الحربوق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
بحلقت في فاتورة الفندق في بيروت غير مصدِّق: ستَّة وستُّون دولارًا ثمن ثلاث مخابرات، اثنتان إلى دمشق وثالثة محلِّيَّة، لا تتجاوز مدَّة كلِّ مخابرة الدقيقتين. سألت الموظَّف عن سبب ارتفاع كلفة الفاتورة بهذا الشكل، فأجاب بأنَّ كومبيوتر الفندق سجَّل علي عددًا كبيرًا من المخابرات، وتبرَّع أن يطبع لي السجل. وبالفعل طبع حوالي الصفحتين من التفاصيل عن استعمالي الهاتف ذلك الصباح. نظرت إلى السجل، فإذا به يسجِّل المخابرات الثلاث، ولكنَّه سجَّل أيضًا جميع المحاولات التي قمت بها للاتصال من غير أن أوفَّق بالتكلُّم مع الجهة التي كنت أطلبها إمَّا لأنَّ الخط كان مشغولاً أو لأنَّ الشخص الذي أطلبه لم يردَّ على الهاتف. قلت للموظَّف: ولكنَّني لم أتكلَّم في أيٍّ من تلك المحاولات العديدة. أجاب: صحيح، ولكنَّك رفعت سمَّاعة الهاتف أكثر من مرَّة!"
بالطبع، لم أدفع الفاتورة كما هي، بل حوالي العشرين دولارًا "فكَّة مشكل" وتركت الفندق حزينًا على بلد يسرق فيه بعض أبنائه أنفسهم فيما يحسبونه شطارة. وتذكَّرت عددًا كبيرًا من القصص المماثلة التي تناهت إلى مسمعي أثناء زياراتي الأخيرة لبيروت، أو من أصدقاء خليجيِّين، كان آخرهم بحريني على غاية في الدماثة واللطف حين قال لي في طائرة العودة من بيروت: "في لبنان كل شئ "هيك وهيك" وأشار بيده في حركة التوائيَّة."
السائق الذي لطش من السيِّدة الكويتيَّة ستَّة عشر دولارًا أجرة لسيَّارته من ساحة النجمة إلى فندق فينيسيا – الأجرة ثلاث دولارات – هو هيك وهيك. ومثله موظَّف الفندق الذي أرادني أن أدفع ثمن رفعي سمَّاعة الهاتف، ناهيك عن المثل الكلاسيكي القديم، والذي كان يُعتبر قمَّة في "حربقة" اللبناني، حين كان سائق التاكسي يأخذ السائح إلى نموذج مصغَّر عن قلعة بعلبك، بالقرب متحف بيروت، ويلطش منه ثمن التعريفة كاملة إلى بعلبك.
المشكلة هي أنَّ أولئك اللبنانيِّين الذين يتصرَّفون هكذا إنَّما يذبحون الأوزة التي تبيض ذهبًا. إنَّ هذا النوع من السرقة التي يحاول بعض اللبنانيِّين الاعتداد بها على أنَّها "حربقة" لبنانيَّة بامتياز، ومحترفها "حربوق" – أي شاطر يعرف من أين تؤكل الكتف - هي في الواقع بلاهة إلى أبعد الحدود. إنَّ هذه "الحربقة" تقوم على أنَّ السائح الذي يأتي لبنان ما هو سوى عابر سبيل ضلَّ طريقه في منطقة طُيّاح فحلَّت سرقته، وعليه، حَمْدَ ربَّه وشكره لأنَّه نجا بحياته وبعض ثيابه. بينما تعتبر جميع الدول السياحيَّة التي تحترم نفسها السائح ضيفًا تريد منه يقصدها سائحًا سنة بعد سنة، وأن يخبر أصدقاءه لكي يصبحوا هم أيضًا من ضيوفها العائدين.
مثل هذه البلاهة لا تنحصر بصغار "الحرابقة"، بل تمتد إلى جميع مناحي الحياة اللبنانيَّة، وفي مقدَّمتها السياسة، انطلاقًا من النظام الطائفي الذي اعتُبر آية ومثالاً في "حربقة" الطائفيِّين بعضهم على بعض، انتهاء بالوظائف حيث تحلُّ شجرة العائلة محلَّ شهادة الكفاءة كما عبَّر عن ذلك فنَّان كاريكاتوري مؤخَّرًا. أمَّا ثمن هذه البلاهة فهو حرب أهليَّة مدمِّرة بين الحين والآخر، ناهيك عن الفقر والهجرة والكيديَّة والقمع، وفوق هذا كلِّه، التشاوف.
ولا نتكلَّم هنا عن اليوم فحسب، فيأخذ كلامنا مُغْرِضٌ ليحمِّله ما لا يحمل. فنحن وإن كنَّا قد اغتربنا عن البلد لمدَّة تقارب الثلاثة عقود إلاَّ أنَّ ذاكرتنا لا تخنَّا. بل أنَّ كلَّ "حربقة" تصادفنا تذكِّرنا بأخرى سابقة. لقد هجَّرتنا حرب كانت وليد الحربقة موديل سنة 1975. الحربقة نفسها تهجِّر الشباب اللبناني، وتبعد السائح العربي سنة 2004.