ما هي فعاليات منظمة ويسودها الانضباط، وتم تخطيطها وتنفيذها بإشراف مباشر من قبل الحزب الشيوعي العراقي." وقادة الإضراب يتكونون من "متعصب" و" صهيوني شيوعي" و"مسيحيين أثنين" و"مسلم". FO 371/68479
12- محمد شبيب، الوثبة في العراق وسقوط صالح جبر (بغداد، دار الثقافة، 1988)،17.
13- نفس المصدر، الصفحات 13، 18-19.
14- حتى في عام 1924 فأن مجموعة من الوطنيين قاموا بالتظاهر خارج البرلمان العراقي ضد القانون الذي تم تشريعه بإيحاء بريطاني، والخاص ببرلمان عراقي جديد ونظام للتصويت.
15- رغم أن صالح جبر قاد الوفد المفاوض بصفته رئيسا للحكومة، إلا أنه كان مصحوبا من قبل نوري السعيد وفاضل الجمالي.
16- للإطلاع على محتوى هذه النقاشات راجع: شبيب، الوثبة في العراق،29-43.
17- كان الاسم العربي للتنظيم هو "الضباط الوطنيين". أنظر: خليل إبراهيم حسن، عبد الكريم قاسم: اللغز المحير، الجزء السادس من موسوعة ثورة 14 تموز (بغداد، دار الحرية للطباعة، 1989)، 65.
18- شبيب، الوثبة في العراق،8.
19- تشير إفادات عدد من أعضاء تنظيمي الضباط الأحرار في مصر والعراق، كانوا قد أدلوا بها فور الإطاحة بالنظامين الملكيين في البلدين إلى أن الهزيمة الفلسطينية كانت واحدة من الدوافع الرئيسية وراء الثورتين اللتين قاموا بهما.
20- حسن، عبد الكريم قاسم،32.
21- نفس المصدر، 65.
22- حول هذا الموضوع راجع:
Avi Schlaim، Collusion across the Jordan: King Abdullah، the Zionist Movement، and the Partition of Palestine (Oxford: Clarendon Press، 1988)
23-Batatu، The Old Social Classes، 598-99
24- Reeva S Simon، Iraq Between the Two World Word (New York: Columbia University Press، 1986)،192،n.80; and Hayyim j. Cohen، The Anti-Jewish farhud in Baghdad،1941،"Middle Eastern Sudies 3، no.1 (1966):5.
25- FO371/68482/6116،British Labor Advisor، "Provisional Recommendations:Cost of Living".
26- FO371/68459/611714،Basra Consulate-General: Monthly Summary، Sept.1948.
27

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
العراق فكر
د.عبد الجبار العبيدي -

مقال يحتاج الى قراءة متأنية من قبل القيادات العراقية قبل عامة الناس.فالعراق ليس بلدا متخلفا جاء به التغيير لينهض ،بل بلدا متقدما جاء به التغيير ليكمل مسيرة النهوض،فالمؤسسة الثقافية العراقية والقانونية كانت أفضل من اغلب البلدان العربية، والايمان بالوحدة العربية والمصير المشترك اصبح راسخا في عقول الناس من اجل التغيير الحقيقي لواقع التحريك التاريخي في الدولة والامة معا.فالملكية وحكوماتها رغم ما شابهم من اختلاف وقصر نظرفي التصرف السياسي والاجتماعي، لكن الوطنية كانت في عيونهم ورؤوسهم قبل اية مصلحة شخصية،وتواردت الحالة في عهد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم. لكن الحكم البعثي انحرف عن المسار نحو الدكتاتورية والحكم الفردي البغيض،رغم المبادىء العربية والانسانية التي رفعها في بداية حكم الدولة،لكن الدولة والامة والوحدة والشعب بقي راسخا في فكر المواطن رغم كل العثرات والحروب العبثية التي اشعلها النظام بلا مبرر يذكر،لكن هذا لايعني ان الدولة تدخل الان في النفق المظلم بحجة استذكار أخطاء الماضي،فالماضي ولى وذهب ولن يعود..