عالم الأدب

صخب الصمت وهواجس العزلة (2)

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ذكرت سابقا أن الشاعرة لينا سيرون هي شاعرة وقضية، حيث جبلت على اعتناق المذهب الإنساني واسترسلت في عفوية وتلقائية ترسم لوحات بلون التراب وتمزج خيالات الألوان فوق جسدها الورقي وبها ينطق ألم الشعب المعزول الذي تتخطفه أيادي الدم المشبعة بالقتل والتعذيب، تلك الأيادي التي لا تصنع إلا الدمار، ولا تترك إلا الخراب.. لينا سيرون Lina Zerónلم تتجاهل ما يحدث على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتفجرت داخلها معاني الحقد والتوجع مما يزرعه المحتل من ألم في عيون أصحاب الأرض وأصحاب الرسالة.. هذه الشاعرة المكسيكية، كتبت عن القضية الفلسطينية، ورسمت بريشتها المتألقة صورة جميلة لشحذ همة الفلسطيني المناضل، تقول في قصيدتها المتميزة جدا ( فلسطين – Palestina ) :

..
لا تترك خوفاً يمددكَ
صمتاً في حنجرتك،
ضع جدارا حول أذنيك،
لا تخف من الظلمة
فلا أحد يرغب في الرقص مع الموت.

تجيء هذه القصيدة في ديوانها Moradas Mariposas هابانا، كوبا، 2002،الذي تميز بنثريته الوطنية ومعانيه الإنسانية، ورمزية عناوين قصائده ( نساء بلون الفجر، طالبان، حرة أنا، حرية، ألفية جديدة، وطن كبير، فيراكروس، ضريح في الصحراء، دعاء، بلغراد، أجنحة الموت، روما، سحب سوداء، عزلة.. ) ومن هنا دخلت الشاعرة إلى محراب الصلاة بألوان مختلفة تجمع هذه الحياة المتناقضة، بما فيها من تنوع وتبدلات.. ولم تقف عند ظل واحد، وعند شجرة واحدة، بل تعلم جيدا أن هناك في العالم الإنساني ما يسمى بالحب الذي لا يفرق بين لغة وأخرى وبين جنس وآخر، لغة المشاعر الإنسانية التي تفضح أسرار الوجود.. وصنعت من كلماتها رسالة تميزها عن الآخرين بشكل خاص متنوع، وأحاسيس صادقة، مخلصة، نبيلة.. ولذلك وصلت إلينا..
لم تترك ريشة الشعر لملذاتها، وحمّلتها القضايا الإنسانية، ورفعت راية الحرية لتناضل كما الآخرين وتحمل لكل العالم هو اجسا مخبأة، مثلما أوردت ذلك في كثير من قصائدها..

فلسطين.. أرض الأنبياء.. تقول الشاعرة في نصها :
من أين جئنا بالخلاف،
بالجوع، بلغة الخوف ؟

وتترجل على شواطئ العنف التي يقذفها اليهود على أرض طاهرة، وتخاطب ذلك الطفل البريء، ذلك الشيخ الذي يمتلك نظرة مثقلة، تلك النظرة التي تحمل تاريخ السنين التي مضت، ومخاوف الغيب المنتظر، تخاطب تلك العين الشابة واليد المقاومة، لتقول:

غضب في شكل الشمس
غضب يفجّر
الكره في قلب الإنسان..

***
لديك.. أنت
ما يتجاوز الزمن..
لتكون كبيرا.

هذه هي لغتها حينما تترسب في أعماقها قضية ما.. تعتمد على فواصل مهمة.. من الخطاب المباشر إلى معاني ملتهبة بالحماسة.. وأسلوبها في كل هذه الجمل هو أسلوب يشبه إلى حد كبير التقنية التي يكتب بها الشاعر المكسيكي خايمي سابينس Jaime Sabines ( وهوشاعر من أصل لبناني نشأ وترعرع في المكسيك رفقة عائلته الصغيرة – وسنتكلم عنه في أوراق خاصة -)، هذه التقنية في الكتابة التي أكدها معظم النقاد حيث قيل عن Lina أنها وريثة سابينيس Sabines..
وما يمكن حمله هنا من رأي ناقد ونافذ، هو ما كتبه عنها الشاعر الإسباني فيل مانسانيكي حيث قال ( لينا سيرون تعرف كيف تخلق خصوصية لغتها داخل ما يسمى : بشعر الخبرة... بعض الأبيات لديها تكفي لتحكي معظم الأحاسيس المعقدة ومعظم المشاعر الضخمة، دون السقوط في التعقلية للشعر الخالص.. )، ويقول في جزء آخر ( شعر لينا سيرون، هوشعر أكسوجيني.. مليء بالحياة.. لأنه حي.. ولأنه ولد للحياة.. وليشرح الحياة، هو الملحمية التي تواجه كل الأيام... الحسية التي توحّد الجسد والروح في وجود منفرد، ذلك الذي تحوله ربما، إلى خيال أكثر واقعية... هوتماما شعر امرأة.. شعر زهرة تنظر بعينين هاذيتين... وهو أيضا شعر اجتماعي ينظر بعيون صارمة إلى واقع وطنها، إلى كوارث الحرب ونكباتها، إلى عبودية المرأة، إلى الجوع وإلى المرض..)
لا تترك خوفا يمددك / صمتا في حنجرتك /.. المواجهة التي تشبعت بها الشاعرة في رصد أغوار مجتمعها صنعت منها خطابا للإنسان العربي كي يخرج من صمته ويعلن في فضاء غيره تاريخه، وقضيته، وهواجسه التي ركنها في ظلامية الضعف المستمر، هذه التقنية في التعبير التي ترتكز إلى إغلاق النظر على المعنى تفتح بها لينا سيرون واقعا مرا يحياه الفلسطيني وتنتهجه المجتمعات العربية، هو الخوف الذي يسكننا ونسكنه يتمدد في حناجرنا، ويكفي سيرون ألا تمضي في المزيد فهذه الوخزة الشعرية كافية لترفع آلاف المشاعر، وتحكي ألاف الحكايات التي لازالت ترويها عجائز فلسطين.. لينا سيرون تختزل في هذه الكلمات أفكارا عظيمة وأحاسيس تنوء على حملها الأوراق الكثيرة، وهنا ترمي مفاتيح الخروج من الظلمة / فلا أحد يرغب في الرقص مع الموت / أولا أحد يستطيع الرقص مع الموت / ودلالتها أنه لا أحد يرغب في مواجهة الموت وهو ظالم ولا يستعد لهذا الدور إلا من ظُلم لأن الله معه.. والخوف لا يسكن القلب المظلوم بل يسكن هؤلاء القردة الذين تمكنوا من ضعف ما، فهموه جيدا وأعدوا له خططا أزلية..
وتتساءل سيرون في حلكة الصمت / من أين جئنا بالخلاف ؟ /.. سؤال تعرف جوابه جيدا.. هو جوع الطمع.. وخوف الفناء.. علاقة أسطورية يفرضها الوجود الإنساني على طينه الذي سيعود إليه..
وإلى أن نلتقي في الأسبوع القادم أختم بمقطع من قصيدتها ( كزورق ) تأتي معلنة ذلك الغموض الذي يغلف مضمون العواطف وهي في ترحلاتها، هذا المقطع نجده في مجموعتها ( نبيذ أحمر ) هافانا، كوبا 2003 ( كزورق):

-1-
أتمسّك بفترة هرمة
أصبح ماءً راكعاً للسماء
وألمي يتطهّر في الانتظارْ..

-2-
أنا حزن عباّد الشمس الليلي
يَـتلف ببطء
محاولاً فكَّ شفراتكْ..

miloudhomida@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف