احذروا الدمى الساكنة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ما زال مبكرا اطلاق اسم محدد على المرحلة الجديدة في العراق، لانها ما زالت مبهمة، غير واضحة المعالم الى درجة تصدق عليها التسميات المتعارفة. فيمكن تسميتها مؤقتا (المرحلة الانتقالية، او مرحلة التكوين، او مرحلة ما بعد الاستبداد). وهذا لا يعني عدم وجود ملامح مجتمع جديد، مجتمع بدأ يكشف عن ملامحه من خلال تعاقب الخطوات السياسية السلمية ونوعية هذه الخطوات، فهو يتجه كما تشير بوصلته صوب مجتمع مدني. اذ خاض الشعب انتخابات حقيقية، تشكلت على اثرها جمعية وطنية، انتخبت رئيسا للبلاد ورئيسا للوزراء ونائبين للرئاسة بعد انتخاب رئيسا للجمعية الوطنية مع نوابه. كل ذلك جرى بروح ديمقراطية ووفقا لنتائج التصويت الحر. ثم ترفع العراق عن الخصوصية وانتخب بصدق لرئاسة الجمهورية شخصا ليس عربيا، بل ينتمي الى القومية الكردية، رغم ان العرب هم الاكثرية المطلقة. وليس شيعيا رغم ان الشيعة هم الاكثرية، وليس من الائتلاف رغم ان الاخير لهم الاكثرية في الجمعية الوطنية. كما ان رئيس الوزراء الذي هو مركز الفعل الحكومي والاداري صرح انه سيتعامل مع الآخر كعراقي مهما كانت توجهاته، وسيمارس دوره في الحكم كعراقي. ليس شيعيا او عربيا او اسلاميا، وانما فرد ينتمى للعراق، وللوطن الام، بجميع تنويعاته واطيافه، ينتمي للارض التي تضم العربي والكردي، والمسلم والمسيحي والمندائي واليزيدي، والشيعي والسني. وكلها علامات تؤكد شيئا من ملامح مجتمع جديد، مجتمع يتجه نحو ارساء قيم العدالة والحرية والتعدد. وفي ذلك امل كبير، في تحقق ما يصبو له الشعب.
ولكن تساورني شكوك مخيفة سببها كثافة وجود الدمى الساكنة في العراق او هكذا تبدو، لانها وجودات قلقة مخيفة، وجودات هشة مغرية، عناصر ضائعة تشكل خطرا كبيرا على مستقبل البلاد. انها كائنات حي وفاعلة ونشطة، ولكن كالدمى لا تتحرك بمفردها، ولا تتحكم بارادتها، ويمكن استغلالها وتوظيفها، وهنا مكمن الخطر. وبالفعل كانت السبب في اكثر من ازمة عصفت بالبلاد وما زالت مرشحة لحدوث ازمات جديدة. لذا لا اتوقع استقرارا حقيقيا في العراق ما لم تفكك الدمى الساكنة قبل تحريكها، وقبل وقوع الكارثة. تفكيكها باسلوب سلمي يستثمر طاقاتها ويضعها على الطريق الصحيح، لتستمر المسيرة باتجاه المجتمع المدني. من هنا نحن بحاجة الى يقظة ووعي سياسي يفوت الفرصة على المغرضين والطامعين الذين يستغلون طيبة وبساطة واخلاص هذه الكائنات البريئة، لتوظيفها في خدمة مشاريع لا يفقهون عن اهدافها البعيدة والحقيقية شيئا. والطامعون مشكلة لا تنتهي الا بخطوات كبيرة وفاعلة اولها الوعي السياسي العام. الوعي الذي يكشف نواياهم ويفضح حقائقهم، وعي يفوت عليهم مطامعهم ويعرقل مشاريعهم القائمة على التبعية، الاذلال، التسلط، الاستبداد، الدكتاتورية، الاستعلاء، الجهل، والاستغلال. ان هؤلاء يراهنون في نجاح مشاريعهم على الدمى الساكنة، فلنعمل جميعا على تفكيكها من خلال خطاب ثقافي واخر اعلامي مكثف يرقى بوعيها الى مستوى الشعور بالمسؤولية الوطنية قبل كل شيء، وتعريفها بحجم المخاطر المترتبة على استغفالها وبساطتها.
واقصد بالدمى الساكنة الطبقات الطيبة التي تنساق بلا وعي خلف الشعارات البراقة والاهداف الوهمية من ذوي المشاعر الجياشة والثورية، من البؤساء والمساكين، من المؤمنين المتدينين بعد تغييب الوعي وتحريك مكامن الدين في وجدانهم. وهؤلاء رقم كبير في الساحة، رقم لا يستهان به، رقم قادر على الحركة والفعل، رقم في اعلى درجات الخطر، لانه لا يتحرك بوعي، ولا يتصرف بعقل، وانما تحركه ارادة فوقية تمارس سلطتها المعنوية عليه باسم الدين والمذهب والوطنية والتحرر. فيخضع ويستجيب لاوامرها بثقة وتفان. والدمى تتصف بتواضع الوعي مع بساطة وطيبة وعناد مع جرأة واندفاع شديدين. تستجيب لكل قوة قادرة على تحريكها ومداعبة مشاعرها، سيما اللبق الحذق المتظاهر بالعفة والزهد والتواضع، ويجيد اللعب على اوتار المشاعر والاحاسيس، فيغدوا في نظرها مقدسا، ربانيا، وطنيا لا يرقى له الشك والشبهة. وباختصار، ان الدمى الساكنة جميلة لكن بلا ارادة، متحركة لكن بقوة غيرها. لا يوجد تناسب بين وعيها وحركتها. خطرها في تحركها، وضعفها في لا وعيها وبساطتها. فهي مصفوفات بشرية تستغل ماديا ودينيا واخلاقيا. يستغلها المتربصون من اعداء الشعب والوطن، يستغلها النفعيون والمتآمرون. تستغلها المشاريع التي لا تطيق التداول السلمي للسلطة، والاجواء الديمقراطية. يستغلها المتطفلون على العمل السياسي والدبلوماسي. لذا وجب الحذر واليقظة والانتباه.
من هذا المنطلق لا نستبعد تحرك هذه الدمى ثانية بهدف احراج القادة الجدد المحسوبين على الخط الاسلامي. اذ كان رئيس الوزراء المنتخب الدكتور الجعفري بعيدا عن ازمة النجف والفلوجة السابقة فلم تتلوث يداه مباشرة بدماء الشعب، بل حاول ان يتوازن في موقفه لانه ليس المسؤول الاول عن ضبط الامن وتوفير السلام. لكنه بلا شك سيضطر للموقف ذاته الذي اتخذته الحكومة السابقة برئاسة الدكتور اياد علاوي، فيما اذا تكرر السيناريو وعادت الدمى تتحرك على مسرح العراق الجديد، تعلن العصيان، وتتمرد على النظام، او تتحجج برحيل الاحتلال، او تطبيق الشريعة السمحاء، او الاصرار على الاعتراف بالمقاومة الوطنية والكوادر البعثية المقاتلة، او تأمر بالمعروف كما تشتهي، وتنهى عن المنكر كما تريد، او تنصـّب المحاكم الثورية، او تدعو الى قيام حكومة اسلامية، او تتوق الى ولاية فقيه على غرار ما موجود في ايران. لا شك نحن مع الدعاوى السلمية وحق التظاهر والتعبير عن الرأى، لكن لا لاختلال الامن والنظام ومخالفة القانون، لا للتواطؤ ضد مصلحة البلد تحت أي مبرر كان، لا للفوضى وخلخلة الامن والنظام، لا للتمرد وعرقلة المشاريع السياسية. وانما نعمل ونعارض ونطالب بحقوقنا في اطار القانون الذي لا تعلوه سلطة اخرى.
ومناسبة الكلام عن الدمى الساكنة ان سيناريو العمل على افشال حكومة الدكتور جعفري ليس مستبعدا مع وجود خصم سياسي ربما يتجرد عن الوطنية وتطغى فيه المصالح الشخصية، فلا يجد افضل من الدمى الساكنة يبث فيها الحياة ثانية وينشط عندها دواعي العنف والتمرد، وهي بذاتها لها قدرة على الحركة والتدمير وممارسة العنف. ولا تحتاج سوى داع بسيط (ديني او وطني) لتحريكها، وفي العراق اليوم ألف داع لتحريك الرمال واثارة الفتن والقلاقل.
كما ان سيناريو تصفية الحسابات والعمل على افشال التجربة الديمقراطية ايضا ليس مستبعدا، فلبعض الدول المجاورة مصلحة في وجود الاضطرابات واختلال الامن والنظام. بعض يريد تصفية حساباته مع امريكا لكن ليس على ارضه وبدماء شعبه، وانما على ارض العراق وبدماء شعبة الطيب الشجاع المتدين المطيع لله ولرسوله ولاولي الامر!!!. أولي الامر الذين اجازوا التضحية بنصف الشعب العراقي ثمنا لطرد امريكا، الشيطان الاكبر، كي تأمن بلادهم وتستقر شعوبهم. وهناك من الانظمة الحاكمة يسعى لافشال التجربة الحالية ليؤكد انها لم تجلب للعراق سوى العنف والقتال فكيف تصلح للجيران ودول الجوار؟. صدقوني انها اهداف استراتيجية فلا تغركم التكتيكات المرحلية والتصريحات المتملقة. فليس امامنا حل لمقاومة تلك المخططات الا بتفكيك تلك القوى الكامنة، تفكيك تلك القواعد الشعبية المتوثبة، تفكيك تلك اللعب والدمى وضخها بدماء توفر لها قدرا كافيا من الوعي يساعدها على اكتشاف الحقيقة ومعرفة الاهداف البعيدة لكل حركة او مظاهرة شعبية هم وقودها وادواتها. وهنا يأتي دور المثقف والاعلام في بث الوعي وارشاد الضال وتقويم المسار. وما لم يقف المثقف الى جانب القانون وترسيخ الامن ستعم الفوضى تحت ذرائع شتى، وحينئذٍ سنخسر كل شيء. فاحذروا الدمى المتحركة رجاء فانا وجلون.
كما يجب التفكير بتطوير المستوى الثقافي والمعيشي لهذه الطبقات المحرومة اذ لا يخفى دور الفقر والحاجة والبطالة في تأهيلها لخدمة المشاريع المتهمة في وطنيتها واخلاصها. فالتفكير بفرص عمل لهذا النمط من الناس اصبح اولوية تفترض وجود مؤسسات حكومية فاعلة، الى جانبها انشطة ثقافية وترفيهية وخطاب فكري وعقدي يعيد خلفيتهم الوطنية ونظرتهم الساذجة للوطن وحقوق المواطنة. كي لا توظف طاقات البلد لخرابه والاستهتار بقيمه تحت عناوين دينية ووطنية تفتقر الى المصداقية. والله المستعان على تحويل تلك الدمى الى بشر يعقلون.