إيلاف+

إيلاف في الصين2-4

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إيلاف في رحلة بين أحفاد ماو بالحبر الصيني 2-4
20 ألف موظف لترويج أطروحات الحزب الشيوعي

أحمد نجيم - موفد إيلاف إلى الصين: في الساعة السابعة والنصف ارتدت شوارع بكين حلة جديدة، من نافذة غرفة الفندق، حركة سير مختلفة عن اليوم السابق الأحد. رجال ونساء بلباس خفيف يحتمون من أشعة الشمس الصباحية بمظلات صغيرة. حُدد لنا موعد اللقاء الساعة الثامنة والنصف. كان الإفطار في الطابق الأول. في مطعم الفندق مجموعة كبيرة من العمال والطباخين، رغم أن كل شخص ينتقي ما يريد تناوله. أجمل ما في هذه الوجبة لبن طبيعي وضع في إناء كبير. تفادى كثر من الصحافيين العرب تناول اللحم وأكلات أخرى ولا سيما المصنوعة من الأرز. اليوم الثاني جاء تيمور برفقة مسؤوله في القسم الذي لا يتحدث إلا الصينية والإنجليزية. أقام تيمور معنا في الفندق، تاركا زوجته ومتفرغا لمرافقتنا ومراقبتنا، دخول كل صحافي إلى الصين مشروط بمرافقة مسؤول من قسم الإعلام بوزارة الخارجية أو مرافقة صحافي من إحدى جرائد الدولة الكثيرة.


التحق بنا صحافيان من الجزائر، أما الصحافي الموريتاني فلم يصل إلا يوم الثلاثاء. شوارع بكين ورغم اكتظاظها بالسيارات تعرف سيولة في الحركة. أما السائقون فغالبيتهم هادئون يتفادون استعمال المنبه السيارات.في شارع صغير كان المسنون والشباب يمتطون دراجات هوائية وميكانيكية، بعض الفتيات وضعن على وجوههن نظارات كبيرة حمراء، تشبه القبعات، تحمي عيونهن الصغيرة وجزءاً واسعاً من الوجه. حركة هذا الشعب لا توحي التطور الكبير الذي تشهده الدولة.


رجال الأمن هادئون، أحيانا تعتقد أنهم منحطون. الصينيون لا يحترمون "الشرطة"، يقول صحافي مقيم في العاصمة. "يسبونهم ويشتمونهم ولا يحترمون قوانين السير نكاية بهم"، يضيف صحافي غربي. ربما لهذا السبب كانوا أشبه بمحنطين ذلك الصباح. كانت وجهة الوفد ذلك الصباح "وكالة الأبناء الصينية" "شينغوا". بدأنا بعمارة كبيرة تتخذها الوكالة مقرا ل"شينغوا نيت" التي أسست في 1997 ويعمل فيها 250 صحافيا وتقنيا. تقدم هذه الآلة الدعائية الصينية خدماتها بعدة لغات منها الفرنسية والعربية والإنجليزية والروسية والإسبانية...


في بناية أخرى مقر الوكالة الصينية للأبناء. كان في استقبالنا نائب الرئيس لو وي، أحد الشخصيات المؤثرة في الصين، إذ يسيّر 20 ألف موظفا، ومائة مكتب خارج الصين، ويتعامل مع 30 ألف مشترك غير رسمي. كما تملك الوكالة أكبر مجموعة إعلامية في الصين، تصدر 24 عنوانا موزعة بين جريدة يومية ومجلات متخصصة...وتقدم أخبارا مرئية ومسموعة من خلال برامج يومية على التلفزيون ولها خدمة لإرسال الأخبار على الهاتف المتنقل لأكثر من ثلاثة ملايين مشترك. نائب الرئيس كان يتحدث بنوع من العجرفة "نريد أن نتعاون معكم لأنكم أصدقاؤنا" كان يقول صاحب أكبر جريدة توزع في الصين، إذ يفوق عدد نسخها اليومية ثلاثة ملايين ونصف مليون يوميا.


لم تخل السياسة من اجتماع المسؤول الصيني وأصدقائه ومعاونيه، وكان يرد على استفسارات الصحافيين: "العالم أضحى قرية صغيرة، وطبيعي أن يحدث اكتساح"، ثم أضاف: "ليست لدينا رغبة في الهيمنة على العالم. إننا نعادي الدول الراغبة في الهيمنة على الكون"، وأتبعها بابتسامة ماهرة. يقدم هذا المدير وكالته على أنها "الأقوى في مجالات كثير، لكن ثمة وكالات أخرى تتفوق عليها في بعض الأمور". كان المسؤول يجلس إلى جانب مدير عام وكالة الأنباء السودانية الذي قال بفخر أن الوكالة الصينية هي المصدر الأول للمعلومات في وكالته. لم يكن اللقاء للاطلاع فحسب، فالمسؤول الصيني طلب تأمين الاشتراكات للحضور وتبادل البطاقات مع الصحافيين لتدشين تعاون ثنائي. وقال نائب الرئيس مازحا:"إذا لم يرد على طلباتكم فسأطرده". بدا جادا في هذا الأمر وإن اختار أن يضفي عليه طابع المزاح. تضايق المسؤول المعني وبدأ بتوزيع أرقام هاتفه والتعريف عن مهمته. خرج نائب هذه المؤسسة إلى الباب ليودعنا، بعد أن قدم لنا الشاي الصيني الفاقد للمذاق ومناديل بيضاء وضعت في ماء ساخن لمسح اليدين والوجه.


كانت درجة الحرارة في الخارج بدأت بالارتفاع، استغل أكثر من نصف أعضاء الوفد الوضع لتدخين السجائر، ففي الصين يمنع التدخين في الأماكن العمومية، مما عذب مدخنينا العرب وأراح غير المدخنين. بعضهم الآخر اختار التقاط صورة أمام المبنى الكبير.


بادرنا مقر وكالة الأنباء الصينية في اتجاه مسلمي بكين. في الطريق كانت أحياء فقيرة يخرج من أزقتها عجزة من الرجال والنساء، اختارت الحكومة أن تواري هذه الأحياء من خلال إعلانات كبيرة. يعتقد الزائر أن تلك الفضاءات لا يقطنها أحد. بعد دقائق وصلنا إلى مسجد الجمعية الإسلامية الصينية ولا أعرف لما استقبلنا طيلة أيام إقامتنا في الصين نواب المسؤولين في كل القطاعات.


مصطفى، نائب رئيس الجمعية الإسلامية الصينية يبدو شيخا وقورا صغير الحجم. طاقيته البيضاء زادته هبة، استقلنا بابتسامة "إنكم إخوتنا، وأنا أشعر بالسعادة لتبادل وجهات النظر معكم. إنها فرصة نادرة".
هذه الجمعية وسيلة من وسائل الحزب الشيوعي لتأطير المسلمين من قومية "هوي". أهدافها التي قدمها نائب الرئيس تحدد ذلك: "تطبيق سياسة الحزب الدينية وتمثيل مصالح المسلمين في الصين، وتنظيم المسلمين لبناء الوطن". أهداف لا تختلف عن أهداف الحزب. مسلمو هذه القومية من الصينيين، لذا لا يمكن التمييز بينهم وبين قومية "الهان" المهيمنة في كل مناطق البلاد.
هؤلاء المسلمون جزء من 21 مليون مسلم صيني، نسبة المسلمين الكبيرة في منطقة الحكم الذاتي "شينجان"، إذ يقطنها 10 مليون مسلم. تسيّر الجمعية 3500 مسجد وتؤطر 53 ألف إمام مسجد وعشرات من المعاهد، كما تشرف على عمليات الحج وإرسال الطلبة بدعم وتنسيق دائم مع الحزب الشيوعي. مصادر تمويلها، كما أخبرنا مسؤولوها، تبرعات الحكومة وبعض المواطنين. كان هذا المسؤول الذي أحيط بمجموعة من مساعديه وموظفي الجمعية يتحدث باللغة الصينية ويتكفل شخص آخر الترجمة. لم يفارقنا المرافق الصيني وكاتب التقارير. ربما لهذا السبب تجنب هؤلاء الحديث بالعربية رغم إجادتهم لها. غادرنا المسجد ومقر الجمعية في اتجاه حي لقومية "هوي" المسلمة. كان في استقبالنا ممثلو الحي. خلال تلك الفترة كان العجائز أكثر عددا، لاحقنا واحد منهم لأمتار دون أن نفهم طلبه. وجوههم أتعبتها السنين وعلم الدولة يرفرف فوق رؤسهم. الحي تحت مراقبة كبيرة جدا من ممثلي الحزب. لا تحصل حركة إلا بعلم قادة الحزب الشيوعي الذين يتحكمون حتى في نوعية العلب التي يختارها الأطفال. المسؤول الإداري ظل يلاحقنا، مثل المرافق، إلى أن غادرنا الحي بسيارتنا، في اتجاه مدرسة إسلامية. هذه المدرسة نظيفة ومرتبة. ليست حكرا على المسلمين، كما شرحت لنا نائبة المديرة. ولم ينته اليوم بهذه الزيارة.


من الزيارات التي انتظرها الجميع بفارغ الصبر زيارة "السور العظيم". أكثر من ساعة ونصف سارت المركبة السياحية لبلوغ السور الذي يعد من عجائب الدنيا السبع. وهو يقع في منطقة غابات، الحرارة المرتفعة فيها ربما كانت سببا في قلة الإقبال على السور. غالبية الزوار من الأجانب. ربما كان المكان الوحيد الذي زرناه ويشهد حضور عدد كبير من السياح الأجانب في فضاء واحد. صعود السور يتطلب مجهودا عضليا مضاعفا، لذا لم نمض فيه إلا ساعة واحدة.


في المساء كان لقاء خاص مع صحافي فرنسي يراسل صحيفة يومية في بلاده. أخذني الصحافي إلى مطعم، عبارة عن بناية قديمة للفن المعماري الصيني. "هذه من البنايات القليلة من هذا الطراز التي لا تزال في العاصمة، ربما صاحبها على علاقة بأعضاء من الحزب الشيوعي الصيني"، قال الفرنسي. يقع الفضاء في حي بعيد عن الشارع "لا يقصد هذا المكان إلا الصينيون وعدد قليل من السياح". خلال تلك الجلسة حكى الصحافي عن بعض المشاكل التي تواجهه: "في الصين الصحافي لا يقوم بعمله على الوجه الأكمل، وهنا مشكلتان، الأولى مرتبطة بالنظام والثانية بتردد الصينيين في الحديث مع الأجانب وإن تجاوزنا عائق اللغة الكبير"، لذا اعتمدت الجريدة مترجما للصحافي.
تأثير الصحافة الفرنسية في مسؤولي الدولة "محدود"، مقارنة ب"تأثير الصحف الأميركية لأن مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني أكثر اهتماما بما تنقله الصحف الأميركية والبريطانية".
بعد حديث تناول مواضيع كثيرة انتهت الليلة في حدود الساعة الحادية عشر ليلا.

إيلاف في رحلة الى الصين 1-4

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف