في رثاء الشيخ زايد
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الدكتور حسن عبد ربه المصرى
نهج الشيخ زايد فى الحكم سيبقى نموذجا يحتذى..
رحل الرجل وستبقى سيرته عطرة دون زيف او نفاق او مزايدة.. رحل الشيخ هادئ الطبع المقل فى كلامه واحاديثه وستبقى اعماله عظيمة شامخة تتحدث عنه للاجيال القادمه.. رحل الشيخ فى هدوء كما عاش حياته قبل تولى المسئولية وبعدها فى هدوء وبلا ضجيج.. رحل الشيخ الذى وحد الامارات السبع بالحكمة والرؤية الصائبة، وستبقى الامارات موحدة وقوية وشامخة وسيبقى نهجه فى ادارة شئونها نموذجا يحتذى !!.
لم يفرض الشيخ زايد مفهوم الامارات العربية المتحدة على اخوانه من الحكام بقوة العصبية او بقوة المال او بقوة السلاح، بل طرح الفكرة قبل ان يرحل الاستعمار البريطانى عن بلاده بحنكة الرجل البدوى المتأمل فى شئون الغد وباستشراف للمستقبل سبق به الكثيرين من الحكام العرب والمسلمين.. لم يفرض الرجل مركزية الحكم على الامارات السبع وانما وضع اطار للتعامل يجمع بين المركزية فيما يتعلق بالشئون الخارجية والدفاعية والمالية وبين الادارة الذاتية فيما عدا هذه الدوائر.. تنوعت مصادر التنمية على مستوى الامارات ولكن الشيخ كان ينظر الى مسئولياته تجاهها بتوازن لا يفرق فيه بين اغناها وافقرها.
اذا نحينا ملف الجزر الاماراتية الثلاثة التى شكلت خلافا حادا بين دولة الامارات المتحدة وايران، لا نعثر على ملف يمثل خلافا بين الامارات واى من دول الجوار او الدول القريبة منها او البعيدة عنها.. حتى هذه القضية التى بذلت الامارات فيها كل جهد ولجأت الى كل وسيلة لاستعادة حقوقها المسلوبة لم تدفع الشيخ المحنك الى قطع علاقات بلاده بالمغتصب ولا دفعته الى اللجوء الى اساليب تزيد من تعقيداتها بل تحلى الى آخر ايامه بالصبر على امل ان تؤدى السبل السياسية والدبلوماسية والوساطات الى استعادة الحقوق الشرعية والسيادية الاماراتية على الجزر الثلاث.
لا يذكر التاريخ على امتداد اكثر من ثلاثين عام ان الامارات اختلفت مع اى من جاراتهالاسباب حدودية او بسبب مياه اقليمية او مصائد سمكية.. ولا يذكر ايضا ان قواتها اقتحمت اراضى الغير او اعتدت على مدنييهم او عسكرييهم، بل يذكر ان شيخها عمل فى صمت بعيدا عن الاضواء على فض نزاعات حدودية وسياسية وقبلية كادت ان تورد بعض الجيران مورد الهلاك.. ويذكر له انه كان اول من نصح صدام حسين بوقف عملياته العسكرية ضد ايران برغم نزاعه القائم معها حول الجزر الثلاث وكان اول من اوضح له بجلاء مخاطر غزوه للكويت، بل سيذكر له انه الوحيد بين الزعماء العرب الذى عرض عليه مبادرة للتنحى عن السلطة حفاظا على العراق الوطن والتاريخ والامل.
انتهج الشيخ زايد اسلوبا فى ادارة شئون البلاد جمع بين اريحة الحكيم وحداثه المحنك فيما يتعلق بتبادل الرأى فكسب احترام المواطن البسيط والمتابع للشأن الاقليمى والعالمى.. جذبه اسلوب التفتح الذى حباه الله به الى تأسيس بنية الحكم الاساسية على قاعدتى العرف السائد والاخذ بالاسباب فلم يترك الامر من بعده للظروف والملابسات بل الى سلاسة الانتقال ومواصلة التأسيس والتحديث وفق الرؤية الموضوعية للمستقبل.. وضع مصلحة الامارات المتحدة كدولة ذات سيادية فوق كل اعتبار اسرى او قبلى او عشائرى، وتبنى مصلحة كل امارة كما لو انها الوحدية التى تحظى باهتمامه المركزى ورعايته المباشرة.. لم ينغلق على الداخل بكل ما يمثله من مشاكل وعقد ويهمل الخارج وعلاقاته المؤثرة، كما لم يلق بنفسه فى دائرة ضوء الخارج وبهرجته ويهمل الشأن الداخلى مكتفيا بصورته البراقه هناك.
مسئولية الشيخ خليفة بن زايد اليوم تتوافر لها مقومات لم تتوافر لوالده عندما استقلت البلاد عن بريطانيا كما تتوافر لديه رؤية تراكمية بحكم ملازته له كل سنوات عمره كما تتوافر للبلاد مؤسسات لم تكن قائمة عندما رحلت الادارة البريطانية.. هذه الاسس التى تمثل ميراثا حضاريا متطورا الى جانب ميراث الحنكة والتفكير الهادئ والنظرة العملية، تتطلب من رئيس دولة الامارت الجديد ان يسير على درب والده وفق متطلبات التحديث والتطوير التى يحتاجها شعب الامارات بكل فئاته فى السنوات القادمه..
انغمس الشيخ خليفة منذ سنوات طويلة فى مشاريع تطويرية اصبحت علامة مميزة فى بيئة الامارات التنموية على كافة المستويات وساهم فى تحقيق العديد من الطموحات التى كانت تمثل حلما للكثير من الاجيال المتعلمة وحولها الى حقائق ملموسة.. ومطلوب منه اليوم ان يكون اخا للجميع وان يمزج فى ادارته لشئون البلاد بين بين النهج الذى سار عليه والده وبين الافكار الجديدة التى توسع من مجالات المشاركة الشعبية فى صنع القرار.. وان يطور مصادر الثروة لمواجهة احتياجات بعض الامارات التى ستنضب مواردها النفطية وتلك التى تحتاج الى توسيع فى ميادين خدماتها وانتاجها الصناعى او الزراعى.. وان ينفتح على المجالات التنموية الجديدة التى تناسب بيئة الامارات واحتياجاتها ومتطلباتها والتى تثبت نوعا من النجاح الملحوظ على مستوى العالم..
ضخامة النجاحات التى تركها الشيخ زايد وراءه كرجل دولة من نوعية خاصه ستجعله فى وعى المواطن الاماراتى وفى ذاكرة المواطن العربى لسنوات طويلة قادمة.. وما ستفرزه المرحلة القادمة خصوصا فيما يتعلق بالحفاظ على هذه المكتسبات وتنميتها سيكون اوضح مؤشر لمدى قدرة المسئولين عنها على تمسكهم بمنهج هذا الرجل المتواضع بلا ادعاء الحكيم بلا دعاية المتفتح بلا طنطنة من اسس قوية لاستكمال تجربته الرائعة فى الحكم وادارة شئون البلاد..
استشارى اعلامى مقيم فى بريطانيا
drhassanelmassry@yahoo.co.uk
*****************************
صالح بن سبعان
نقوش على قبر الشيخ زايد
توحيد الإمارات المتخاصمة " كان معجزته الكبرى "
رغم أن عبرة الحزن تسد حلقي وأحس بمرارتها الحارقة تصَّاعد في القلب لموت واحد من أكثر الزعماء العرب صدقاً وحكمة ومرؤة ووعياً، إلا أنني لا أجد نفسي في مقام الرثاء لصقر الصحراء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ الذي وقع نبأ رحيله عن هذا الدار الفانية إلى رحاب الله الواسعة على من صدق ربه وحفظ عهده وأدى رسالته في الحياة على نحو يقرب من الكمال، فما الكمال إلا لوجه ربك ذو الجلال والإكرام.
صلح تاريخي بين المتخاصمين
حكمة الشيخ الراحل تتجلى في قدرته على قيادة سفينة إتحاد الأمارات العربية، التي كان من المفترض حين أُقترح إتحادها أن تضم إلى جانب المارات السبع إمارة قطر، التي صارت دولة لوحدها، علماً بأن هذه الأمارات عرفت في كتب التاريخ الحديث ـ لا المعاصر ـ وفي كتب الرحالة الأوائل باسم " الأمارات المتحاربة " فصار اسمها " المارات المتصالحة " في تقارير وزارة الخارجية البريطانية، حيث كانت الأمارات ضمن محمياتها، ولعل هذا يفسر للزائر وجود بعض المصطلحات الإنجليزية التي تجري على ألسنة أبناء المنطقة في سياق لهجتهم العامية.
وقد عرف المؤرخون القدماء والعلماء حديثاً أن من أشق الأشياء قيادة الأعراب، لأن إحساسهم باستقلاليتهم وبالحرية عالٍ جداً.
وقد تنبه إلى ذلك من قبل العالم والمؤرخ ابن خلدون في مقدمته، فالعرب يتنفسون الحرية في الصحراء التي تبدو كأفق مفتوح لا تحده حدود. هذا على صعيد العرب كمجتمعات رعوية صغيرة وعلى المستوى الفردي فما بالك بالزعماء وشيوخ القبائل سادة قومهم، لا شك إن إقناع هؤلاء بالتنازل عن بعض مظاهر سيادتهم يدخل في أبواب الاستحالة.
إلا أن الشيخ زايد رفض كل حجج الذين كانوا يطالبونه بتحقيق الوحدة الفورية والكاملة لمعرفته بطبيعة مجتمعه، وخبرته كقائد بنفوس الشيوخ والزعماء في مجتمع تقليدي مثل مجتمعه، لذا فقد اكتفى في البداية، رغم وعيه التام بضرورة اندماج الأمارات في كيان دولة واحدة قوية، لأن العالم لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة، اكتفى بما تحقق كمنطلق.
ورغم أن أمارة أبوظبي تستطيع لوحدها أن تعلن نفسها دولة مكتفية بنفسها موقعاً ومساحة وثرواتاً طبيعية.
لقد واجه الكثير من العنت في سبيل توحيد الأمارات المتحاربة أو المتخاصمة في كيان واحد، ولكنه لم يركن إلى اليأس، كما لم يستعجل الوحدة ليفرضها بالقوة أو بالحيلة والدسائس، وإنما راهن على عامل الزمن، وتُدرج وتطور الوعي بضرورة الوحدة الكاملة.
والمتابع لتجربة الأمارات يلاحظ أنها بدأت ببرنامج وحدوي كان أقرب إلى إعلان حسن النوايا أكثر منه خطواتاً تنفيذية، وفي ظله كان كل شيخ من شيوخ الأمارات يمارس سلطته وصلاحياته على أمارته وكأنها دولة قائمة بذاتها، حتى على مستوى القوانين والتشريعات، بل وحتى على المستوى الأمني الداخلي حيث احتفظت كل أمارة بهامش كبير من الإستقلالية، واكتفى رئيس الدولة، عدا عن صلاحيات سلطته الكاملة داخل أمارته ـ أبوظبي ـ بصلاحيات إسمية وشكلية بحتة على كيان دولته، و بوظيفة شبه شرفية في الملتقيات والمؤتمرات الإقليمية والدولية، كعنوان، ورأس لدولة الأمارات العربية المتحدة، والتي كانت أقرب إلى الصيغة الكونفدرالية.
وبالصبر والمثابرة تطورت إلى صيغة أقرب إلى الفيدرالية، إلا أنها اتجهت متوغلة إلى الوحدة شبه المركزية، أو إحتلت موقعاً بين الصيغتين مما يتلاءم مع طبيعة الكيان في كليته، وتلك كانت ملحمة كبيرة ومشوار شاق.
المرونة وتفجير الطاقات
أما الوجه الآخر لهذه الحكمة فيتمثل في هذه الطفرة الحضارية التي ما كان لها أن تنطلق ما لم يكن أمام كل أمارة هامش من حرية القرار والحركة لتفعيل مواردها واستغلالها، الأمر الذي فتح أبواب الإبداع وحسن المبادرة، أمام الجميع.
كما أن تفجير الطاقات الإبداعية عند الشباب ما كان ليتحقق لو لم يُمهد له بتشريعات مرنة تتيح لكل مبادر ومبدع حرية الفعل والحركة وتنشر مناخاً إقتصادياً وتشريعياً مستقراً يُظل الجميع بمظلته، ويفتح الأبواب مشرعة في وجه المشاريع الاستثمارية الجريئة.
كما تم توظيف ثروة البلاد في مصلحة رفاهية المواطن على الوجه المثل، وعن طريق توفير احتياجات المواطن الأساسية والثانوية، بل وحتى الترفيهية تفرغ المواطن للعمل والإنتاج لا يشغل همه مشاغل أو هاجس حاجة آنيَّة أو مستقبلية، فليس التعليم وحده المجاني، بل وكل احتياجات التلميذ والطالب تتحمل تبعاتها الدولة، فهو الاستثمار الحقيقي لمستقبل الوطن.
وكادت هذه السياسة لفرط عدلها ومساواتها بين المواطنين أن تمحو الفوارق الاجتماعية والطبقية بين شرائح مجتمع الأمارات، ولأنه مجتمع الكفاية والعدل والمساواة، فقد قلَّت فيه ـ إن لم نقل انعدمت ـ مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ إلى حد كبير.
ومن يفتح الأبواب المغلقة ؟
ويكاد الشيخ زايد ـ طيب الله ثراه ـ يكون تجسيداً للقيم والمآثر والصفات العربية الأصيلة، في زمن كادت أن تكون هذه القيم والصفات أساطير وخرافات نسمعها ونقرؤها ولا نجد لها أثراً في واقعنا، كما كان يتمتع بحس الأخوة الإسلامية والعربية، ولا يعبر عن هذا بالانتماء خطابة فصيحة ووعوداً زائفة، ولكن عطاءً بال منِّ أو أذى.
ويتبادر إلى ذهني تغطية تلفزيونية لإحدى القمم العربية التي كانت محنة للفلسطينيين عنوانها البارز، حيث تبارى فصحاء القادة العربية في منافسات خطابية، وحين طلب الشيخ زايد فرصة للحديث لم يزد غير السلم على الحضور ومعلناً عن تبرعه بمبلغ كان مفاجئاً للجميع ثم أنهى جملته بالسلام عليهم، خطاباً عفوياً مباشراً لم يتجاوز إذا ما كُتب سطرين أو ثلاثة أسطر، ولكنه في قوة تأثيره كان أبلغ من كل الكلمات التي تناثرت وتطايرت حروفها هنا وهناك.
وإلى عهد قريب، وقبل أن تجتاح القوات الأمريكية، وقليل من قوات الدول التي تحالفت معها العراق، استطاع الشيخ زايد أن يبصر بثاقب بصيرته ما سيؤول إليه حال العراق والعراقيين، وقبل أن تقع الفأس على الرأس، إقترح على صدام حسين صدام وقيادته أن يجنب أبناء شعبه ويلات الإعصار القادم، على أن يعيش في الأمارات معززاً مكرماً، وكان في ظنه أنه يقدم حلاً يرضي كل الأطراف يجنب العراقيين الموت والدمار والفتنة، ويحفظ لصدام كرامته وأمنه وعائلته، ويسحب البساط من تحت أقدام بوش الذي تحركه دوافع بعضها شخصي وذاتي، وبعضها مما يمليه أباطرة النفط في إدارته، وأقواها مما تمليه مراكز النفوذ الصهيونية عليه.
والحال أن الحل الذي أقترحه هذا الحكيم قوبل بوابل من الشتائم والنعوت البذيئة من طغمة بربرية لم تكن تجيد شيئاً مثل البذاءة والتهويش الكاذب، فأعرض عن الجاهلين وقال سلاماً، ولم يتحدد إلى مستوى من هاتر وشتم، بل ولم يسمع له أحد تصريحاً عن الحادث، وكأنه لم يكن أصلاً، وهذا هو الترفع المحمود عن السفه والانفعال الطفولي.
الفطرة نبع الحكمة
وحكمة فقيدنا الشيخ زايد وأصالته ترتكز في جوهرها على فطرة سليمة لم تتأثر بالجاه والسلطة، وقد كان بسيطاً منذ أن عرفه الناس قبل أن يعتلي قمة هرم سلطة إمارة أبوظبي وظل هو هو، لم تؤثر فيه التجارب والسنوات سوى أن أن زادت وعيه الفطري، ولم تفعل التجارب سوى أن صقلت هذه الفطرة حكمةً على حكمة، ووعياً على وعي، ولكن ظل زايد الخير هو هو نفسه، بأريحيته، وسعة صدره، يتقبل النقد يأتي مباشراً وصريحاً من إعرابي لا يجيد الكياسة، ولا يعرف دُبلوماسية الحديث مع القادة والزعماء فيستمع برحابة صدر وبشاشة للمتحدث. وقد حكى لي صديق عاش في الأمارات منذ منتصف السبعينات من القرن الميلادي الماضي قصة لم يحكها إليه أحد ولكنه كان شاهد عيان عليها تجسد لك كيف كان يسوس مواطنيه.
كان ذلك بجامعة العين الوليدة حينها في منتصف السبعينات، إحتج بعض الطلبة على ما كانوا يرونه تقصيراً من الدولة في حقهم، وكانوا طليعة الجامعيين وقتها، وسرعان، وبفعل بعض المندسين، تحول إتجاه حركتهم الإحتجاجية ليشمل الأوضاع الدستورية وغيرها من الشعارات التي لا يستطيع أي منصف واعٍ أن يجد لها مكاناً في ذلك المجتمع، وفي ظل عطاء الدولة النوعي لمواطنيها مما لا يمكن أن تجد له مثيلاً في أعتى المجتمعات العربية والرأسمالية.
أراد المسؤولين عن المن أن يتعاملوا مع الحدث عندما اعتصم الطلاب الجامعة، إلا أن الشيخ زايد وبحكمة الأب والراعي قاد سيارته بنفسه واتجه صوب الجامعة، وتحدث من قلبه لأبنائه.
لم يعاتبهم أو يعنفهم، ولم يذكرهم بما يعطيهم الوطن فهذا حقهم، ولكنه قال لهم بأنه كان يظن بأنه خادم ممتاز لأبنائه، أما وهم يظنونه مقصراً، إذن فلا داعٍ لأن يستمر في تحمل مسؤوليات لا يوفيها حقها وقدرها، طالما هذا هو ظنهم، وعليه فقد عرض عليهم ان يتنازل عن تحمل المسؤولية وأن يختاروا هم من يرونه أهلاً لتحملها.
حينها شعر الطلبة بأنهم على وشك اليتم بعد أن كاد الأب الراعي أن ينفض يديه عنهم، فأجهشـوا بالبكاء وهم يستعطفونه أن يبقى أباً لهم، لأنهم لا يتصورون كيف سيكون حالهم بعده.
وماذا بين يدينا
الآن ترجل الفارس عن فرسه، وقد أختاره الله للتي هي أبقى، وأصبح حقيقة وواقعاً، إلا أن البصمات التي تركها هذا الفارس العربي الأصيل الذي حاء إلينا من أزمنة الزهو والكبرياء العربي، مجسداً الحكمة العربية، ومشخصاً النبل العربي في أبهى صوره، ستظل محفورة بأحرف من نور مضئ وضئ في كتاب التاريخ العربي.
ولعل تجربة إتحاد الإمارات المتصالحة، أو معجزة دولة الإمارات العربية المتحدة تصلح نموذجاً يمكن أن يعطينا الكثير، لتحقيق حلم الوحدة العربية الكبرى التي أعجزت كل طبيب، لو عكفنا على دراستها بعقول مفتوحة، فهي معجزة الشيخ زايد الكبرى.
إلا رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وبما أن المصاب يشمل أمته كلها من خليجها إلى محيطها، نسأل الله أن يلهمنا الصبر والسلوان.
وأن يمنحنا الصبر والشجاعة والقوة والحكمة لنكمل ما بدأه، إنه سميع مجيب.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أكاديمي وكاتب سعودي
E-Mail: DR_ binSabaan@hotmail.com
***************************************
د. سيّار الجميل:
زعيم السواحل والدواخل: الشيخ زايد يرحل نحو الخلود
ورحل زعيم عربي آخر من الزعماء البناة الذين انجبهم القرن العشرون في هذا العالم .. رحل الزعيم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الى دار الخلود بعد ان سجل تاريخا ناصعا لامعا.. وضيئا مضيئا باعماله ومنجزاته وعظمة قيادته الحكيمة.. بمبادراته ومواقفه ليس ازاء الاحداث حسب، بل من قضايا شعوب عديدة فضلا عن الرؤية الثاقبة التي تمتع بها والحنكة السياسية التي تميز بادائها في حياته الحافلة على المستوى المحلي والمستوى الوطني والعربي والاقليمي والدولي.. واذا كان اتحاد امارات الساحل يعد واحدا من منجزاته التاريخية الكبرى، اذ استطيع القول جازما بأن هذا الزعيم هو الوحيد من بين زعماء القرن العشرين الذين نجحوا بتوحيد سبع امارات في دولة اتحادية تميزت بخصائصها الفريدة وخصوصا عندما اجتمعت كل من الكونفدرالية والفيدرالية فيها، واستطاع الرجل الموّحد لها ان يخلق منها دولة اتحادية على المستوى السياسي وتضامنية على المستوى الاجتماعي.. دولة لها ثقلها الاقتصادي والسياسي المؤثر في المنطقة، بل لتغدو دولة جاذبة بمدنها الكوزموبوليتانية بسبب حداثتها وما تنعم به من رخاء وتطور في كل جوانب الحياة.. لقد كان للراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الفضل الكبير في رسم معالم الحياة لمنطقة كانت خاملة على اشد ما يكون الخمول، ونجح في توظيف الموارد الاقتصادية لبلاده والشروع بثورة في الاعمار والبناء والاستثمارات والري والزراعة والتجارة والخدمات والاتصالات والمواصلات..
كما وانتصر انتصارا تاريخيا برغم كل الصعاب وانعدام الاستقرار في المنطقة ببناء دولة مسالمة وحيوية وناضجة ومزدهرة لها قدرتها على ان تحيا آمنة ومستقرة اذ كان حكيما في ارساء جملة من القيم والمبادىء الداعية للسلم بعيدا عن شبح الحروب اذ نأى ببلاده عن الصراعات والنزاعات مهما كانت الاثمان.. بل ودعا في مواقفه العديدة الى استخدام العقل والحكمة في صنع القرارات ! ولم يكن يخشى من اصدار مبادراته التي يدرك مدى نفعها بالنسبة للدول والشعوب في المنطقة، ويكفي ما صدر عنه من مواقف ومبادرات منذ حرب الخليج الاولى امتداد الى غزو الكويت وتحريرها وصولا الى الحرب الخليجية الثالثة واصداره مبادرته الشهيرة الاخيرة التي ثمنها المخلصون من ابناء الشعب العراقي اذ كان الزعيم الوحيد الذي قال كلمته وهو يقف مع العراق وشعبه بدعوته صدام حسين الى الرحيل ومواجهة قدره ومصيره من دون ان يعّرض بلاده الى الدمار بادخالها اتون الحرب.. ولكن ويا للاسف لم يسمع لندائه احد لا صدام ولا مناصريه ولا جامعة الدول العربية التي لم تقف مع مبادرة زايد.. ففي حين تكلم هذا الزعيم بشجاعة، آثر الاخرون السكوت خوفا من المتصارعين !
الزعامة الاتحادية والريادة التاريخية
لقد كان لكل من الزعامة الاتحادية والريادة التاريخية القوية لدى الشيخ زايد دورهما المؤثر في تلاقي الصفوة الذكية من اجل تأسيس الدولة وتوحيد المجتمع بعد تمزق طويل الأمد، فكان الرجل بذلك قد سبق بعمله هذا زعامات عربية مختلفة ومتنوعة في كل من المشرق والمغرب العربيين والتي كانت ولم تزل قد جعلت من زعاماتها السياسية والسلطوية في مقدمة الاشتراطات ! وعليه، فقد نجحت التجربة الاتحادية الفيدرالية - الكونفدرالية الإماراتية نجاحا تاريخيا في القرن العشرين بفعل العمل على تلاحم المجتمع عضويا، فكانت الزعامة لدى الشيخ زايد اجتماعية تضامنية اكثر منها سياسية سلطوية، وإنها كانت قيمية وواقعية وليست حزبية وأيديولوجية.. وان الدولة الاتحادية التي أسسها هي تعبير عن إرادة مجتمع وليس العكس. هكذا، غدا بهذه التجربة صاحب هدف استراتيجي عروبي نبيل وليس لغاية مصلحية ايديولوجية مؤقتة.. ومقارنة بتجارب عربية فاشلة أخرى، فان زعامات سياسية وسلطوية وأيديولوجية كانت ولما تزل تفكر بالأسلوب المعاكس على امتداد القرن العشرين ، وأنها تضع العربة قبل الحصان، أي يعلنوا عن مشروعات وحدوية لدول من دون أن تكون مشروعاتهم تلك تعبير عن وحدة مجتمع ! فكان ينالها الفشل في كل مرة.
ان المستقبل سيقف مندهشا جدا من خلال البحث التاريخي الذي سيحلل من خلال المفاهيم والتطبيقات: كاريزما الشيخ زايد التي تحلّت بمرونة فائقة في التفكير السياسي الواقعي وأيمانه بأن الوطن لا يمكنه أن يبقى إلا من خلال التضامنيات الاجتماعية سواء كانت القبلية أم المدنية. إن المرونة الفكرية لتوظيف التاريخ الحديث بكل ما حفل به من مفارقات وصراع أضداد وهيمنات خارجية واطماع إقليمية.. يقابله تعامل أصيل مع الممكنات في الواقع.. وقد غدا الشيخ زايد فعلا في موقع الاستثناء عن غيره من الزعماء العرب في القرن العشرين. وسيخلص سجل التاريخ إلى جملة من الاستنتاجات المهمة التي يمكنها أن تفيد كثيرا في بناء المستقبل، خصوصا اذا علمنا بأن الزعيم الراحل قد استلهم تجارب التاريخ القريبة في تضامنيات المجتمع ليحمي كل من السواحل والدواخل بمنجزه التاريخي المتمّثل بدولة الاتحاد التي بدأت نواتها بين امارتي ابو ظبي ودبي منذ التقى الراحلين الكبيرين الشيخين زايد وراشد رحمهما الله من العام 1968 كي تنبثق نواة دولة الاتحاد بين مشيخات الساحل وتنطلق رسميا في العام 1971 باسم دولة اتحاد الامارات العربية المتحدة. وكم نتذكر من مواقف عربية واقليمية ازاء ذلك الانجاز وخصوصا اولئك الذين وقفوا ضده سياسيا واعلاميا متهمين اياه بشتى التهم، ولكنه انتصر بارادته عليهم وقد خذلوا جميعا من خلال استمرار الاتحاد وقوته.
الحس التاريخي وقيمة الزمن
لعل أهم ما يميز الشيخ زايد كما تطلعنا مواقفه وأقواله وافعاله ذهنيته المتوقدة ووعيه المستمر بالتاريخ وتحسسه بقيمة الزمن، فالرجل يمتلك رؤية عميقة بسلاسل الاجيال الممتدة من الماضي إلى الحاضر، وهي كافية كي تجعله صاحب أهم التطلعات الواقعية نحو المستقبل. ويكفي أن نقف قليلا لنتفحص بعض أقواله، إذ قال: " الآباء هم الرعيل الأول الذي لولا جلدهم على خطوب الزمان وقساوة العيش لما كتب لجيلنا الوجود على هذه الأرض التي ننعم اليوم بخيراتها " . إن نظرة متمعنة في النص أعلاه ستكشف لنا عن قدرة الرجل من خلال ما تمتع به من حكمة وكونه صاحب رؤية ثاقبة في تفهم الماضي ومعرفته بما كان قد صادف آباؤه وأجداده من الذين سماهم بـ " الرعيل الأول" من خطوب الزمان على امتداد تاريخ طويل، والخطوب كثيرة امتدت قرونا طويلة.. كما وأنه يشعر بمعاناتهم من قساوة العيش في بيئتهم الجغرافية الصعبة التي عاشوا فيها، فكان لهم جلدهم وتحملهم المشاق.. فكان ذلك كله بمثابة الزرع للسبيل نحو المستقبل الذي يحياه اليوم الرعيل الثاني الذي أتى من بعدهم، وهو الرعيل الذي يمثله جيل الشيخ زايد والشيخ راشد والشيخ خالد وبقية الرجالات من الشيوخ الذين تآلفوا حول الزعيم الراحل الشيخ زايد على هذه الأرض الطيبة التي يعتز بها زايد عندما يذكرها دوما في خطابه الرسمي والشعبي، وهو يرى خيراتها تتدفق بالعطاء على امتداد سنوات عهده في الخمسين سنة الثانية من القرن العشرين. ولكي يكون ذلك حافزا قويا على لسان هذا الزعيم الراحل الشيخ زايد إزاء أمته من اجل التطلع نحو بناء المستقبل، وقد غدت دولة الإمارات فعلا أعجوبة في الحياة العربية المعاصرة كونها غدت إحدى ابرز الدول المتطورة سريعا في العالم اليوم من نواح عدة لا حصر لها. كيف ؟
التحسس بالزمن والبناء من اجل المستقبل
دعونا نتوقف قليلا عند " نص " آخر في خطاب زايد وهو الذي استفاد من رؤيته التاريخية وإحساسه بقيمة الأجيال وتراكيب الزمن، لنتعمق قليلا في رؤيته المستقبلية، فهو يقول: " إننا نطور مجتمعنا، ونبني للأجيال القادمة حتى تجد الطريق الذي تسير عليه. وتحاول تحقيق المزيد من الأعمال، وتضيف رصيدا جديدا من الإنجازات. حتى لا تبدأ الأجيال القادمة من لا شيء ونحن إذا لم نفعل فقد لا يجد الجيل القادم الطريق الذي يواصل عليه مسيرة التقدم وواجبنا ان نضع الأساس لتقدم هذا البلد.. وهو ما نحاوله باستمرار. ان العمل هو طبيعتنا ولدينا والحمد لله الإمكانيات " .
فما معنى ذلك رؤيويا ؟
معنى ذلك أن الرجل يتملكه شعور بالمسؤولية التاريخية ليس ازاء الجيل الحالي بل حيال الأجيال القادمة التي لابد ان تجد الطريق التي يمكنها أن تسير عليه، لا لكي تبدأ دوما من نقطة الصفر، بل لتحقق المزيد من التطورات، وتضفي المزيد من الانجازات. هنا بدا الشيخ زايد وقد ترجم أقواله أفعالا بتجربته الغنية وان ما حققه خلال المرحلة الأولى تكفي لكي يوصف بالريادة في مجال مشروعات التحديث فضلا عن استقطابه سمة الكاريزما (= القيادة السحرية )، ومنذ ان نجح في مجال بناء الكيان السياسي الاتحادي. لقد نجح الشيخ زايد في ارساء اسس التقدم باعتماده على ركيزتين قويتين في مشروعاته في التحديث، اولاهما: التخطيط والعمل والمتابعة والتنظيم والدينامية وثانيهما: الإمكانيات والانفاقات لكل ما يتيح نجاح عمليات التطوير بحيث يراعي مردوداتها في المؤسسات الدافعة باتجاه توسعة الدور الاقتصادي الإنتاجي وليس الاستهلاكي حسب.
إن ريادة الشيخ زايد الكاريزمية قد انبثقت من إحساسه بقيمة الزمن والوعي بتاريخ وتراث الآباء والأجداد، وهذا ما افتقدته تجارب عديدة في العالمين العربي والإسلامي، وخصوصا تلك البلدان التي أخفقت تجاربها التنموية بسبب افتقادها لتوظيف التاريخ والوعي به والإحساس بتحديات المستقبل، فكانت أن استخدمت أساليب دوغمائية وأيديولوجية وثورية طوباوية باسم التقدمية والانقلابية وضمن واجهات شعاراتية وحزبية ونفعية بنتهامية وفوضوية ودموية في بعض الأحيان ! مثلها أناس افتقدوا الواقعية وقاسوا تجاربهم بقياسات خاطئة، وتعاملوا مع الواقع بأساليب الانخراط في أحابيل " لعبة الأمم " وصراع الشرق والغرب، ولم يدركوا موقعهم الحقيقي من حركة التاريخ في القرن العشرين، كما ولم يعوا خطورة مسؤولياتهم ودورهم في معالجة الحاضر وبناء المستقبل.. فضيعوا على الاجيال القادمة الطريق. ويبدو واضحا مصير العديد من بلدان العالمين العربي والاسلامي محفوف بالمخاطر ازاء التحديات القادمة.
وأخيرا: ماذا يمكنني ان اقول ؟
وأخيرا أقول بأن تجربة دولة الامارات العربية في التحديث خلال ثلاثين سنة من حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: تجربة رائدة ونادرة الحصول في قياسها الزمني ومنتجاتها الكبرى وان مستقبلها سيبقى زاهيا زاهرا.. وستكون مثلا رائعا بالنسبة لبقية التجارب العربية وغير العربية في العالم، واتمنى ان يعاد اكتشاف التجربة من جديد بمزيد من الدراسات والبحوث لكي يكون انموذجها التاريخي درسا بليغا في الحياة المعاصرة وبناء المستقبل العربي المنشود. وبهذه المناسبة الحزينة التي رحل فيها الزعيم الشيخ زايد اتمنى على كل الدارسين والمثقفين العرب المعاصرين اعادة قراءة تجربة هذا الرجل والتعمق طويلا في مواقفه والتأمل كثيرا في منجزاته التي لا تعد ولا تحصى وكواحد من العمالقة الذين انجبهم تاريخنا العربي.. فضلا عن دعوتي المتواضعة لكل الزعماء العرب ان تكون تجربة الراحل الكبير مثلا رائعا لهم يتعلمون منه الكثير.. راجين من خلفه ان يسير على النهج الذي اختطه الزعيم الراحل الذي غدا في عداد الخالدين.. رحم الله تعالى زعيم السواحل والدواخل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واسكنه فسيح جنانه وانا لله وانا اليه راجعون.
مؤرخ واكاديمي عراقي مقيم في كندا والامارت
*******************************
محمد حسن أحمد
أي بكاء يليق بك.. وأنت الوطن كله
الساعة الثامنة مساء
صوت بكاء يشبه صوت أمي حين يسكنها المدى يأتي متقطعا من خلف باب غرفتي، بينما نومي يلازم أحلامه، لم توقظني هدنتي مع الصوت في البداية ولم تمر ثواني إلا وبشقيقي الكبير يدخل ببكاء آخر يشبه اللاوعي وهو يقولها بالحرف الواحد " زايد مات محمد "..
تناولت قرص العزاء بوفرة، بينما الخبر يتسرب بداخلي كرجل حي تنفضه كل السنوات التي مرت وهو يعشق هذا الرجل كما كل إماراتي، ربما لا أحد يعرف بالضبط ما معنى أن يقول أحدهم " مات زايد " هي الكلمة التي ظل كل إماراتي يفرغها بداخله بهدوء، ولا ينظر إليه بعمق لأن زايد لا يموت، لا يموت أبدا بداخلنا.
حين خرجت كانت أمي في بكاء طويل تمنح روحها كل هذا الحزن برحيل الأب، لم أجدها تبكي بحرقة وقوة إلا في وفاة جدي قبل سنوات، حين غادرتها إلى التلفاز وأنا بنصف وعيّ رأيت الكل في دموعهم منهارين أمام التلفاز، كان الخبر للتو يذاع في القنوات بشكل متوالي، بينما هجعة روحي تتنفس ببطء بينما دموعي التي تبكي تفاوض رائحة الحزن من جديد، لم أدرك بأن لي جسد يستطيع الوقوف كثيرا فارتديت صمتي وانزويت وحيدا يتقاسمني هذا الحزن بشكله العميق، كيف لنا أن نفقد هذا القلب، انه قلبنا جميعا، قلب الوطن والأمة.
كنت دائما حين أرى وجه " أبونا زايد " في التلفاز أجد نفسي في دعاء بوقار له، فلا يمكن أن تكبر كل تلك السنوات وأنت تغمرك حدس وفكر ويد هذا الرجل، الأب الذي نفتخر في ذكره في كل مكان، الأب الذي نتقاسم معه صيغة الأبوية إمام العائلة، فهو " بابا زايد " في لسان أمي وجدتي وأخوتي وأبناء أختي.
مرت الدقائق بينما دموعي تفقد عافيتها وتدخل لحظات الحزن بعمق والعائلة تجلس في بكاء وحزن، صوت الهاتف المتحرك يتدفق بشكل هستيري، ربما لا أحد يصدق هذا الغياب، أحد الأصدقاء يتصل باكيا وهو عائد إلى إمارة رأس الخيمة يقول أنه لا يستطيع القيادة أبدا، ورسالة من الشاعرة ضياء يوسف تقول فيها " كيف بعزي وطن بموت قلب.. وكيف بعزي قلب بموت وطن.. ابكي والله لأجله ".
هنا بالذات بدأت المساجد عبر مكبرات الصوت بتلاوة القرآن الكريم، واختلطت الأصوات التي أخذت لها مكانا في صمت الوطن، وتناقلت الأخبار بالتجمعات الشعبية للدعاء له..
رحل زايد بن سلطان آل نهيان.
رحل " بابا زايد "
بعد 33 سنة من الحكم والعطاء والخير والبناء.
لا شيء يمكن أن يصدق سوى أنه " إنسان " وبان الموت حق على كل نفس.. نؤمن بهذا، لكن لا نستوعب غيابه أبدا، فكل شيء في الوطن ينبض باسمه.. رحمك الله يا بوخليفه.
..
..
" زايد مات يا محمد "
افجع كلمة سمعتها في كل سنوات عمري.
رحمك الله " بابا زايد "
شاعر وكاتب إماراتي
www.alwjh.com
*********
نصر المجالي
يا حكيم العرب .. بياك يا به
إن قرر العرب قطع النفط عن غيرهم ،،، أقطع أبوه، هذا ما قاله الحكيم الغادي الذي نفتقده لدهر يأتي من الزمن فلا عوض له، زايد بن سلطان آل نهيان، رجل كان عند كلمته ولا يخاف إلا حق المساكين والمظلومين فكان هو نصيرهم، وقبل أن يكون شيخ شعبه وعزوتهم في دولة الإمارات السبع التي وحدها من بعد شعثها، فهو الضيف الدائم الدخول مرحبا به من دون استئذان في كل بيت عربي أعوزته حاجات الدهر وعالات الزمان والمكان.
مرة التقيته من بعض من مرات، حيث جاء بي الزمان إلى وطنه الذي جعل منه وطنا لكل العرب ، وكان الحال العربي مرتبكا كعادته، وقال العود يا ولدي هات ما عندك" قلت لاشيء طال عمرك، أنا جئت للسلام عليك يا فارس العرب"، قال لأ ..، أحمد يقول (يعني أحمد خليفة السويدي انك تريد أن في بالك تسألني شيئا، وكان السويدي مستشاره الخاص ورجل المهمات الصعبة) في بالك سؤال ..، قلت نعم ، قال لي قول ، قلت يا طويل العمر الحال متوتر بين العقيد القذافي وياسر عرفات وحافظ الأسد؟. كان هذا بعد اجتياح إسرائيل للبنان واحتلال عاصمته وطرد عرفات من هناك.
صمت الشيخ العود لحظة وأدار بخيزرانه الذي لم يكن يفارقه رمل الأرض، وكأنه يرسم خريطة الوطن العربي، التفت إلى عبد الله النويس وكان وقتها وكيلا لوزارة الإعلام، ومحظيا لديه، سائلا إياه: إش رايك يا عبد الله؟، قال عبد الله : طال عمرك الراي رايك.....
قال الشيخ الذي غادرنا جسما بالأمس، وسيبقى معنا إلى الأبد ذكرى وذاكرة: اسمع اكتب في جريدة تريم عمران، وهنا يعني جريدة الخليج التي كان تريم رئيسها وكان رئيس برلمان الإمارات المعين (يرحمه الله) : اسمع بودي أن أركب الآن وأحول على معمر وحافظ، وأن آتي بياسر من اليونان ليلتقي الجميع، حنا يا ودي بلد واحد وحنا يا مجالي قبيلة واحدة، يا ليت ان يكون هودج عروسنا القدس؟".
كان زايد يحلم أن يصلي في القدس، وهو الذي قال إن وافق العرب على قطع النفط "اقطع أبوه"، حالم كان زايد ، ليته وإن غادرنا يعود،،، فالحال ذات الحال على ما كان يريده،،
والتاريخ سيكتب للزعيم والأب التاريخي لأول وحدة عربية استمرت عقودا من بين دمعتيه، سجلا لا من قبله أو من بعده، فهو كان الحافظ الأمين لأول وحدة في التاريخ العربي، وهي تمثلت في قراره قطع النفط في العام 1973 حين قال "أقطع أبوه"، وهو زايد الراحل الكبير الذي ادخل فلسطين "هودج العرب" غلى قصر بكينغهام في العام 1989 حين كان في زيارة رسمية مستقبلا بسام أبو شريف في القصر الملكي البريطاني ذاته.
في عهد زايد، تقدمت دولة الإمارات العربية، إلى أكثر مدى، وصارت دولة عالمية لها قرارا جل أن تحققه دول أخرى ذات باع كبير ووزن في العلاقات الدولية،،، وكانت طيبة زايد عي شعار كل المراحل في التعاطي مع الأحداث،، ما صغر منها وما كبر،،.
أليس زايد الراحل هو من دمعت عيناه في العام 1979 حين أراد نفر منشق تدمير الاتحاد؟، إذ لا تزال الصورة ماثلة بالمسيرة التاريخية من جامعة العين سيرا على الأقدام نحو أبو ظبي مطالبة إياه أن يكون أبا وقائدا وزعيما؟،،،
يا فارس العرب تذهب اليوم، ولقد أديت قسطك للعلا فنم، وبياك يابه!.
http://www.elaph.com/ElaphWriter/2004/11/19682.htm
***************************************
عامر مخيمر الحنتولي
فارس الصحراء .. نم قرير العين
قبل ساعات قليلة من اليوم الماضي أطفأت الشمعة الثامنة "هاويا" في بلاط صاحبة الجلالة ، لم أتجرأ خلالها على كتابة مقال أقول فيه رأيي أو أحاسيسي تجاه حدث معين أو قضية دينية أو سياسية أو قومية وكنت متشبثا بالألم اللذيذ المتمثل في مطاردة مسؤول أردني أو عربي للحصول منه على خبر أو معلومة أكتبه على عجل لأظهر أمام رؤسائي في العمل الصحافي بمظهر الصحافي النشط والمتابع لكل شاردة وواردة، وقد تيسر لي ذلك بفضل الله كثيرا خلال السنوات الماضية.
لكن اليوم الوضع مختلفا بشدة فقد تناهى الي الخبر الأليم بوفاة رئيس دولة الإمارات العربية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن آل نهيان لأهرول الى ورق متناثر فوق مكتبي لكتابة شئ عن مكنون الصدور تجاه الراحل العظيم الذي أحال صحراء بلاده اللاهبة الى بساتين وبحيرات وجنان وناطحات سحاب شامخة مثله تماما، فلم يكن مستحيلا أن يحقق الحلم الفريد هو الذي أدار وساس بلاده عبر ستة عقود خلت تحمل خلالها أمانة المسؤولية مسؤولا وحاكما بالحكمة والنصح والمشورة وبمايرضي الله عز وجل ، فالتحليل والتحريم الشرعي كانت لديه أساسيات لطالما أغضبت الساعين لنجاحات سريعة دون ضوابط أخلاقية أو شرعية لكنه ظل وفيا لبداوته التي رضغها منذ الصغر مرتحلا بين بيوت الشعر ومجالس الحكمة ، فلم يغرى الراحل بما تطاول من البنيان وظل على حاجته للبساطة والتقشف والخشونة التي طبعت شخصيته ولاء لفلسلفة الصحراء الإماراتية إذ ظل فارسا لها، فلطالما دخل الى بيوت ودواوين الإماراتيين من عامة الشعب يتناول معهم ماتيسر من الطعام متسائلا عن أحوالهم يشاركهم الجلوس أرضا دون بروتوكول المقاعد الجلدية الوثيرة، أما عصاته التي كان " دلعها" بين يديه تسحر الإماراتيين وتوحدهم خلال الأزمات والمحن وتؤلف قلوبهم فلا بواكي لها اليوم بعد أن ظلت وحيدة دون حاملها وقد سجي الى جانبها قرير العين.
نقول اليوم بصوت هامس تخنقه العبرات أن فارس الصحراء ترجل عن فرسه لكنه لم يمت، فمن يصلي الآلاف مع كل فريضة في مساجد بناها بمال حلال من جيبه حول العالم للفقراء والمعوزين لتأدية فرائض الله وسائر عباداته ، لم يمت ومن كفل آلاف الأيتام حول المعمورة لم يمت قلبه وإن ووري جسده الطاهر، ومن علم وحفظ القرآن الكريم للملايين من الفتيان الصغار في شرق العالم وغربه لانصدق أنه لن يواصل عطائه وخيراته.
ينقطع عمل المؤمن بعد وفاته إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له، كما قال رسول الهدى والبشرية محمد صلوات الله عليه وسلم وما من شك أن زايد الخير علم الناس ماينفعهم وجريان صدقاته وخيراته لايوقفه إلا قيام الساعة، أما الدعاء فأيتام زايد وهم بالملايين من اللذين يدينون له بمساعدة أو معروف أو معونة حتما سيصعدون دعائهم بأن ينزل الله شآبيب الرحمة والغفران على جسد زايد الخير.
أقول نم زايد قرير العين فالبلاد التي أحببت وبنيت وأعليت تضم تحت أجنحتها وريشها الدافئ رجالا أوفياء سيتابعون نهج وسيرة زايد الذي اقترب من الجميع غير عابئ بمرضه مفضلا الإستماع الى هموم الناس ومشاكلهم بعيدا عن لغة التقارير المنمقة التي ترده من المسؤولين وكان يحرص دائما غفر الله له وأسكنه علياء الفردوس على التأكد من حل المشاكل التي وردت إليه ، فقد عرف بتوجهه الاسلامي وحبه لعمل الخير وكان لنشوئه في عائلة آل نهيان الاثر الكبير في بناء شخصية جبلت على حب الخير للآخرين والسعي لمساعدتهم وكان للصفات الحميدة التي تتحلى بها والدته الشيخة سلامة تأثير كبير طبع طفولته بصور راسخة عن عمل الخير والعطاء رغم شح الامكانات في تلك الفترة وربما انعدامها احيانا، حيث كان يذكرها في احد احاديثه للصحافي وجيه ابو ذكرى بتأثر عاطفي كبير مبرزا الصفات التي كانت تتحلى بها هذه السيدة «من صفاتها انها اذا علمت ان اي انسان يعيش في ضائقة وحاله غير مرضية كانت تستدعيه وتقدم له كل ما تستطيع من مساعدةبل وتطلب منه اذا بدت له حاجة ان يبلغها حتى تساعده وكانت اذا سمعت عن انسان مريض اهتمت به وارسلت اليه احدا من الخدم او الحاشية ليطمئن عليه وليعرف ما يحتاجه من علاج كي تعده له.. هذا ما اعرفه عنها.. ثم انها كانت تحيطني برعايتها في ذهابي وايابي «.. لقد كانت اما متميزة وعظيمة. ولا اذكر انها غضبت مني ابدا.. وطول عمرها لم تنس في يوم من الايام شيئا من واجباتها نحو الصديق او القريب او صلة الرحم او من الاهل او من الشعب ابدا.. لم تنس او تتناس ذلك ابدا. والذي اعرفه جيدا انني طول حياتها وحتى ان فقدتها لم تغضب مني ابدا.. ولم اغضب منها ابدا وكنت دائما حريصا على رضائها..» كانت الشيخة سلامة المدرسة الاولى للتربية الاصيلة التي نهل من معينها.
ولاجل هذا تم اختياره عام 1999 شخصية العام الاسلامية في الدورة الثالثة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، واعلن ذلك الشيخ محمد بن راشد ولي عهد دبي وزير الدفاع بقوله ان الشيخ زايد احد القادة الذين طبعوا بصماتهم على صفحات التاريخ الحديث واحد الذين كان لهم الاثر البالغ في رسم صورة المنطقة خلال العقود الاخيرة وهو القائد الاسلامي والزعيم العربي الذي يجعل من الاسلام منطلقا له في كافة تصوراته ورؤاه لقضايا العصر. وقال: «ان اعمال رئيس الدولة تشهد له في مشارق الارض ومغاربها بالخير».
واوجز النتاج الطيب لجهده في الميدان الاسلامي، مشيرا الى ان قيادته نقلت دولة الامارات من التفرق والتخلف الى الاتحاد والوحدة والتقدم معطيا نموذجا للعمل الوحدوي ومجسدا ما دعا اليه الدين الاسلامي في التعاون والاخاء والتكافل ونبذ الخلافات.
مرة أخرى أحسب أن زايد لم يمت فروحه العذبة والخيرة بيننا.. وثانية نم قرير العين والى حنات الخلد يافارس الصحراء، وياحكيم العرب.
• صحافي أردني