العراق الجديد.. والتحديات
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
قبل الحرب كنا نخاف على العراق من أن تتطور حربه مع أمريكا إلى حرب أهلية، تنتهي بتفككه وتشرذمه إلى دويلات، لاسيما وأن تركيبته الديمغرافية تتشكل من موزاييك إثنية وطائفية وقومية جاهزة ومهيئة لهذا التفكك والإنحلال. والآن ما يجري في "النجف" على وجه التحديد من أحداث، وتعامل السطات العراقية الحاكمة والسلطات الأمريكية المحتلة مع تلك التطورات، تسعى في تقديري بالوضع هناك ، وبخطى حثيثة للدخول بالعراق في نفق مظلم ، قد يُعزز من إحتمالات الحرب الأهلية وبالتالي التفكك لا سمح الله؛ أو قد يجعل الدولة الديمقراطية المأمولة هناك مجرد حلم بعيد المنال . وكلا الإمرين كما ترون أحلاهما مر .
فالذي يجب أن تدركه السلطة السياسية الجديدة في العراق أن القوة ليست دائماُهي الحل الصحيح لمواجهة التمردات، حتى ولو كانت تقف معك، وفي مساندتك، الولايات المتحدة الأمريكية . فالرأي ـ كما يقول المتنبي ـ يأتي قبلَ شجاعة الشجعان ، والسياسة هي فن الممكن، وليست دائماً فن القوة والقمع، وإلا لبقي صدام حسين في حكم العراق إلى أبد الآبدين . وهذا ما يجب أن تلتفت إليه السلطات العراقية التي تسلمت الحكم في العراق مؤخراً . فمن الواضح أن هناك تنافساً كبيراً بين مكونات الشعب العراقي بعد سقوط حكم البعث، كل فئة من هذه المكونات تحاول أن تستثمر الوضع الجديد في تحقيق أعلى قدر من المكتسبات لصالحها، هذا التنافس بين هذه الفئات قد يكون أمراً مقبولاً إذا تم وفق اللعبة السلمية الديمقراطية، ورضخ المتنافسون إلى شروط صناديق الإنتخابات ؛ غير أنه يصبح نذير شؤم ومؤشر خطورة إذا تحول إلى صراع مسلح يحتكم فيه المتصارعون إلى البندقية والرصاص، مثلما يحصل الآن مع جيش مقتدى الصدر، وهو ما نخافه على العراق الجديد بكل صراحة .
صحيح أن الصدر يحاول أن يضع ثقل أسرته المذهبي إلى جانب تياره في ممارسانه ولعباته السياسية، محاولاً توظيف تراث آبائه وأجداده الديني إلى جانبه في صراعه للسيطرة على الحكم في العراق، وصحيح أن مثل هذه "إنتهازية" قد تحول العراق إلى إيران جديدة، وصحيح أن السلطة الحاكمة يجب أن تتصدى لهذه المحاولات الغير مسؤولة والإنتهازية ولا تدعها تمر بأي حال من الأحوال، غير أن مواجهة مثل هذه اللعبات بالقوة وبالحديد والنار من قبل السلطة الحاكمة مثلما هو الوضع الآن، وبالذات والسلطة العراقية الجديدة تعتمد في قوتها على دعم المحتل الأمريكي، من شأنه أن يُعمق الفجوة بين السلطات الحاكمة والشعب العراقي، وفي المقابل يستقطب لتيار الصدر مزيداُ من التعاطف، ويخرجه أمام العراقيين، بل وأمام العرب ، بصورة البطل الذي يقود المقاومة ويسعى إلى تحرير البلاد من المحتلين. وهذا في النهاية هو كل ما يطمح تيار الصدر إليه، الأمر الذي سيجعله مهيئاً من حيث الجماهيرية و المؤيدين فيما بعد للسيطرة على الساحة السياسية العراقية سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وبالذات وبالذات فيما لو احتكم الجميع إلى الإنتخابات مثلما هو متوقع .
وهذا لا يعني البتة أنني أدعو إلى أن تذعن السلطة العراقية الشرعية لشروط التيار الصدري، وتمكنه من قيادة السفينة العراقية نحو دولة ثيوقراطية كما هو يريد، ولكن يجب أن تبذل في تقديري كل ما في وسعها بذله من جهود لتفادي الحلول العسكرية، وأن تستعين في صراعها معه بالمرجعيات الشيعية التي لها قوة ونفوذ ومكانة أعلى في التراتبية الهرمية الشيعية، بالشكل الذي يحد من قدرته على إستثمار الخطاب الديني إلى جانبه في مواجهة المؤسسة الحاكمة . وفي رأيي أن مثل هذه المناورات هي الحل الأفضل و الأمثل لتطويق حركة الصدر وتفريغها من محتواها، وبالذات المحتوي التراثي الديني الذي يتكىء عليه مقتدى الصدر في صراعاته السياسية.