شوقي مسلماني
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
مولود سنة 1957 في بلدة كونين الجنوبيّة اللبنانيّة. هاجر إلى أستراليا سنة 1977. رئس تحرير مجلاّت: "الرابطة"، "أميرة"، و"الدبّور". صدرت له مجموعة "أوراق العزلة"، ثمّ مجموعة "حيث الذئب"، وقد ترجمهما إلى الإنكليزيّة كلّ من نوال عبد الأحد (أميركا) ورغيد النحّاس (أستراليا). عُرضت له في سيدني مسرحيّة "الأرض"، مسرحيّة "بعدنا بخير"، ومسرحيّة "عنزة ولو طارت". كتب أغانٍ للعديد من المسرحيّات اللبنانيّة ـ الأستراليّة، و"اسكتشات" لإذاعة "2000 fm"، ومقالات، وترجمات نُشِرت في صحف محليّة، عربيّة، وألكترونيّة.
لغيري أن يقول كلمته في ما هو الشعري وما هو غير الشعري. لغيري من المثقّفين أو الأكاديميين ومن "نَقَشَتْ" معهم ولم يخالفهم الحظّ، نعم الحظّ، أن يدلوا بدلوهم في هذين الموضوعين الخطيرين. كاتب هذه السطور لم يفز من العلم بشيء، ولم يفز من الثقافة بشيء، ولم يشعر بالمسؤوليّة يوماً اتّجاه شيء.
كاتب هذه السطور صُدْفة في الخطأ، ولكن حتى للصدفة في الخطأ حيِّز في الأرض. الصدفة رمتني إلى الشعر. قلتُ لروحي: ولِما لا!. شيء نتسلّى به في هذا العدم. شيء نصرخ به في وجه هذا العدم. شيء نحاول أن نفهم من خلاله شيئاً في كلّ هذا اللاشيء.
حاولتُ مراراً أن أفهم ما يفهمه الآخرون، لكن هيهات. أن تحاول شيء وأن تفهم شيء آخر تماماً. حاولت مرّة ثانية وثالثة، وما زلتُ أحاول، لكن هيهات، فأي سبيل أتّقي، وأي سبيل أرتقي. أي سبيل أصالح وأي سبيل أخاصِم. مدارس ومدارس، والكلّ على الكلّ. وأنا صدْفة في الخطأ.
لا بأس، هوِّن عليك يا شوقي، هوِّن عليك كثيراً، لا تستعجل، انقضتْ سنوات وأنتَ فقط ترى، وسنوات وأنتَ فقط تسمع، وسنوات وأنتَ تقول القليل. هوّن عليك يا شوقي. دعْ فقط قلبَك على الطاولة. "فلفِش" في طيّات قلبك. هه، هذه قطرة دم، أكتبْ: بعد صبرٍ تمّ العثور على أداة الجريمة. "فلفشْ" في طيّات قلبك، هه، هذا شريان لا لغم فيه، أكتبْ: بعد صبرٍ عثرنا على شريانٍ لا لغم فيه. "فلفشْ" بعد في قلبك، هه، هذه صرخة، أكتبْ: بالصدفة عثرنا على صرخة عزلاء إلاّ من ألم وحجر.
على هذا النحو أكتبُ ما يسمّونه هم قصيدة، لا بأس. على هذا النحو أكتب ما يسمّونه نثر جميل، أو خاطرة، أو عقل على الورق، أو هباء. على هذا النحو أتقدّم خطوة في كلّ هذا المجهول. مرّات أقول لروحي: سأرى إليَّ من هذه الزاوية. مرّات أقول لها: سأراني من تحت تلك الشجرة. مرّات أقول: سأراني من صدْفتي الخطأ وليكن ما يكون. لغيري أن يكون مثقّفاً أو أكاديميّاً أو محظوظاً. لغيري أن يدلي بدلوه، ولا بأس، بل يجب أن يرتفع هذا الوادي قليلاً. أنا رأيت كثيراً، أنا سمعت كثيراً، أنا وقعت كثيراً، أنا الصدفة الخطأ.
هكذا أحاور روحي. كنتُ في البدء أهمس في أذنها همساً فأقول لها: كتبتُ اليوم "بيت عتابا" أو "دلعونيّة" أو أغنية تحاكي أغنية لفيروز. كانت روحي غير مسؤولة عن شيء أيضاً، فتغافلني، وتركض إلى روح وتهمس بأذنها ما همسْتُه بأذنها. أعاتبها بمحبّة فتبتسم. أهمس بأذنها قصيدة تحاكي القصائد التي تعلّمتها في المدرسة التكميليّة، أستحلفها أن تكتم الأمر، تكتمه، ولكن إلى حين، حتى قالت لي مرّة، ولكن بعد سنوات: أعطني دفترك الأزرق الكبير ذاك، أعطيتُه لها، غافلتني، ورمته في البحر.
كنتُ في البحر في تلك الأثناء على متن باخرة شحن من مدينة صور اللبنانيّة إلى بور سعيد في مصر. ومن بعيد كنتُ أرى ألنيران لا تبق ولا تذر في حياة بكاملها خلّفتُها ورائي، كنتُ أسمع استغاثات تلك الحياة من دون جدوى. ابتلعني البحر. قلتُ للبحر قبل أن يبتلعني: هوِّن عليك يا بحر، خذني حتى تشبع منّي. أخذني، ابتلعني، رماني في بور سعيد، ابتلعني، رماني في القاهرة، ابتلعني، رماني في ألمانيا الشرقيّة، ابتلعني، رماني في ألمانيا الغربيّة، ابتلعني، ورماني أخيراً في أستراليا جلداً وعظماً. بعد سنوات قالت لي روحي أو ما تبقّى منها: ألا تهمس بأذني شيئاً؟، فهمستُ لها وهمست ولأنّها غير مسؤولة قالت للناس: له ديوان يُدعى "أوراق العزلة" وله آخر إسمه "حيث الذئب" كتبهما على سجيّته، قال فيهما ما رآه وما سمعه فقط، ولغيره أن يقول شيئاً عن الشعريّة وعن القصيدة.
قصائد مختارة
مجنون
يمسِّد الغريب شعر الوحدة
يظنّ أنّ الله قريب
فيقصّ القصص
يظنّه العابرون مجنوناً
فيصمت.
صراخ
أفضّل لو تصرخ
لكنّك
حتى في جحيمك
مهذّبٌ جدّاً.
مقبرة
صمتٌ يرعى حشيش الخرافة
بومٌ على صخرة
يحدِّقُ بالعابرين
من يمرّ
يشبهنا.
بحيرات الرمل
كيف يجمع أطرافه؟
يدٌ
في جزيرة الأحلام
وساقٌ
في بحيرات الرمل
كيف يجمع عينيه؟
كيف يجعل قلبَه في موضعه؟
الرغبة قلق النار
ورغبته
دخان.
غرباء
مشوا إلى المدينة من الجبال البعيدة
حفاةً خلف جنازةٍ صامتين
كانت أقدامهم تبعثرها الرياح
وحقولهم تختفي خلفَ عيون
ماطرة.
سياط
الضحكاتُ توارتْ خلفَ مساءاتٍ
تعشِّشُ في القلب، على رؤوس
الشجر، فوق السطوح.
ماءُ الحياة في سماواتٍ رحيمةٍ
لأناسٍ آخرين.
على الإسفلتِ فراشات دامعات
في خاطرها عمرٌ
لن يأتي
وهمسٌ، لن يكتمل.
حصاد
العربةُ الواقفة حياتكم
وأنتم
بالكادِ تدفعون أعماركم
بيادركم
نوارجكم
رياح.
رحيل
المدينة التي آوتنا
نحن مَنْ نزفتهم الجبال
رسمنا على شواطئها أحلاماً
فضيّةً
ونمْنا.
لم نكن ندري
أنّ السفينة التي لوّحنا لها
نقلتْنا.
عُراة
كانوا عراةً
في جبالٍ عارية
نصبوا أيديهم سندياناً
وظهورهم صخوراً
ملأوا الطرقات ضجيجاً
رفعوا أعلامهم
جعلوا دمهم منارةً للنورس
وكانوا، إذا تقدّموا
شربوا من ماء المطر
وعجنوا من زهر الحقول.
من مجموعة "أوراق العزلة"
خلل
إنّه الطقس
يمشي على عكّازين
يتنفّس بمنخارين
أوكسجين
وثاني أوكسيد الكربون.
توأم
الليل والنهار
تحت سقف واحد
يلعبان أحياناً
يركضان
يختبئان
يهذيان:
حجر
وردة
قمر
أفعى.
رقص
لوحة
تذرف عيوناً وسيوفاً
ساحرة
تشكّ شهوةً في الدمية
تمثال
يضرب الهواء بفأس
وهذه الفتاة ترسم وجهها ابتسامةً
وترقص مع الصنم.
بينكم
حدّاد يحدِّد في رأسي
رسّام يلوِّن تحت عيني
مجنون يخرج منّي
ومجنون يقرع ليدخل
... فيا قضاة لا تخاطبوني بـ "أنت". أنا كثير
ولا أعرف كلّ جماعتي
بينهم مجرم
لكن حين تصدرون الحكم عليّ
يكون المجرم
بينكم.
حنوّ
حانٍ على روقة
يثرثر سواقي.
جديد
الجديد ورقة
تسقط.
خرافة
ما أشهى الغزال في وجهه
ما أنحل الغريب في عينيه
خرافةٌ هذا القائم
على الوحل.
فحم
لأنّ خبزه قليل
دلقوا تعباً على وجهه
ولأنّه يحبّ الشمس والشجر
من ساقيه
عُلِّق.
مدينة
1 ـ
عصفور يجرّ خيط دمه
مناديلُ الشتاء وحدها هناك
والمارّة
لا يلتفتون.
2 ـ
الشتاء يدقّ النوافذ
بحنانٍ ووحشة
عصافير يبستْ تحتَ أشجارها
منصتةً
إلى أصوات بعيدة.
3 ـ
نزلوا إلى المدينة
من جبال نائية
وصاروا عشبها اليابس
أزقّتَها
صورَها الممزّقة على الحيطان
... سمعوا في قلوبهم تكرّ حجارة بيوت
كانت في الجبال.
الشوارع تعضّ قدميَّ
البحر على المقعد وحيد في العاصفة
تخرج الأرواح مبتورة الأطراف
تئنّ
وتضحك
يلوّن الزجاج دمي
ويفترسني الذئب.
شجرة
عارية
إلاّ من باشق
يقف على أعلى مشهد الوحشة.
دم
دبيب
يسترقّ السمْع
إلى دبيب.
بيضة الأبد
سُمٌّ يُرضِعُ سُمّاً
صخرةٌ تُطعِمُ صخرةً
جُسّ النبض
انقرْ قشرة الأرض رقيقاً وخطِراً
البياض البياض
اصعدْ إلى ذبذباتٍ، اصعدْ
إلى بيضةِ الأبد.
الفجر
عراك
مع ذَكَر الحياة.
السباق
غنِّ
أعطِك الحصان.
من مجموعة "حيث الذئب"
الجهة السابعة
للرحيل أسباب
والفضائح من تلك النتائج
يدي ولساني عليك
رماد وعيني وقلبي عليك
أوراق الجهة السابعة
لزوم ما لا يلزم
البئر التي تضحك، الكلّ
الكلّ عليك
أنا ما ترى وما لا ترى
أراك في الشارع
أراك نائماً
كلّما رأيتُكَ سأطعنك بخنجر
كلّي قدّامك
كلّي وراءك
كلّي على يمينك، على يسارك
فوقك، تحتك
وكلّك.
الطاقة
الجيش معطّل
الأحداث ساخنة وطازجة جدّاً
وقائع حيّة، لا رؤيا
صوَر ملوّنة .. صوت وصورة
المشهد خام، ثمّ قالوا: لن نصدِّق
واحد فقط من كلّ مليون قال:
لن يمرّوا. قال: من هنا سيعبر النمل
والنمل فقط
قال: للطاقة طاقة. نموت
إذا نموت مرّتين
مدن كلّها مدن
ومدن سراب.
السرّ
كلٌّ منهم
يطعن بكلٍّ منهم
كلُّ مسافة
بينها وبينها كلّ مسافة
أصنام، أسلاك شائكة
وهذا الليل كلّه
الوردة لها فكّ
لا تحيا الوردة بالألوان وحدها
عتمة منذ الفجر الأوّل
أنا هذا الشاهد
أنا الديناصور وأنا النملة
أنا الكلّ والسرّ
كلّ شعاع، اقتنصتُه
كلّ فرصة سانحة، اقتنصتُها
وعبرتُ كلّ معبر.
البحر
تتحلّل مدن
يسيل الدمُ فيها
فقط من أجل حيّزٍ قليل
وضوء أكثر.
الحفلة
جمجمة تضحك
في صحراء.
من أوراق لم تصدر في خطأ آخر