كتَّاب إيلاف

جوجول والمأمون: قراءة في الذات العربية الحاكمة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يحلو للبعض أن يتحدثوا عن قدرة جوجول العبقرية بقولهم " لقد استطاع نيقولاي جوجول إضحاك القراء بشكل لا يقل عن موليير وفيلدنج. فالعديد من شخصيات أعماله مشوهون وغامضون مثل أبطال هوفمان". ولكن بالرغم من أن بعض ميزات جوجول، ككاتب عبقري، يمكن أن تقارن بمواهب المبدعين الآخرين، إلا إنه يصنف بين الكتاب الأكثر استثنائية.
اعتبر البعض جوجول مؤلف "كتب مضحكة جدا"، و"فكاهي لا نظير له"، غير أن كتاباته المضحكة تشابكت مع عالم غير مرئي من التراجيديا والدموع والكوارث النفسية البشرية. وخلال قراءة كوميدياه الأفضل من وجهة نظر الكثيرين، "المفتش العام"، من الممكن الإحساس على الفور بمرارة الكاتب في وصف "الجانب المظلم" من حياة تلك المجتمعات المتخلفة على الرغم من إن الموضوع كتب عن روسيا.
نيقولاي جوجول ولد في 1 أبريل عام 1809 في منطقة "فيليكي سوروتشينتسا" في حاكمية "بولتافا" التابعة لأوكرانيا آنذاك، وهو ينحدر من أصول أوكرانية-بولونية نبيلة هي "الجوجولية اليانوفسكية". توفى والد جوجول فاسيلي يانوفسكي عندما كان ابنه في الخامسة عشر. وأصبحت والدته ماريا أرملة وهي في سن الثلاثين مع أربعة الأطفال. قامت ماريا بإرسال ابنها البكر نيقولاي للدراسة في مدرسة "بولتافا"، وبعد ذلك في المدرسة الداخلية نيجينسك (المدرستان في أوكرانيا). وبمجرد انتهاء "كوليا" من الدراسة وحصوله على الشهادة انطلق يشق "مسيرته" المهنية في العاصمة الروسية سانت بطرسبورج.
كان الفتى كوليا يحلم بنشاطات اجتماعية واسعة النطاق ليس إطلاقا في المجال الأدبي وإنما في خدمة الدولة. ولكن الخيبة "الثقيلة" كانت تنتظره بفارغ الصبر في سانت بطرسبورج، حيث المصروفات التي رصدتها له الأم كانت في غاية التواضع في مدينة كبيرة كهذه. وبالتالي لم تتحقق آماله وأحلامه الباهرة. آنذاك يقوم كوليا جوجول بأول تجاربه الأدبية، حيث خرجت إلى النور قصيدته "إيطاليا" مع بداية عام 1829 تحت اسم مستعار هو ف. ألوف، وكانت تدور حول ربيع ذلك العام. ولكنه قام بإتلافها على الفور، إتلاف أول إبداعاته حينما تعرض لانتقادات قاسية من نقاد سانت بطرسبورج الذين لم يكونوا يرحموا أحدا. وفي رواية أخرى يقال أنه جاء إلى سانت بطرسبورج ببعض قصائده ومن ضمنها قصيدة بعنوان "هانز كويتشيلجارتين" حول طالب ألماني رومانسي. نشرت عام 1829، ولكنها كانت قصيدة تقليدية جدا فرفضها النقاد بالكامل. ولم يتحمل جوجول هذه الضربة ففقد اهتمامه بكل شيء حتى عمله وترك روسيا متوجها إلى أوروبا. وبعد ذلك ظهرت سانت بطرسبورج، التي قابلته وتعاملت معه بقسوة، في كتاباته كـ "معقل" للشر وانحطاط النظام البيروقراطي.
في أبريل عام 1830 وجد جوجول عملا ككاتب في دائرة حكومية وبقى فيه ما يقرب من العام. إلا أنه في نهاية المطاف ترك العمل في الخدمة الحكومية. تركه بخيبة أمل ولكن بمجموعة هائلة من الأفكار والانطباعات التي ظهرت في المستقبل. وفي عامي 1830-1831 تعرف الكاتب على الشاعر والكاتب فاسيلي جوكوفسكي، وعلى شاعر روسيا الأعظم ألكسندر بوشكين الذي ترك تأثيرا عظيما عليه. وفي عامي 1831-1832 نشر جوجول "أمسيات على مزرعة قرب ديكانكا"، وهي قصة قصيرة مبنية على موضوعات أوكرانية. استندت جزء منها إلى موضوعات شعبية سلافية-أوكرانية حول اللقاءات المرعبة بين الناس والعالم الآخر، وتناول البعض الآخر منها صور أعياد القرية المرحة. وأعرب الشاعر ألكسندر بوشكين عن انطباعاته حول "ديكانكا" بقوله "كان ذلك مدهشا. ذلك الذي أدعوه بالمرح الحقيقي غير العاطفي أو الحماسي، وإنما البريء الصافي! ... والشاعري جدا!" وهنا تحديدا بدأت خطوات الكاتب على الطريق الأكبر للأدب العالمي، حيث حملت هذه المادة نجاحا عظيما له.
في خريف عام 1835 بدأ العمل على رواية "الأرواح الميتة". تلك الرواية التي حولته إلى كاتب مشهور عالميا. "الأرواح الميتة" (التي يقال أن بوشكين هو الذي اقترح فكرتها) هي ملحمة جوجول التي تدور حول التاجر "النصَّاب" بافل تشيتشيكوف، والتي أصبحت موضوعا شعريا حيويا عندما بدأت روسيا البناء الرأسمالي. فقد قام النصاب بشراء أسماء موتى من ملاك الأراضي بهدف جمع ثروة طائلة ببيع أسماء "هذه الأرواح الميتة" كما لو كانوا أحياء. وعموما فرجال الأعمال الذين ظهروا في ما بعد في روسيا السوفيتية، وروسيا الحالية ما بعد السوفيتية، كان ولا يزال لديهم موهبة تشبه موهبة تشيتشيكوف لجني المال من لا شيء من خلال بيع شقق غير موجودة أو أسهم في مشاريع خيالية. ولعل أعظم وأخلد ما في هذه المعزوفة التراجيدية المرعبة، هو أن جوجول استطاع باستثنائية إبداعية متفردة تجسيد روح التاجر الروسي ليس فقط في زمنه، وإنما في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين. بل والأكثر إثارة للدهشة هو أن نماذج شخصيات (الأرواح الميتة) يمكن أن يلتقيها أي إسان عابر في شوارع موسكو وسانت بطرسبورج في هذه الأيام.
لم يتعلق الناس بالملحمة لعرضها الهجائي فحسب، فـ "الأرواح الميتة" تتضمن العديد من الملاحظات الحادة حول الذهنية الروسية، وطريقة التفكر، واللغة المنطقية، والروح المنفلتة، والمواهب المبدعة. وبفضل القدرة الإبداعية الفذة لجوجول، اكتسبت رحلات تشيتشيكوف أهمية عظيمة حيث ظهرت كسلسلة ليس فقط من خلال صور شخصيات مضحكة، بل وإظهار حالات يومية وأوصاف رائعة عن الطبيعة الروسية، كل هذه الصور تشابكت في سياق انفعالات فلسفية حول روسيا، والروح الروسية والمزاج الروسي. وحتى الآن لا يعرف أحد ماذا كان جوجول يقصد بـ "الأرواح الميتة": الأرواح التي كان يشتريها تشيتشيكوف فعلا، أم أرواح الأحياء سواء أبطال الرواية بمن فيهم تشيتشيكوف أو العديد من أولئك الذين يتحركون بيننا ونتعامل معهم يوميا؟!!
في عام 1836 سافر الكاتب إلى الخارج للعلاج وللتركيز كليا على عمله الجديد. في تلك اللحظات تركزت أفكاره الأولية على رسم صورة ساخرة "أحادية الجانب" لروسيا توسعت فيما بعد إلى خطة لخلق كتاب كبير في ثلاثة مجلدات. وبقى جوجول 10 سنوات خارج روسيا، راح يتجول خلالها في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ويواصل عمله على المجلد الثاني من "الأرواح الميتة". وفي عام 1845 يصاب جوجول بنوبة جديدة من مرضه الغامض، ويخفق الأطباء في تشخيصه حيث نسبوا الأعراض إلى اضطراب عقلي. وفي أحد الأيام وفي فورة غضب مزق مخطوطة المجلد الثاني وبدأ الكتابة ثانية.
وفي أبريل عام 1848، وبعد رحلة إلى فلسطين لرؤية الضريح المقدس، عاد جوجول أخيرا إلى موسكو واستعد لكتابة المجلد الثاني من جديد. وفي أواخر يناير عام 1852 أصيب جوجول بنوبة أخرى اقتربت به بشكل كبير من هاجس الموت الوشيك. وفي ليلة 12 فبراير ألقى بمخطوطة المجلد الثاني في النار. لقد خطط جوجول بعيدا لتشيتشيكوف وحتى كتب الجزء الثاني من هذه الملحمة، لكنه أحرقه بعد 10 سنوات من إصدار المجلد الأول. وبسبب الجدل المتواصل حول أسباب هذا "الإعدام" للعمل فالدوافع المستشهد بها عموما تتضمن أزمة عقلية واستياء الكاتب من عمله الجديد.
أما نصه الدرامي "المفتش العام" فلم يفقد حيويته إلى يومنا هذا. فطوال القرن التاسع عشر، والعشرين، تعرض مسؤولون سوفيت وروس لنفس الظروف كأسلافهم في العصور القيصرية، ونالوا ما يستحقون بداية من تراكيب جوجول التي دخلت إلى صلب الميثولوجيا الشعبية الروسية، وانتهاء بما تتكشف عنه قرائح الناس الذين تربوا على هذا التراكيب. ولن نجد مسرحا ليس فقط في الجمهوريات السوفيتية الـ 15 السابقة، وإنما أيضا في العالم كله لم يتناول "المفتش العام" في معالجات درامية مختلفة. ناهيك عن تناولها كمسلسلات تلفزيونية أيضا. لدرجة أن الصحافة كانت على الدوام، ولا تزال تقارن الموظفين المقرفين بنصابي جوجول.
ومن الطريف هنا أن نتذكر ملاحظة القيصر الروسي نيقولاى الأول عندما شاهد عرض الافتتاح لمسرحية "المفتش العام" عام 1836 حيث قال: "حصل كل شخص على ما يستحق، وأنا أكثر من غيري" الوجهاء لم يخفوا عدم رضاهم بينما الجمهور كان منتشيا. الكوميديا التراجيدية جدا، والتي بنيت على خداع الذات، تتعرض لمجموعة من المسؤولين الإقليميين غير المبدئيين، أو بالأحرى الأفاقين، الذين ينتظرون برعب وصول المفتش العام الذي من المفترض أنه سيكشف العديد من الألاعيب والمخالفات التي يمارسونها. ولكنهم يخطئون الاعتقاد عندما يستقبلون زائرا عاديا متصورين إنه المفتش العام. وتستمر المفارقات الخطيرة إلى أن يصل المفتش العام الحقيقي في اللحظة غير المناسبة. وإذا كانت لحظة (المفتش العام غير المناسبة صنعت مفارقة كوميدية، فاللحظات غير المناسبة تاريخيا تصنع من مصائر الشعوب مآسي وتراجيديات. وها بالذات ما يجعل (المفتش العام) عمل خالد بكل المعايير.
في 4 مارس (21 فبراير حسب التقويم القديم) عام 1852 توفى جوجول في موسكو ودفن في دير دونسكوي، أحد أماكن موسكو التاريخية. وبعد عام 1917 نقل قبر الكاتب إلى مقبرة نوفوديفيتشي حيث يرقد مجموعة من الأشخاص المشهورين في وسط موسكو.

المأمون-الخليفة الذي مات دون أن يفهم شعبه ودون أن يفهمه شعبه

لم تكن عبارة ديستويفسكي (كلنا خرجنا من معطف جوجول) مجرد مبالغة أو محاولة بلاغية قصد منها إجلال الرجل، وإنما كانت نابعة أساسا من قناعته بأن الأدب الروسي الحقيقي قد بدأ فعليا بجوجول. وجوجول المغرق في روسيته يذكرنا على الفور باثنين من عظماء ما يسمى بـ "الحضارة العربية الإسلامية": أبو العلاء المعري وأبو حيان التوحيدي. وهو أكثر شبها بالثاني. وإذا كانت الأدبيات تظهر أن بوشكين هام بالثقافة العربية، وقام ديستويفسكي هو الآخر بزيارات لشرقنا "السعيد" شعورا منه بأهمية هذا الشرق بكل ما يحوى من شرائح ثقافية-تاريخية-تراثية-دينية، واهتم أيضا ليف تولستوي بالثقافة العربية والدين الإسلامي، فقد تجاوز جوجول كل هؤلاء وخرج من معطفه الروسي إلى رحابة تحليل الذات العربية الحاكمة في واحدة من أهم المراحل التاريخية وأخصبها وأكثرها جدلا واختلافا. وبما أن جوجول لم يكن مجرد كاتب مناسبات أو مجاملات، أو كاتب عابر، فقد أمسك بـ "مشرط" الجراح مُشَرِّحا واحدة من أهم شخصيات تلك الفترة جدلا. وبصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع ما طرحه جوجول منذ ما يقرب من قرن ونصف، وبغض النظر أيضا عن العديد من الآراء ووجهات النظر التي تكشف عن إن جوجول كان بعيد نسبيا عن بعض التفاصيل الهامة، إلا إنه في نهاية الأمر كان كاتبا روسيا مسيحيا متدينا، وفي ذات الوقت تمكن بعبقرية فذة من تناول وتشريح حقبة تاريخية، وشخصية هامة، في تاريخ ما يطلق عليه العرب "الحضارة العربية الإسلامية". من هنا تحديدا لم يكن غريبا على هذا الأديب الكاتب المفكر أن يضع عنوان "الخليفة المأمون-لمحة تاريخية":
[لم يحدث أن تسلم مقاليد الأمور في زمن كانت فيه الدولة في أوج عظمتها وقمة مجدها كما حدث مع الخليفة المأمون. كانت الخلافة العباسية العظيمة آنذاك قد امتدت إلى كل أصقاع العالم القديم، فوصلت حدودها الشرقية إلى جنوب شرق آسيا لتنغلق على الهند، وامتدت غربا بطول الساحل الأفريقي حتى جبل طارق. وجالت بواخر أسطولها الضخم وصالت بحرية تامة عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وكانت بغداد، عاصمة هذه الإمبراطورية الجديدة، تنظر من أعلى إلى هذا العالم وهو مستعد للانصياع إلى أقل بادرة تصدر عنها. وكانت بصري ونيسابور تنظران إلى بغداد وشعوب آسيا، التي اعتنقت الإسلام لتوها، تتهافت بحثا عن المعرفة في مدارسها. أما دمشق فكانت لا تزال تتحف العالم بأجمل الأقمشة وأندرها، وتروي عطش أوروبا إلى السيوف الفولاذية التي لا يعرف أحد سر صناعتها سوى دمشق. وبدأ الإنسان العربي يفكر كيف يمكن إقامة تلك الجنة التي وعده بها النبي في الحياة الأخرى. فبنى القنوات اللانهائية لسحب الماء، وشيَّد القصور الفارهة، وزرع غابات النخيل التي تتدافع في أنحائها نوافير الماء العذب، وتتصاعد من زواياها أبخرة عطور الشرق. كانت الأخلاق لا تزال عميقة الجذور في أعماق الإنسان، ولم يكن قد أصابها بعد الترف والبذخ بأمراض الحياة السياسية المعروفة. وكانت أجزاء الإمبراطورية العظيمة-عالم محمد هذا-لا تزال مرتبطة بقوة تعود إلى جهود الخليفة هارون الرشيد، هذا الرجل البارع الذي استطاع أن يستوعب كل خصوصيات شعبه ومواهبه العديدة المتنوعة، لأنه لم يكن بالحاكم الفيلسوف أو العسكري أو الأديب، وإنما كان جميعهم في آن واحد.
لقد تمكن هذا الخليفة من إدارة الحكم دون أن يترك لأية صفة من الصفات المذكورة فرصة ترجيح الميزان على حساب غيرها. ولذا استطاع أن يدخل التنوير الأجنبي إلى شعبه بتلك الدرجة التي تساعده على تطوير خصائصه الذاتية. وكان العرب في ذاك الحين قد تجاوزوا مرحلة التعصب والفتوحات، ولكنهم كانوا لا يزالون ممتلئين حماسة للدين، يسيرون على تعاليمه، وتردد ألسنتهم سور القرآن بنفس الخشوع السابق. لقد قام هارون الرشيد بزرع بذور الخوف في نفوس رجال الدولة وجعلهم يديرون شؤون البلاد بطريقة مثالية من دون تلكؤ لقناعتهم المطلقة بأن الرشيد يمكن أن يظهر أمامهم في أية لحظة. أما أمراء المقاطعات والحكام المحليون، الذين جرت العادة أن يطمح كل منهم إلى الاستقلال عن الدولة الكبرى ليحوز على جزء خاص به يمارس عليه سيادته، فقد كانوا في خوف دائم من لقاء هذا الحاكم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء والذي يمكن أن يظهر فجأة متخفيا في ثياب أخرى، ليكشف نواياهم. وكانت الدولة تسير دون قانون ولكن ضمن نظام ثابت ومحدد بفضل حكمة هارون الرشيد.
كان هذا هو حال الدولة عندما تسلم مقاليد الحكم فيها الخليفة المأمون، هذا الرجل الذي سجل التاريخ اسمه كواحد من أولئك الرجال القلائل الذين أغدقوا على البشرية بأفضالهم. المأمون-هذا الحاكم، الذي كان يطمح إلى تحويل دولة السياسة إلى دولة الإبداع، وهبه الله عقلا ثاقبا وطاقة دؤوبة على الدراسة. المأمون-ذلك الرجل النبيل والذي لا حدود لنبله، ولا طموح لديه سوى السعي نحو الحقيقة.. العاشق للعلم والذي لا ينتظر من معشوقه مكرمة، لأنه فقط، وفقط أَحَبَّه ومنحه ذاته بعاطفة جموحة لا حدود لها، ومن دون التفكير في الحسابات والأهداف. كان العرب في ذاك الوقت قد اكتشفوا أرسطو لتوهم. غير أن هذا الفيلسوف الإغريقي الذي يتميز تفكيره بالدقة الرياضية لم يستطع التواؤم من الخيال العربي: السريع جدا، والرحب جدا، والشرقي جدا. ولكن العلماء العرب عكفوا بدأب وإصرار عليه إلى أن تمكنوا من اعتياد شكليته ودقته، وظلوا يتابعون العمل على مؤلفات أرسطو. وبالتالي كانت لنتائج أرسطو الفكرية، وللنظام الذي أجاب فيه على التساؤلات التي كانت تتوهج في ذهن العربي، صورا متفرقة من دون أن يتمكن من تجميعها في لوحة شمولية كي يمكنه الإجابة عليها. كانت لنتائج أرسطو وقع السحر في نفوس العلماء العرب ومعهم المأمون الممتلئ حماسة للتنوير، والذي تربى على هؤلاء العلماء، وبذل كل ما بوسعه لكي يُدْخِل هذا العالم الإغريقي الغريب إلى عالم أمته.
وهكذا فتحت بغداد ذراعيها برحابة لاستقبال كل العقول المتنورة في العالم كله. وأغدق الخليفة عطاياه على كل من حصل على درجة علمية أيا كانت، وأيا كان دينه، ومهما بلغ عمق تناقضاته الداخلية. وكان أكثر من حمل المعرفة إلى بغداد هم أولئك الذين لا يزالون يحملون في أعماقهم بقايا الوثنية المتشحة بالأشكال المسيحية، وغيرهم من أتباع الإفلاطونية الجديدة بعد أن غادروا القسطنطينية الغارقة في جدل عقيم حول العقيدة المسيحية. وتحولت بغداد إلى جمهورية تضمم حاملي جميع أشكال المعرفة بمختلف آرائهم. ويجلس المأمون متربعا على عرشه يستمع إلى مناظرات العلماء، فتنساب موسيقاها إلى روحه لتروى عطشه المعرفي. وما كان من حكام المقاطعات وأمرائها إلا أن حذوا حذو خليفتهم. وأصيب كبار رجال الدولة بـ "منومانيا الأدب". وأخذ كل أمير أو وزير يسعى إلى اجتذاب العلماء إلى بلاطه من الخارج، ولم يعد يخفى على أحد أن تصريف أمور الدولة صار بالنسبة لرجال السياسة في المرتبة الثانية. وأخذ الحكام يسلمون قيادة الأمور إلى نوابهم ومحظييهم الذين كانوا في كثير من الأحيان من الجهلة الذين حصلوا على مواقعهم بسبب لجاجتهم. وكان لابد في نهاية الأمر أن ينعكس ذلك الوضع سلبا على الناس ليرتد بعد ذلك بالنقمة على رؤوس الحكام. فتلك الجموع من الفلاسفة النظريين والشعراء الذين يحتلون مواقع حكومية سياسية لا يستطيعون توفير الحزم اللازم لإدارة شؤون الدولة، لأن مجال عملهم يختلف تماما، وكانوا يستفيدون من الحظوة الممنوحة لهم ليتابعوا بحوثهم الخاصة. ومن الممكن بالطبع استثناء بعض الشعراء الكبار الذين استطاعوا أن يجمعوا بين الفلسفة وعلم التاريخ، وتمكنوا من سبر أغوار الطبيعة والإنسان، واستوعبوا الماضي، وقدروا ما يمكن أن يحدث في المستقبل، وكان صوتهم في الوقت نفسه يصل إلى الشعب. غير أن أولئك كانوا قلة قليلة من الكهنة على مذبح الفكر. وكان رجل السلطة الحكيم يكتفي بالتحدث إليهم، ويحرص على حياتهم، ويخشى أن يثقل عليهم بأعباء الحكم، ولكنه كان يدعوهم إلى تلك المجالس التي تناقش أهم القضايا، نظرا لأنهم كانوا يستطيعون سبر أغوار النفس البشرية.
كان المأمون-هذا الرجل النبيل-يطمح بشدة إلى إسعاد رعيته، ويعرف أن الطريق الوحيد إلى ذلك هو العلم الذي يهدف إلى تطوير الإنسان. لذا حاول بكل ما أوتى من قوة أن يرغم شعبه على قبول مبادئ التنوير التي أدخلها. غير أن هذا التنوير كان أقل ما يمكن أن يلائم خصائص الإنسان العربي الطبيعية وخياله الجامح. كانت الأفكار المسيحية القادمة من الخارج قد فقدت حتى ذلك الحين طاقتها الملهمة التي كانت عليها عند بداية التوحيد، وتحولت إلى كم هائل من المفردات. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار تمكنت من أن تضئ العلوم بنور غريب، إلا إنها لم تتمكن من الالتحام معها-أي العلوم-لتشكل وحدة متناغمة، بل يمكن القول إنها قضت عليها بسب طغيانها. تلك الأفكار الغريبة التي حملها هؤلاء جاءت مناقضة لطبيعة الرجل العربي النارية، فغرقت في خياله نتائج العقل البارد هذه. هذا الشعب العجيب لم يكن يسير في بطئ على طريق التطور، بل كان يتقدم على الطريق طائرا. وتبدت عبقريته في كل المجالات: في الحرب، والتجارة، والفنون، والصناعة، والشعر، ذلك الشعر الشرقي الذي يخلب الألباب. وتفجرت قصائده، تلك القصائد التي لم يعرف تاريخ البشرية مثلها حتى اليوم، غنية مشرقة فائقة التميز والغرابة. وكان يبدو أن هذا الشعب سوف يصل إلى الكمال الذي لم يبلغه أحد من قبل. ولكن المأمون عجز عن فهمه، وتجاهل أمرا لا يمكن الاستهانة به، ألا وهو أن الثقافة يجب أن تُستعار بدرجة ملائمة لتطور الخصائص الذاتية للشعب لا أكثر ولا أقل. وأن الشعب يتطور وفقا لعفويته القومية. وهكذا أحاط سياج التنوير العاقر بتلك الميادين التي تبدت فيها بطولات الإنسان العربي. فمشاعر "الكوسموبوليتان" التي فاضت بها روح المأمون تجاوزت الحدود، وجعلته يفتح أبواب إمبراطوريته أمام جميع العلماء من كل حدب وصوب. وأيقظت الامتيازات التي منحها الخليفة للمسيحيين مشاعر الكراهية في أبناء أمته، وتأججت مشاعر الاحتقار لكل ما يحمله هؤلاء بصرف النظر عن كونه صالحا أو طالحا، وغابت مشاعر الحب التي كان يحملها الشعب لخليفته، لأن المأمون كان فيلسوفا نظريا أكثر منه فيلسوفا عمليا، كما ينبغي للحاكم أن يكون.
لم يكن المأمون يعرف عن حياة شعبه إلا ما سمعه من الآخرين من حكايات. ولم تكن لديه خبرة شخصية مثلما كان الأمر مع أبيه هارون الرشيد. ففي أشكال الحكم الآسيوية، التي لا يحكمها القانون، تقع أعباء الإدارة كلها على كاهل الحاكم المطلق. لذا يجب أن يتميز بنشاط فائق، ويبقى متنبها على الدوام لكل صغيرة وكبيرة، لا يمنح ثقته لأحد، وعينه كعين أرجوس الأسطوري تستطيع أن ترى كل ما يجرى في جميع الاتجاهات. فهو إن سها لحظة، تكاثر عدد ولاته الذين يتمتعون بصلاحيات مطلقة، وامتلأت الدولة بعدد لا يحصى من الطغاة الصغار. لكن المأمون عاش في بغداد كما لو إنه صاغها بنفسه مدينة للإلهام بعيدا عن السياسة. ولم يكن بإمكان المسيحيين الغرباء-الذين بدءوا يتخلون في شؤون الحكم-أن يفهموا روح الشعب ويعرفوا عاداته. كما أن انتماءهم إلى دين آخر لم يكن يحتمل بالنسبة للعربي الذي كان لا يزال متحمسا متعصبا لدينه. وهكذا، ففي الوقت الذي كانت فيه ألسنة العلماء تمدح المأمون، وبينما كان كرمه وحسن ضيافته يستقطب إلى شواطئ سوريا كافة أجناس البشر، كانت سلطته في المقاطعات آخذة في الأفول. ولم يعد اسمه يعني الكثير لسكان المناطق البعيدة الذين لم يروه يوما. وضعفت قوة الدولة العسكرية. أما أشعة التنوير التي انطلقت من المركز (بغداد) فقد كانت قوتها تخبو تدريجيا كلما اتجهت نحو حدود الإمبراطورية النائية والتي كان العرب عندها لا يزالون يحتفظون بتعصب الأزمنة الماضية، والجنود على أهبة الاستعداد في أية لحظة لنشر دين محمد بالنار والسيف. وإذ شعر أمراء تلك المناطق بضعف الصلة مع بغداد، بدءوا يفكرون في الاستقلال عنها، ورأى المأمون بأم عينيه كيف تقلصت حدوده، فانشقت عليه بلاد فارس والهند والمقاطعات الأفريقية الأبعد.
ربما كان من الممكن إصلاح هذا الاتجاه الخاطيء في إدارة شؤون الدولة، ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. لقد حاول المأمون أن يكون مصلحا دينيا، فقرر أن يقوم بإصلاح "القرآن" في الوقت الذي كان فيه جميع رجال الدولة الأقل شأنا، والشعب كله بلا استثناء يؤمنون إيمانا مطلقا بأن القرآن مُنَزَّل من عند الله، وأي تشكيك في هذا، مهما قل شأنه، هو جريمة لا تغتفر. لم يستطع عقل المأمون نصف الإغريقي أن يدرك حماس رعيته الذي لا حدود له، بل اعتبر أن الخطوة الأولى في إعادة التنوير إنما هي في القضاء على هذا الحماس الذي يمثل جوهر الروح العربية، ومحرك تطورها الذي تمخضت عنه هذه الحقبة التاريخية الفذة. وبالتالي فإن أية محاولة لزعزعته كان من شأنها هدم أركان الدولة. لقد تجرأ المأمون واعترض على تلك الجنة التي وعد بها النبي شعبه، والتي أسبغ عليها كل صفات الحياة الحسية. لم يأخذ المأمون بعين الاعتبار أن هذه الجنة بالنسبة للمسلم إنما هي واحة عظيمة في صحراء حياته. وأن الأمل في هذه الجنة بالذات يُمَكِّن العربي الحسي من تحمل الفقر والاضطهاد، ويساعده على خنق الحسد في روحه لدى رؤيته لأولئك الغارقين في النعيم، ويصور له خياله الحسي الصارخ أنه هو أيضا سيكون ذات يوم محاطا بالجواري وسيغرق في نعيم يفوق كل ما هو ممكن على هذه الأرض الزائلة.
ليس من الصعب إذن أن نتخيل درجة الاستياء التي أثارها انتشار الأخبار عن محاولات المأمون الإصلاحية، وكيف كانت ردود الأفعال على ذلك بعد أن أثارت حفيظة الشعب واستفزته كل تلك الامتيازات الهائلة التي حصل عليها المسيحيون، وتَعَلُّق الخليفة بهم. فاتُّهِمَ المأمون بالهرطقة، وبالتالي تمكنت تلك الفئة الدينية الحريصة على تنفيذ القرآن بحذافيره من دفع المأمون إلى استخدام السلاح. وهكذا أشهر الخليفة-هذا الرجل النبيل المليء حبا لرعيته-سلاحه في وجه شعبه. فأيقظ من جديد التعصب لدى العربي، ولكنه كان تعصبا من نوع جديد، لم يكن ذاك التعصب الذي جعل سكان الجزيرة يحملون راية النور ويندفعون كتلة واحدة إلى الأمام، إنما تعصب رجعى مزق تلك الوحدة وزرع بذور الشقاق في أركان الدولة الواحدة، وأيقظ مشاعر العربي البدائية، وبث سموم الكراهية في نفوس المسلمين البواسل، وخلق العديد من الفئات الدينية المتطرفة، وكانت فرقة القرامطة أكثرها تطرفا واستمرت في طغيانها فترة طويلة من الزمن.
هكذا انتهى المأمون وهو يغدق بيد كريمة على أعمال الخير والفنون والمدارس والعمال، ويقتل باليد الأخرى المدافعين عن الدين الحنيف، فانتهى في زمن اجتاحت فيه الاضطرابات السياسية البلاد. ومضى من دون أن يفهم شعبه، ومن دون أن يفهمه شعبه. فهو بالرغم من رغبته الشديدة في صنع الخير، وحبه المخلص اللامحدود للعلم، كان ومن دون أن يقصد أحد الأسباب الرئيسية التي سارعت بانهيار الإمبراطورية العربية].

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف