غياب الجودة في ثرثرة سلمان العودة 1-2
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
إن غياب المراجعة ومحاكمة الذات، قد يجعل المرء يستمر في غيه، ويتمادى في تكرار نفسه، فضلاً عن أخطائه، ولا يخرج بعد عشرات السنين إلا بوهم التلبس بالفكر، والتدثر بالعلم، ناسياً أنه ليس أكثر من فكرة واحدة تكررت أربعين مرة!
في حضرة الفكر، وحلقة الدرس، وحوزة العلم، ليس هناك كبيراً إلا الوعي، ولا عظيماً إلا الدليل، ولا قوياً إلا الحجة، أما الأسماء التي تراها، وقد يظنها الناس كبيرة، قد لا تكون أمام جذوة الفكر إلا شمعاً يذوب، وإن حسبه الناس عصياً على الذوبان!
والشيخ أو الدكتور أو المفكر –كما يسميه محبوه- أبو معاذ سلمان العودة، أحد هؤلاء الذين يجب أن نناقش أفكارهم، بوصفه وضع نفسه في بؤرة الأحداث، وعرض نفسه، ولوح بفكره –إذا كان ما يطرحه فكراً- بل إنه أحياناً يتحرش بالآخرين، معللاً ذلك بأنه "غيرة دينية"!
وسلمان –أو لنقل الدكتور- يحاول أن يدخل في معترك الحياة السياسية، في ذات الوقت الذي يحاول هو –أو لنقل مريدوه- أن يحفظوا له طهره الديني، و"لحمه المسموم"، بحيث يجعلوه فوق النقد، ولكن هيهات هيهات، لأنه متى ما احترف رجل الدين السياسة فقد دخل في "اللعبة القذرة"، ولن يسلم من قذارتها إلا باجتنابها أو الزهد فيها!
أما أن يدخل في المعترك السياسي بعيداً عن سياطه ونقده ومناوشته، يكون مثل الفتاة التي تريد الزواج وتريد البقاء عند أهلها، وهذا محال وممتنع -على الأقل في نظر العقلاء- لذا ليقبل العودة هذا النقد، وإن كان قبول النقد مريراً على النفس، حتى لو قال العودة في شريطه "لماذا نخشى النقد" أنه لا يخشاه فهذا للاستهلاك التداولي وليس للتنفيذ، فقد ضاق الشيخ أو الدكتور بعشرات النقود ومئات الملاحظات، لذا لن أعول كثيراً على قبوله أو ادعائه، والنتيجة أن عدم القبول أو غضبه لا يختلف كثيراً –عندي- فالأمر واحد سواء قبَل أو رفض!
وحتى نقطع الخط على القائلين مقدماً، أسوق التهم التي ستوجه إلى هذا المقال وصاحبه، وهي تهم ألفتها الأذن، وأدمنت قراءتها العين، حتى أصبحت مثل صحة أبو العتاهية الذي قال لحبيبته أن وصفه الطبيعي أن يكون سقيماً وليس سليماً، لذا يقول:
تَعْجَبِينَ مِنْ سَقَمِي صِحَّتِي هِيَ العَجَبُ!
لذا من العجب أن لا يوصف هذا المقال بأنه "لطلب الشهرة"، أو "خالف تعرف"، أو أن كاتبه "عميل"، أو "طابور خامس"، أو "حاقد"، أو "حاسد"، أو "يكره الصالحين"، أو "ينال من أولياء الله"، أو "ضد الدين"، أو متطاول على العلماء"، لذا لا يمكن أن يعتذر القلم إلا إذا أحضر العودة صكاً يفيد بأنه من العلماء، أو أنه من الصالحين، أو أنه أحد أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وحتى ذلك الحين فليبحث المرجفون عن أوصاف أخرى، لأن هذه الأوصاف سمعتها آلاف المرات، والتكرار لا يعلم الشطار!
وقبل الدخول في معترك العودة وكشف خداعه اللفظي، وترهله المعرفي، ونحالته الثقافية، يحسن إيراد مقطع ورد لفضيلته في الموقف من تدنيس القرآن الكريم، وقد جاء ذلك في إطار خبر نقله ملحق الرسالة بتاريخ 21/5/2005م، إذ يقول الخبر: (طالب الشيخ سلمان بن فهد العودة ممن أسماهم المبهورين من المسلمين بالحرية وأمريكا أن يعلنوا موقفهم بوضوح من القضية، واستنكر الشيخ العودة تجاهل هؤلاء لجريمة إهانة المصحف، ووضعه في المراحيض، في الوقت الذي يشيدون بالشفافية والحرية الأمريكية. ورفض العودة تمييع الموقف في إشارة إلى عدول النيوزويك عن تقريرها، وقال: لقد أساءت شخصيات بارزة مقربة من الإدارة الأمريكية للقرآن، وتطاولت على رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- ولم يصدر أي اعتذار، ولم يحققوا في الأمر)!
وقبل الدخول في متاهات العودة، لابد أن يُقال سطر عن ملحق الرسالة، التابع لصحيفة المدينة السعودية، إذ يُشرف عليه الصديق المؤدب -أبو أسامة- عبد العزيز قاسم، هذا الرجل رغم أدبه الجم وتعامله الراقي، إلا أنه مؤدلج لدرجة مذهلة، تصل درجة ذهولها بحيث أن الرجل لا يدري أنه مؤدلج، ومع الأسف أن حرصه على بناء مجده الشخصي –وهذا من حقه- جعله يمارس لعبة حادة، مثل الخمر تماماً ضررها أكبر من نفعها، وتتبدى هذه المضرة من خلال العناوين والخطوط العريضة التي تُشعرك بأنك تقرأ ملحقاً يصدر من "قندهار" ويشرف على تحريره أمير المؤمنين "الملا عمر" لا رد الله غربته!
وحتى تنجح "اللعبة الصحفية" دون التنازل عن الأدلجة، يعمد الصديق أبو أسامة -عندما يطرح قضية حساسة- إلى أخذ رأي أكبر عدد من تياره "الإسلاموي"، ثم يأتي برأي وحيد لفرد من التيار الليبرالي، وغالباً يكون ضعيفاً، وبذلك يزعم أنه حقق توازناً، وظهر أمام القراء والمجتمع بأنه يمثل "الحوار" الراقي، والحقيقة أن هذه قسمة ضيزى، إضافة إلى أن صورة الوطن غير متبلورة في الملحق، إذ المشرف ينطلق من مفهوم أممي، معتبراً تعثر بغلة في سمرقند من صميم عمل الملحق، والمشرف مسؤول عن إفساح الطريق لها، بل إنه يحن إلى التفكير بمبدأ "الأمة الإسلامية" أكثر من حنينه للوطن، هذا من ناحية، ومن الجانب الآخر فإن المشرف يحمد له الإعداد والتوثيق المتميز اللذين يبذلهما وقت عمل "المكاشفات" التي يجريها مع أصحاب التأثير في الحقل الثقافي والفكري، كما يُحمد له التمسك بالحد الأدنى من العرف الصحفي، الذي يمنعه من الكذب، ولا يمنعه من الاختيار والانتقاء والتحيز.. ما علينا!
رجوعاً لشيخهم العودة ورأيه في موضوع تدنيس القرآن الكريم، من الواضح أن الرجل كان يحاول أن يسجل هدفاً على حساب دعاة الليبرالية، بحيث أنه نسي القضية والدفاع عن التدنيس إلى محاولة التركيز على تصفية حساب مع من يسميهم "المبهورين بالحرية"، وقبل المحاكمة وقطعاً للطريق أمام المتربصين أقول أن قضية تدنيس القرآن قضية مخزية، ولا تليق بعقلاء، والأمر مستهجن، حتى لو كان هذا التدنيس حصل لكتاب يتحدث عن "الاستطراد في الشعر الجاهلي"، لأن للثقافة والفكر احترامهما، فما بالك إذا كان المُدنّس كتاب سماوي، أنزله الروح الأمين على نبيّ الله الكريم رحمة للعالمين!
ومثل هذا التصرف الأرعن "فردي" ولا يمكن من خلاله محاكمة أمة بسبب تصرف جهال أو أفراد تملكتهم الرعونة، واستحوذت عليهم الخشونة، ومن يعمم هذا التصرف الفردي، فليقبل بتعميم صورة الداشر بن لادن على كل العالم الإسلامي، ومن يقرأ التاريخ –وهو كتاب الفضائح- سيجد أن هؤلاء الأفراد الأمريكيين ليسوا بدعاً، أو أنهم أتوا بمحدثات الأمور، فأذية القرآن الكريم بدأت منذ نزوله على الناس، وستستمر إلى يوم يبعثون، لذا تكفل الله –جلّ وعزّ- بحفظه، ولم يكله إلى مَلَك مقرب أو نبي مرسل، أو حتى إلى طائفة المسلمين، حتى لا يظن العودة وأمثاله أنهم بصراحتهم الرعناء يحافظون على القرآن!
والتاريخ يحدثنا عن أرعن قديم اسمه الوليد بن يزيد، إذ قرأ ذات قراءة آيات من الذكر الحكيم، ثم وجدها تهدد وتسوق الوعيد والنار والحديد، فما كان من هذا الأرعن إلا أن مزّق القرآن ورماه قائلاً:
أَتوعِدُ كُلَّ جَبّارٍ عَنيدٍ فَها أَنا ذاكَ جَبّارٌ عَنيدُ
إِذا ما جِئتَ رَبَّكَ يَومَ حَشرٍ فَقُل يا رَبِّ خَرِّقَني الوَليدُ!
بل إن الرعونة والعجرفة تجاوزت الكتب السماوية، لتصل إلى الذات الإلهية، وما فرعون عنا ببعيد، حين قال: "ما علمت لكم من إله غيري"!
ومن يقرأ أيضاً مذكرات الساسة في العصر الحديث في شقها العربي، وأعني مذكرات السجون العربية، سيجد ما يمكن أن يكون التصرف الأمريكي الأرعن أمامه يسيراً ضئيلاً!
هل أتاك أيها الشيخ الفاضل نبأ ما قاله أحد الرعناء من أصحاب السجن في مصر الحديثة، عندما صرخ المُعذّب قائلاً: "يا رب أنقذني"، فرد عليه الأرعن رداً غليظاً، قائلاً: "إذا كان ربك موجوداً فليخرجك من هذا الحديد"، وكانت نهاية هذا الأرعن أن اصطدم بشاحنة ممتلئة بالحديد، ومات –غير مأسوف عليه- بعد أن تعذّر فصل جسده عن حديد السيارة، وإن ربك لبالمرصاد، ولن يظلم ربك أحداً، فالجزاء من جنس العمل!
لم أسق هذه "التعازي" لأخفف أو أبرر، فهذا لا يليق بي، وأنا الذي أمقت التبرير، ولا يليق بأمريكا التي لها ألف لسان، وعندها مليون قدرة، إنما أسوق ذلك مؤكداً أن للبيت رباً يحميه، وللقرآن إله يحفظه، لذا على المسلمين ألا يحزنوا كثيراً، لأن كل الذين ادعوا الألوهية، وكذبوا على الناس، وآذوا القرآن الكريم، أصبحوا "أضحوكة التاريخ" بعد أن أرانا الله جلّ وعزّ فيهم عجائب قدرته، وما مصير هذه "المجموعة الأمريكية الرعناء" إلا كمثل مصير فرعون أو الوليد أو صاحب السجن، عذاب في الدنيا والآخرة أشد وأنكى!
لذا لا تخف أيها الرجل المنتهز، ولا تذهب نفسك على ما فعلوا حسرات، فالله جلّ وعزّ لهم بالمرصاد، سواء سخطت أم لا، والأمر أيضاً سيان دعوت عليهم أم لا، الأمر من ناحية ثالثة متماثل سواء احتججت أم سكتّ، ولكن هناك أمر واحد مختلف، أعني حين ترغب في تسجيل موقف، أو تود المزايدة في الأمر تقرباً للعوام، أو محاولة إخراج الكراهية بثوب تبريري، أو بلباس علمي، فهذا الأمر لك، وأظنك قطفته!
بعد هذا العرض، ليعلم المؤمن أن الله جلّ شأنه يمهل ولا يهمل، أما العاقل الناظر للأمور بتجرد، يمكن أن يجد في قول الإدارة الأمريكية ما يغري –ولو قليلاً- يتجلى ذلك حين تقرأ ما قالته السيدة الأنيقة كونداليزا رايس، حين مزجت العقل مع المصلحة، اللذان يتقدمان سلم الأهمية في الولايات المتحدة، حيث قالت: (إن معتقلي جوانتنامو ليسوا محتجزين بسبب دينهم، وإنما بسبب أعمال إرهابية، فالإسلام دين عظيم وهو دين سلام، ونحن في الولايات المتحدة نحترم الإسلام، وهو الدين الأسرع نمواً في أمريكا، والولايات المتحدة تقدر التنوع في المعتقد، وتقدر الإسلام، هذا الدين العظيم، ومن هنا فإنه إذا ثبت أن هنا متورطين في الإساءة إلى القرآن، فإن عقوبات رادعة تنتظرهم). الشرق الأوسط 21/5/2005.
أعتقد أن السيدة الأنيقة قالت فأوجزت، لذا حفظ الله الإسلام من شر المختطفين الذين يحاولون أن يقدموا "النسخة" التي فهموا الإسلام عليها، هذه النسخة لا تفهم من الإسلام إلا الحاكمية والولاء والبراء، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، الأمر الذي يعيق سرعة انتشار الإسلام في أمريكا، والعودة ليس معفىً من هذه التهمة!
ولو أراد العودة أن يفهم لقدر على ذلك، ولكنه يغمض عينه على طريقة "عنز ولو طارت"، إذ يلمز الحرية في أمريكا، وهي حرية بكل المقاييس البشرية، ولكن قد تخفى على أصحاب النظرات الحدية من أمثال العودة الذين يقولون بالعدل المطلق وإلا فلا. والغريب العجيب في ذات اللحظة أن العودة وجماعته الموقرة قد صدقوا الخبر، وكذّبوا "نفيه" مع أن المصدر واحد، لأن التصديق مبني على الرغبة والإرادة، وليس التحري والدقة، ولتعش سياسة الكيل بعشرات المكاييل!
وأول مظهر من مظاهر الحرية الذي تعامى عنها الرجل –وهو الذي أعطاه الله جلّ وعزّ عينين ولساناً وشفتين- هو هذا الخبر نفسه، الذي صُرفت وانتُهزت فرصته. إن هذا الخبر لم يُنشر في موقعه المؤدلج حتى الياء "الإسلام اليوم"، ولم ينشر في جريدة العروة الوثقى الأفغانية، وإنما نُشر في الـ"نيوز ويك"، وهي –بالمناسبة- تعني "أخبار الأسبوع" للعلم فقط، وتعلم يا أبا مُعاذ أن هذا الخبر جلب لأمريكا كراهيات جديدة، وعداوات حديثة، ورعونات عديدة، الأمر الذي جعل أنصار القاعدة "بذراعها العسكري والسياسي" تستغل الموقف لتجديد حربها على أمريكا، وتأكيد فضيلة "الولاء والبراء"، ومع كل هذه المخاطر التي سببها الخبر، إلا أن الذي نشره هو "الحرية الأمريكية" التي لم تستطع أن تراها، فهي عنز من عنزات الكذب ولو طارت!
ومن مظاهر الحرية الأمريكية إظهار هذا السجن الموحش في خليج "جوانتنامو" متضمناً شكله، وملابس أفراده، وبهذا يكون اللعب على المكشوف –وهكذا هي السياسة- واعلم أيها الرجل المتعالم أن صور هذا السجن ومعالمه تمت بموافقة الإدارة الأمريكية لأهداف لا تخفى على من يملك نصف ذكاء وربع وعي. وإعلان السجن وحالات السجناء وطريقة تعذيبهم أمر يحسب للحرية الأمريكية، إذ ليس عيباً أن يكون لديك سجن، ولكن العيب والفضيحة –كل الفضيحة- أن تكون السجون ممتلئة مكتظة، كما هو الحال في بعض الدول العربية، حيث يتم التكتم عليها بل وإنكارها. وللسجن -فوق ذلك وتحته- باب واسع في الشريعة الإسلامية، وأنصحك بقراءة كتاب "السجن وأحكامه في الشريعة الإسلامية"، وهو رسالة دكتوراه للصديق العزيز محمد الأحمد.
ومن مظاهر الحرية التي لا تريد أن تراها، ما قالته السيدة الأنيقة كونداليزا رايس من أن الإسلام دين عظيم، وأنه الدين الأسرع نمواً في أمريكا. من هنا أتحداك أن تقول نصف هذا عن أي ديانة سماوية أخرى، لأنك مبرمج على أن "الكفر ملة واحدة"، مع أن القرآن الكريم يقول بأنهم "ليسوا سواء"، وتعلم أن الأحاديث الصحيحة أكدت احترام نبي الرحمة –صلّى الله عليه وبارك- للتوراة والإنجيل، معللاً ذلك بأنه "كلام ربه"!
إن الحرية التي لا يريد أن يراها العودة وأمثاله تتمثل بهذا الاختيار الذي يتمتع به الفرد الأمريكي، الشامل لكل ما يتعلق بفرديته التي لا تصل لإزعاج الآخرين، أما في حالة العودة فإن الأمور تختلف. وفي بريدة -حيث مسقط الرأس- وحيث يعيش العودة، يُحرم الإنسان من حرية اختيار ملابسه بسبب سلطة المجتمع، وأتحدى العودة أن يلبس عقالاً، أو حتى يسمح لأحد طلابه بحضور درسه بملابس رياضية "ساترة للعورة"، بل أتحدى العودة أن يخرج حاسراً رأسه، مع أن الله جلّ وعزّ أمر عباده في أفضل أيام السنة "يوم الحج الأكبر" أن يكونوا حاسري الرؤوس، كما أن الرسول -صلى الله عليه وبارك- لم تُعرف له جلسة ولا لبسة كما يقول فقهاؤنا الأوائل، فضلاً عن أن الشماغ الذي يلبسه العودة ويزايد هو وتلاميذه عليه بوصفه "جزءاً من الأصالة والتراث"، وهو ليس أكثر من "ماركة إنجليزية" أحضرها إنجليزي قبل مائة سنة، ليتقي بها حرّ الصحراء، ويا للأسى حين يُطالب الناهين عن التشبه بالكفار –من باب الجهل طبعاً- بالتشبه بهم!
الحرية التي يرفض العودة وطائفته رؤيتها –في أمريكا خاصة والغرب عامة- هي في هذا الجدال المستمر، والنقاش الدائم لتطوير الحياة، والبحث عن الأفضل من خلال تحصيل خير الخيرين ودفع شر الشرين، إذ ليس هناك مصالح محضة ولا مفاسد محضة، هذا الجدال لا يعرف مناطق محمية، ولا أُناس "لحومهم مسمومة"، ولا متاهة اسمها "سد الذرائع"، ولا معتقل اسمه "الخصوصية"، ولا سور يُدعى "الولاء والبراء"، ولا قيود يُصطلح عليها بـ"التقاليد والأعراف"، وهذا ما لا يدركه العودة، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن لا يتصور شيئاً لا يدركه، إلا إذا كسر برمجته الفكرية، وانطلق باحثاً عن ما ينفع الناس من خلال تفعيل سنن التدافع والتنافس المتكئ على البحث عن الحقيقة بقلب سليم!
ولا يُفهم هنا أن الغرب بلا خصوصية أو أعراف أو حتى قِيَم، بل العكس صحيح، إنه ممتلئ بالقيم، وكل ما يسمعه العودة وأمثاله هو اختراقات وتجاوزات فردية يفضحها الإعلام الغربي نفسه، ويكفي الغرب فخراً بأن اختراقاته وسيئاته تعدّ على الأصابع، ويعرفها الشبعان والجائع والصائع والضائع والمائع!
الحرية التي في أمريكا ولا يريد العودة، أو الشيخ –كما ينادونه- أن يراها، هي هذا التمادي في كشف الساسة وألاعيبهم، ولو كنت –أيها الرجل- بعيداً عن الغشاوة التي تستر العين وتحجب الرؤية، لكان لك في محاكمة وفضيحة الرئيس الأمريكي السابق كلنتون خير برهان على فهم معنى الحرية الأمريكية.. هذا ما يمكن أن يُفهم، ولكن أكثر الناس لا يفهمون!
ومشكلة العودة –وقبيلته الأصولية- أنهم يظنون أن الحرية تعني "اللا خطأ"، والكامل المطلق والعدل الشامل، وهذا مستحيل في العرف البشري، ولن يتحقق إلا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً، ولا يظلم ربك أحداً! وقد نسي العودة وجماعته أنهم بظنهم هذا قد يرفعون "العالم الغربي" إلى مرتبة هي فوق البشر، وهذا بالتأكيد ما لا يريدون، ولكن هكذا هم "السُّراع" دائماً يخدمون أعدائهم قبل أن ينفعوا أنفسهم!
إنهم يتوقعون من الغرب "العدالة المطلقة"، لذا تصدمهم الوقائع، وتُفرحهم الحقائق، لأنهم يأطرون الغرب في إطار "الكمال"، ولو تبصّر العودة وأمثاله لوجدوا العطب المعرفي في هذا الخلل الفكري المتكئ على برمجة لغوية لا تسمن ولا تغني من فكر!
إن الحقيقة تقول أن الغرب ليس بهذا الكمال، إنه حافل بالمشاكل، وسمين بالهموم، ولكنه يمتاز عن غيره بأنه ينتفض على ذاته، ويواجه معضلاته بحثاً عن أقل الضررين، هارباً من أن يميل "كل الميل"، وهذا منتهى الحكمة التي يمكن أن يصل إليها البشر، وقد جاء في الأثر: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك"!
إنه الغرب الذي يضم هذا التنوع الحضاري، ويقدر الاختلاف، ويحترم التباين، هذا الذي يعيش الآن هوس تطوير حياته وتقليل مضارها، ولو حضر العودة أو استمع للجدالات الإعلامية -هنا- ولا أظنه يفعل، لوجد قضايا الصحة وتطوير التعليم وحالات الطلاق، وانحراف الأطفال، وقضايا النفايات والبيئة، هي القاسم المشترك للحياة، ومثل هذه القضايا لا أظن العودة يفهمها فضلاً عن أن يناقشها أو يهتم بها!
ولعله يجب التأكيد هنا أن الغرب غارق لأذنيه في المعضلات، ومنهمك لقدميه في وحل قضاياه الداخلية، لذا لا يعتقد العودة أنه وأمثاله يشكلون هاجساً يُذكر، لأن العودة لا يقرأ ولا يُتابع إلا ما يهمّه، ويظن أن الحياة هي ما يُتابع وما يهتم به، إنه مثل ولد الحارة الذي يظن أن الدنيا تنتهي بنهاية شارع حيهم، أو كالديك الذي يعتقد أن الشمس تشرق لسماع صياحه و"صراخه"!
أما من حيث الإسلام، فلا أظنه يتمتع بعافية مثل هذه العافية التي يجدها هنا في الغرب، إذ البيئة صحية، وتسمح بنموه بوصفه دين النظام والأمان والرحمة، لذا تبدو إطلاقته مذهلة، وانتشاره يتمدد عبر الجهات الأربع، وفق حرية وديموقراطية تحميه وتحفظ حقه وحقوقه، وتدافع عن أصحابه ومعتنقيه، ولن يعيق هذا النجاح والانتشار إلا إذا تدخّل أهل الصراخ والتهييج، الذين يمارسون الزعاق ويبثون الشتائم العابرة للقارات، وكان الله في عون مسلمي الغرب مما يفعله مسلمي الشرق!
وليعلم العودة وبقية الصارخين أن المنظمات الإسلامية في أمريكا قد قامت بواجبها عبر الطرق الحضارية التي تتكئ على الحرية "المنضبطة"، ودافعت عن قضية القرآن بطريقة هي أفضل ألف مرة من صراخ الخطباء والوُعّاظ والدعاة!
ولنا في الحلقة القادمة وقفات مع العودة عبر مسيرته التي لم تغب عن العين منذ عشرين عاماً، لعل القلم يكشف شيئاً عن هذه الفوضى الفكرية، والتشتت المعرفي، والوعي الادعائي الذي يمارسه الرجل منذ ربع قرن، ويود القلم في لحظته الأخيرة أن يهمس في أذن العودة بأنه عندما يحاول أن يشتم الغرب في مراته القادمة ألا يستخدم الفعل "يتشدّق" في سياق وصف الحرية التي "يتشدّق" بها الغرب، لأن هذا الفعل أصبح ممل ومقرف، وأظن اللغة العربية غنية بأفعال تؤدي نفس المعنى، وتختلف في نوعية الحروف، مثل: يزعم أو يدّعي أو يتفوّه أو ينادي، هذه أربعة ولدي المزيد، ولكن أظن أن العودة يعشق حروف "القلقلة"، ولا عجب في ذلك لأنه يحسنها، ولكن بقفزاته المذهلة في عالم السياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفلَك، فضلاً عن أصول الفقه والفرائض والتجويد، وأخشى أن يضيع الكل، وقديماً قالوا: "من أراد كل شيء فقد كل شيء"!
بعد كل هذا، أين تكمن مشكلة العودة؟!
إنها تكمن بين العودة وأفكاره، أي أن معضلة هذا الرجل وغيره من أصحاب المشاريع الكبرى، سواء كانت مشروعات دينية أو دنيوية، لا فرق بين طرح أيديولوجي أو فكر وحدوي، أو آخر يساري أو رابع شيوعي، إذ المأزق –هنا- في الأساس هو مأزق الإنسان مع أفكاره سواء كان تقدمياً أو اشتراكياً، أو إسلاموياً أو قومياً أو وحدوياً، فقد اختلفت الأمراض والجرح واحد!
إن هؤلاء النخب – بكل تنوعاتهم- يجعلون العالم – في النهاية- رهن فكرهم، وحبيس مقولاتهم الخاوية، وأوهامهم الخادعة، وطيوفهم المدمرة، والحقيقة ليست كذلك، لأن الواقع يلد نفسه، والوقائع تخلق محيطها عبر القراءات الفاعلة، والأفكار الخصبة، والمفاهيم الخلاقة والنظرات المتجاوزة، وهذا لا يعقله أصحاب المشاريع الكبرى من أمثال العودة!
وفي الحلقة القادمة سيحاول القلم أن يرسم صورة لمآزق الشيخ الكثيرة والوفيرة من خلال ثرثراته المتعددة والمتنوعة، ليعلم الذين سمعوا أي معضلة تلك التي تلبّست العودة، لتجعله في حالة خصام ليس مع المجتمع ولا مع النص، بل مع نفسه ومع أفكاره.. أليست بعض النفوس والأفكار أمارة بالسوء والعداوة والكراهية؟!