كتَّاب إيلاف

مقبرة النجف

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يقول الباحث الموسوعي محمد سعيد الطريحي أن النجف تقع على الربوات الثلاث التي بنيت عليها الدور والمحلات، وهي الظهر المتصل بالكوفة ووريثتها الفكرية والحاضرة العلمية العربية الهامة صاحبة الدور الفاعل والمؤثر في القيادة الروحية ومحصل نتائجها.
والنجف في اللغة مكان لايعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، جمعه نجاف وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء ( الفرات ) أن يعلو الكوفة ومقابرها، تقع في الطرف الغربي من المنطقة الوسطى فوق الهضبة الغربية، بعيدة عن نهر الفرات وتعتبر من المدن الحدودية الغربية.
وأخذت النجف اهميتها عند اكتشاف القبر المقدس لأمير المؤمنين ( علي بن ابي طالب ) عليه السلام بعد اخفائه زمناً غير قليل أيام الامويين والعباسيين.
وللنجف اسماء عديدة منها ( الطور والربوة ووادي السلام والغري والمشهد والجودي وبانقيا واللسان )، وترتفع مدينة النجف 70 متراً عن سطح البحر، ومناخها حار جاف صيفا وبارد قارص شتاء.
وتأتي أهمية النجف من وجود ضريح الأمام علي بن ابي طالب عليه السلام فوق ثراها، بالأضافة الى كونها مركزا للحوزة العلمية والمجتهدين من اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام ومركزاً عالمياً فلسفياً ودينياً لطلبة الفقه والفلسفة والعلوم الدينية.
وتقع مقبرة النجف في الجانب الشمالي من مدينة النجف، وتعد من اكبر المقابر الأسلامية في العالم، ولاتقتصر على مقابر العراقيين، وانما تضم جنسيات مختلفة.
وكان يتم ايصال الجنائز الى مقبرة النجف على ظهور الحيوانات وبواسطة اكلاك الماء عبر نهري الفرات ودجلة وعلى الجمال من خارج العراق، ثم تطور الأمر ليصير النقل بواسطة السيارات والطائرات.
وفي هذه المقبرة الشاسعة قبور كل من نبي الله هود ونبي الله صالح عليهما السلام حيث يكون قبرهما في الوادي الغربي، ويقع قبر الصحابي الجليل اليماني صافي الصفا خارج منطقة وادي السلام على ساحل بحر النجف في الكتف الغربي من المدينة.
وهذه المقبرة التي تضم مئات الالاف من القبور التي اندرست او التي لم تزل حديثة توسعت بشكل جعل امتدادها يصل الى الكتف الشمالي للمدينة لتستحوذ على الطريق المؤدي الى مدينة كربلاء بمسافة طويلة.
ودأب الشيعة من اهل العراق، والمتمكنين مادياً من اهل الجنسيات الآخرى أن يدفنوا موتاهم داخل هذه المقبرة، حيث تشكل القبور خارطة غير منتظمة ومبعثرة لمساحات القبور، وبالرغم من تعاقب السلطات العراقية منذ العهد الملكي والى حلول العهد الجمهوري، فلم يتم الالتفات الى تنظيم الدفن وهندسة اماكن القبور وتنظيمها بما يليق بأهمية المقبرة وبأعداد الزوار حيث تخلو من ابسط الخدمات التي تحتاجها الناس ، كما لم تتعرض السلطات تلك الى حرمة المقبرة وهيبتها ولااعارتها اهتمامها اسوة بأهمال اهلها.
وتضم المقبرة قبوراً لعلماء ورجال دين وشعراء وسياسيين وقادة ورموز وطنية دخلت التاريخ العراقي المعاصر ، والحقيقة ان شواهد القبور والتي تضم اشعاراً وكتابات تحكي بأيجاز قصة الحياة والموت ونهاية الانسان المحتومة وتفصل بشكل متنوع طبيعة شخصية المتوفى وأهميته الثقافية والسياسية أو الأجتماعية والدينية .
يقول الباحث الدكنور رشيد الخيون :
(( وجود مشهد الموت اليومي حيث استقبال مقبرة النَّجف المترامية الأطراف لمئات الجنائز يومياً، عقلاء المدينة ينظرون إلى الدنيا بمنظر الهازئ بها. فقد تحولت متعلقات الموت من دفن وتغسيل وتكفين مصدر رزق للأهالي. فهل سمعت مدينة جعلت رؤية الجنازة بشارة؟ إلا النَّجف هناك شبان يترقبون الطرق الداخلة إلى المدينة، فيسألون الجنازين مَنْ دفانكم؟ وبلمحة البرق يخبر المبشرون الدفانين ليحصلون على البشارة. ))
وبعد مجيء سلطة البعث الاولى في شباط 1963 وبالنظر لتعدد الجرائم التي ارتكبتها السلطة بحق ابناء العراق فقد لجأت الى دفن البعض في الفيافي والقفار، بينما لجأت الى دفن البعض في مقبرة النجف دون اسماء، وبعد ذلك لجأت الى الدفن السري الرسمي في هذه المقابر.
وبالرغم من توسع المقبرة بأتجاه الشمال فقد بقيت القبور القديمة تشكل رمزاً للناس ومحطة تزورها العوائل وتستعيد ذكرى من دفن فيها.
وصارت مقبرة جديدة توسعت ايضاً بعد ان اكلت الحرب العراقية الآيرانية خيرة شباب العراق، غير أن السلطة الصدامية عمدت بعد انتفاضة آذار 1991 الى الأساءة الى الرموز والقبور دون الأكتراث لقيمتها الرمزية والروحية، بقصد التعمد في أيذاء اهل العراق والتنكيل بأهلهم وقبور الموتى، فدخلت الدبابات العسكرية تسحق القبور وتبعثر العظام، بعد ان كانت قد قصفت بالصواريخ البعيدة المدى تلك المنطقة، ثم قامت بفتح شوارع بقصد السيطرة الأمنية على تلك المناطق، واستطاعت بتلك الوسائل الخسيسة أن تبعثر وتلغي الاف القبور في المقبرة القديمة ولم تسمح للناس ان تلم عظام موتاها وتعيد بناء قبورها.
تتعلق الناس بالنجف بأعتبارها مدينة مقدسة تضم رفات الأمام علي بن ابي طالب عليه السلام بالأضافة الى قبور العديد من الصحابة كالصحابي صافي الصفا والصحابي كميل بن زياد النخعي ومرقد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وميثم التمار والمختار الثقفي والسيدة خديجة بنت الامام علي، ولهذا يتمسك الشيعة عرفاً وتبركاً في دفن موتاهم في تلك البقعة المباركة.
كما أن العشائر والعوائل التي دأبت منذ اجيال على دفن موتاهم في تلك المقبرة، يبقون حريصين على تجميع الموتى من الأهل والأقارب ضمن مساحة معينة ومحددة يمكن سهولة زيارتها والتردد عليها بشكل جمعي، ولكل مدينة منطقة محددة من القبور وأن كانت غير منتظمة، كما أن لعوائل كثيرة مقابر محددة، مثلما يحدد العديد من الناس مقابر لهم يقومون ببنائها قبل أن يحين آجلهم.
ولكل عائلة وعشيرة دفانها الخاص الذي يعرف قبورها ويتخصص في دفن الجدد من موتاهم، وتوزعت مهنة دفن الموتى في مقبرة النجف على عوائل نجفية عريقة تخصصت في مهنة الدفن توارثتها ، وهي من المهن الرائجة والمربحة وخاصة في ايام الكوارث والحروب والأضطرابات ، ولكل دفان مكتب للدفن يقع في مداخل مقبرة النجف يستقبل فيه روادة وجنائزهم ويقوم لهم بواجب الاعداد والتحضير لكل مستلزمات الدفن .
وأتخذ بعض الخارجين على القانون في العراق في فترات معينة من الهاربين من الخدمة العسكرية أو من المطلوبين قضائياً لأتهامهم بأرتكاب جرائم معينة من المقبرة ملاذاً ومكاناً للأختباء ، حيث توجد بعض الأماكن التي تشبه البيوت والتي يمكن للمرء أن يسكنها ليلاً وسط وحشة المقبرة وهيبة الموت.
وحين تتطلع الى الكتابات والرسوم والأشعار التي كتبها البعض على شواهد القبور الرخامية او الحجرية او المكتوبة بالخط الرديء وعلى حيطان القبر، تستطيع ان تعرف شخصية المتوفى وثقافته.
يقول الشيخ علي الشرقي :
سل الحجر الصوان والأثر العادي خليلي كم جيل احتضن الوادي
فياصيحة الأجيال فيه اذا دعــت ملايين آباء ملايين أبنــــاء
عبرت على الوادي وسفت عجاجة فكم من بلاد في الغبار وكم نادي
وبعد ان قامت القوات العراقية بتخريب القبور والأعتداء على حرمة الموتى في الزمن الصدامي البغيض، استمرت في فتح شوارع وسط المقبرة وفوق قبور الموتى التي داستها السرفات وسحقتها العجلات دون ان تقوم بما يقوم به الأنسان الذي يحترم الشعائر الدينية وحرمة الموتى في نقل الأجداث الى مقابر أخرى، وقامت بتسوير المقبرة من جهة الشارع العام في النجف بسور يمنع الدخول والخروج اليها تمهيداً لغلق المقبرة كلياً لأسباب أمنية.
وبعد سقوط الطاغية وأنهيار الدكتاتورية في العراق، لجأ بعض المقاتلين الى هذه المقبرة حماية لهم متخذين من القبور ساتراً يحميهم من قصف طائرات وقذائف الدبابات الأمريكية المحتلة في قتال غير متكافيء، مما احدث تخريباً جديداً للقبور من جراء تقاتل الطرفين، كما بدد سكون المقبرة وحرمتها بالتعدي على القبور سواء بالقذائف او بالشظايا والرصاص، وبعدم قدرة الناس على زيارة قبور موتاها ورموزها.
ولتربة النجف الرملية ميزة في كونها تشكل الطبقة السطحية من الارض بينما تخفي تحتها صخور رملية متكلسه باردة ولهذا لجأ النجفيون الى حفر ونحت سراديب عميقة في بيوتهم أتقاء لحر الصيف الحارق، بالأضافة الى حفر أبار وسط تلك السراديب بالنظر للتفاوت الكبير في درجات الحرارة مما يحفظ لهم مأكولاتهم ويقيهم هجير الحر في صحراء النجف بالأضافة الى كون هذه السراديب تشكل انفاقاً متصلة ببعضها يتخذها الناس للتخلص من تعسف السلطات والوقوع تحت طائلة الظلم.
ومن هذه الخاصية لتربة النجف الرملية تشكلت مقبرة النجف التي تختلف عن مقابر الدنيا كلها بعدم انتظامها وبعثرة قبورها واتساعها وكونها مركزا دولياً لدفن الشيعة من كل العالم.
ودون كل مقابر الدنيا تتعرض القبور في النجف لتخريب السلطات التي تعاقبت على حكم العراق، كما تتعرض للقذائف والرصاص دون حرمة لرقدة الناس فيها ودون اكتراث لواديها المسمى بوادي السلام.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف