مصافحة لمَ لا؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
قامت الدنيا ولم تقعد قبل أيام على المصافحة بين رئيس الجزائر (الكهل الشاب) الانفتاحي عبد العزيز بو تفليقة وثعلب الدبلوماسية الإسرائيلية شمعون بيريز، وعجت صحف عربية كثيرة بصور اللقاء مشحونة بافتتاحيات لا عد ولا حصر كالت التهم والانتقادات لمخضرم الجزائر إن لم نقل العرب الدبلوماسي، والطبع ليس بو تفليقة هو الأول ولن يكون الأخير بمصافحة أصدقاء الغد وشركاء المستقب شئنا أم أبينا. وقبل بو تفليقة واجه الشاب الإماراتي الانفتاحي هو الآخر محمد العبّار وأحد العقول الدبوية الناضجة حملة لا تقل ضراوة من أهل الكلام، وهو كلام لا يعبّر إلا عن استمرار هزيمة الذات التي تأصلت حتى صارت سرطانا آن بتره،، وبالطبع لم يغفر لبو تفليقة الذي للتذكير إن نفعت الذكرى "يا أولو الألباب" بتاريخه في حمل الهم العربي دبلوماسيا ومناضلا لعقود خمسة خلت في بلد المليون شهيد يحاول أهل الردة منذ نيف وعشر سنوات تقطيعها أوصالا وذبح شعبها نِكالا.
لقد تصدت جزائر بو تفليقة البومدينية لهمّ العرب حين تذابحوا بينهم، وكانت هي وسيطهم إلى العام، حتى أن خير وساطتها وصل إلى جارنا الشرقي الإيراني حين ثار ملاليه ضد الشيطان الأكبر العام 1979، فارضين على بلاد الأكاسرة وحضارة فارس حصارا غير مسبوق في التاريخ. لم تلفت جزائر بومدين لحالها وتلملم شعث نفسها بعد خروجها منتصرة من حرب امتدت من السنين قرنا ونصف القرن عددا ضد ثالث أكبر قوة في العالم، ولعل بلد كالجزائر قاتل فرنسا نابليون وصولا إلى ديغول يستحق منا أن نحني له إجلالا، لا أن نبقر بطنه ونحز عنقه كونه لم يرفع على كرسي القرار فيه حسان حطاب، وكل العصابات التي تمردت على الشرعية موغلة قتلا وسفحا بالأطفال والنساء والشيوخ. حتى إن عقد الوئام الوطني البوتفليقي يحاول بشق النفس البقاء وسط حمامات الدم النازف.
كان بإمكان جزائر بومدين وبوتفليقه والشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف واليامين زروال أن تدير ظهرها لكل مكونات العروبة التي تحيط دماميلها ومكارهها البلد المستقل حديثا بكل ما عنده من كبرياء بناه الدم نقطة تلو أختها ، ولم تشلح الجزائر ثوبها وعباءتها مدثرة عباءات وهوّيات أخرى، فهي في توثبها وأريحيتها تؤكد ثبات مبادئها منحازة إلى نفسها وإلى المهمات التي نذرت نفسها لها لصالح غيرها قبل حالها،، فبلد ثري نفطا وغازا وثقافة وجغرافية وتاريخا وتراثا وإنسانا لم يداهن ولم يناور، إلا إذا لم يكن هو الذي أنجب بن باديس ومالك بن نبي وطالب الابراهيمي.
مصافحة لمَ لا؟ إذا كانت المصافحة تأتي لنا بعدونا نضمه بين خافقينا صديقا لنا في السراء والضراء في بيت واحد كبير يتسع لنا وله ولغيرنا أيضا، ونتجمل على هذا "العدو الصديق" بأننا نبادر إليه لنحميه من نفسه أولا،، عدو لم يهزمنا في معارك الوغى وساحات القتال وحسب، هزمنا من داخلنا ومن خارجنا وحاصرنا في بيوتنا وبيوت الآخرين،، ونحن لا غيرنا أعطاه صاغرا سلاحا ماضيا بجهلنا وعنعناتنا الفارغة، وصدق من قال "العرب أمة لا تقرأ" وأنا أضيف "ولا تتذكر أيضا".
تقوم قائمتنا، إذا أعاد بلدان عربيان سفيران معتمدان إلى قلعة العدو الصديق، ومن بعد أن قتلنا عرفات الذي ساهمت أخطاؤه بالضربة القاصمة له ولعهده، نتجهز لقتل البديل ونحتشد له سلاحا وكلاما وترهات. وكأن واحدة من عاداتنا فوق تلك التي ابتلينا بها "تضييع الفرص السانحة"، ، لقد هرَّج علينا العقيد معمر أمين "القومية" حتى قلب لشعبه أولا ظهر المجن بعد نيف وثلاثة عقود من القهر والظلم والاستعباد وعربيا التآمر تلو التآمر، وعالميا إيواء كل الشاذين سياسيا وثوريا واجتماعيا أيضا وفتح زوايا الصحراء السنوسية البريئة لكل بغايا العهر الثوري، وحين "دق الكوز في الجرّة" حسب المثل الشعبي الفلسطيني، أدار ظهره منتميا لسواد إفريقيا، ورمى كل أوراقه من خلال مكالمة هاتفية خاطفة وباللغة العربية مع وكر الجواسيس في بريطانيا مرفوقة بالوثائق والأرقام التي تكشف تبعاته وآثامه وأفعال الأولاد الثوار ممن تربوا على يدي القائد الأخ معمر. وحال صدام حسين "وريث نبوخذ نصر" ليس ببعيد تشبيها، أو ليس هذا الأخير قال إنه "سيحرق نصف إسرائيل بالكيماوي؟؟". والغريب أن كثيرين ممن انطلتهم عليهم النكتة لا زالوا يعيشون "نظرية المؤامرة.." مؤكدين بالطلاق من أم العيال ثلاثا أن تهديد صدام هو الذي حشد كل هذه الأساطيل ضد العراق،،، لقد نسوا أنها حررت هذا البلد وأعادت فيه الروح ثانية أخرى كما هو عهد حضارته الأول الباقي المستمر أبدا.
حتى محمد العبّار الإمارتي لم يسلم من "المسلخ الكلامي""، ومشكلة العبار هذا، هو أنه ينتمي إلى بلد لم يرفع شعار "التفاخر والتناخر والتشاخر والتفاشر،، بما ليس عنده"" ولا أحد يستطيع أن يماهي أهل الإمارات عروبية ودينا وانتماء وبناء وإعمارا وعطاء ، فالإمارت من بين قلة من الدول حين تعطي يمينها،، لا تعرف ذات الشمال بذلك. لقد تنافخت الأقلام التي لم تكن تسمع بالعبّار من قبل وشحذت كل سكاكينها لنحره من الوريد إلى الوريد، لماذا؟؟ ، الجواب هو : لأنه بادر إلى القتال باسمنا جميعا وبأسلوب حضاري راق وبشفافية عالية ومكاشفة لا يدركها إلا ذوي البصيرة والبصر عارضا على العدو الصديق شراء ممتلكات عقارية أقيمت على أرض فلسطينية في غزة ، ستجُرف كتلك التي كانت في سيناء من دون فائدة منها سوى أنها تذكرنا بهزائمنا وبشاعة جهلنا وخيباتنا الكثيرة.
بالفم الملآن، لزاما القول أن مبادرة العبّار غير المسبوقة في تاريخنا بعرضه وطوله وأزمنته البعيدة القريبة، لاستثمار مستوطنات "الصهاينة" التي سيخلونها لصالح الفلسطينيين لا تشكل في وجهة نظري إلا اعتداء مشرّفا موجها لنحور أهل الذمم الواسعة إياها،، وحرمات أصحاب الألسنة إياها،، وكرامات اللحى التي تهرف بما لا تعرف من شيء لا في شأن الدين ولا كينونة الدنيا.
أليست مبادرة العبّار سندا لظهورنا المائلة أمام العالم، حيث ظل "الأصدقاء الأعداء" يسوموها بسياطهم الحضارية بأن أصحاب هذه الظهور "شعوب لا تعرف الزراعة وتكرة الجنائن المعلقة في الصحراء؟؟ تعالوا لنشاهد معا مزرعة "الجنرال شارون الذي لا نعرف عنه في إعلامنا سوى أنه بلدوزر هدم وسفاح أحياء"، وأوسع رقعة من ذلك،،، تعالوا نذهب "فسحة مجانية مع العبّار وبو تفليقة إلى صحراء النقب". . تعالوا نصافحهم واحدا ..واحدا ، فرض عين لا فرض كفاية ،، ساعتها يعترفون لنا بانتصارنا.