داكتكن: الصوفي والآخرون ليسوا برجال دين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
حوار مع الكاتب الكردي شهموس داكتكن، تليه قراءة لروايته الأخيرة: "ليلاً، لدن المنبع"
حاورته بيان سلمانفي باريس: بعد انهاء دراسته في مجال السمعي / البصري في انقرة، شهموس داكتكن يسافر الى فرنسا عام 1987 عازما على تعلم لغتها واستخدامها كوسيلة تعبير عن حواسه الشعرية. كانت بالنسبة اليه أشبه ولادة ثانية، إذ لم تمض سنوات حتى أخذ يبرز كشاعر فرانكفوني له نكهة تختلف عن كل شعراء الفرانكفونية. ولد سنة 1964 في حارن احدى القرى الكردية جنوب شرقي تركيا. لقد أصدر عدة دواوين بالفرنسية من ينها "مسالك الليل" (منشورات كاستور استرال، 2000) الذي فاز ب جائزة العالم للشعر الفرانكوفوني لسنة 1999، "شرايين- شمسيات" (منشورات هارمتان، 1997). غير ان حدثه الأدي اليوم في فرنسا هو روايته "ليلاً، لدن المنبع" التي صدرت مؤخرا عن اكر دار نشر فرنسية روبيرت لافون.
* تبدأ بالقرية وتنهي الرواية بالنبع، ما هو منظورك الشخصي عن القرية والنبع؟
- في الفلسفة يقال الذي يعرف الجزء يعرف الكل أيضاَ، الكلام عن القرية، عن مكان أعرفه جيداَ.
أردت بذالك أن أحاور هذه المعرفة مع القارئ للانطلاق من هذه المعرفة الجزئية إلى معرفة شاملة، كلية. لذا فالقرية، النبع طريقة أيضاَ لأقول إننا لسنا كباراَ جدا، نحن صغار، والعالم صغير بمقابل كبر المجرة وهذه صغيرة بمقابل عظمة الكون. لهذا أردت أتحاذ وضعية يعادل هذا الجزء بمقابل الكل. ومحاولة بيان وضعية عن الكون- معرفة تهم كل ما يحيط بنا سواء صغير جدا أو كبير جدا.
*هل القرية ترمز للنماء ولنموك أيضا؟
- نعم، النبع يعطي الحياة، يمنح النماء. في مكان ما من الرواية أتكلم عن الطين (خلق الإنسان من تراب وماء) فالماء يحتوي أجسادنا 80 % وإذا فقدناها نتحول إلى غبار- النبع إذن يحفظ حياتنا ويعطينا الاستمرار للوصول إلى شئ آخر.
* أتنطلق من سيرة ذاتية أم سيرة ذات متخيلة؟
- لا هذا ولا ذاك، حاولت أن أدير عالما حيث أل "أنا" يتكلم، يسرد وحاولت في الوقت نفسه أن أضع في هذا أل"أنا" ما يمكنني من "نحن". في الرواية أتكلم نادرا عن نفسي، لا أتكلم عن فترة من حياتي ومع ذالك فكل كاتب يتكلم عن نفسه بطريقة أو بأخرى، فنحن لا نستطيع التكلم عن أخر حتى لو حاولنا ذالك بكل ما نتمكن من الانفتاح على الآخرين. وحين يتعلق الأمر بالقرية فهي متخيلة لا توجد القرية كما هي وإنما تخيلت القرية هكذا، لقد خلقتها- إنها الطفولة الحالمة، محاولا وصفها بطريقة ما، أن أكون في هذا العالم ومن الممكن جدا أن تكون هذا العالم هنا أو هناك، أنها محاولة للانفتاح بقدر الإمكان بحيث يتمكن القارئ من بلوغها.
* أنت بين اللغة الكردية والتركية وتكتب الأشعار وهذه الرواية الأولى باللغة الفرنسية، القرية لا تنتمي إلى عالمنا المعاصر، هل يتعلق ذالك بإحساسك بعدم الانتماء؟
- القرية تتموضع جغرافيا ولكن ليس أسميا ولكنها لا تنتمي لعالم الأشباح بالمرة، فأنني لا أتخذ وضعا (القرية) بمقابل المنفى (باريس) بالانطلاق من نقص أعيشه. لا، إنه بالاحرى مقاسمة القارئ شيئا ما. بالنسبة لي الهوية شيء أخر يتجاوز اللغة والجغرافية. الهوية شئ نحن في الطريق لبنائها. كالفرد الذي يولد في صيرورة. والعالم الذي أتكلم عنها(القرية) هي أيضا في طريقها للبناء، للصيرورة مع خصوصية وحيوية دائمة مع الأخر، مع القارئ.
* أحيانا تذكر "نحن" وأحيانا ضمير"أنا" المتكلم، هل تشير بذالك إلى كل أنا في نحن، كوسيلة لنقل التأريخ الجمعي؟
- نعم، أستطيع القول إن "أنا" واحد يحاول إن يختزل في نفسه "نحن" وبالعكس، لربط ونسج التأريخ.
* محور يعيد نفسه من البداية والى النهاية: "الكبار قالوا لنا" بما يعني إن الراوي يسرد حكاية مسموعة، هل هذا يدخل أيضا في سياق نقل التأريخ ولكن شفهيا؟
- نعم، إنها حكاية صبي يتكلم ويروي ما سمعه من الآخرين- الكبار والرواية تنتهي ببلوغ الصبي سن دخول المدرسة، انه الراوي المتطلع على كل الأحداث وعارف بكل شيء وحاضر في كل مكان. لذالك عن طريقه يتم نقل الأحداث والتأريخ وتسجيله، بالأخص انه صبي في طريقه للتعلم، لتعلم الأشياء والرواية تحاول أ ن تصنع علاقة مع الأشياء، مع الكائنات ومع هذا العالم. والكتاب أيضا محاولة لربط الصبي، القرية والمعرفة الموثقة مع الكبار.
* يسود الكتاب طابع ديني ولكن ليس بالمفهوم التقليدي الذي نعرفه عن الدين.
- القرية التي تروى أحداثها- مكان بلا جامع ولا كنيسة ولا مدرسة، إذن قرية أمية، وفي الآن نفسه كل عناصر المعرفة والدين موجودة فيها ويدور في فضاء جغرافية ذالك المكان، ليس هناك رقابة، بل حرية بمقابل الدين والرواية تظهر ذالك الجانب المقروء والمرئي منها.
* في عدة مواضع تركز على الأرض، العودة إلى الأرض، العودة إلى النبع، أهي عودة بدافع من الحنين؟
- منذ السابعة عشرة من عمري وأنا هنا، فلابد الحنين يأخذ مكانه في قلبي (يبتسم ويكمل حديثه)، وأيضا هي إشارة إلى كل ما يحيط بنا، علاقتنا مع الكائنات الأضعف التي تتواجد تحت أقدامنا كالسلحفاة والنمل. بالإضافة إلى علاقة الإنسان بالآخرين من حوله، نظرة الغني إلى الفقير، القوي إلى الضعيف.
* أيمكن اعتبار الراوي ضمنيا- القدماء، الأجداد الذين رووا الأحداث ؟
- حاولت أن أضع على شفاه الكبار ما تخيلته، ربما هم لم ينطقوا بهذا الشكل حينما كنت صغيرا، ولذا اكتب ما تخيلته أنا بأنهم قالوا ذالك وهذا أيضا نوع من ربط الأحداث عن طريق نقل التأريخ من جيل للآخر.
* "الغموض" كلمة تعيد نفسها بكثرة، هل الرواي يتكفل بكشف الغموض الملتحف بالأحداث وإن كنا متأكدين إن كل ذالك من وحي الخيال؟
- لا اعرف إن كان هناك غموض، لقد خرجت من تلك القرية منذ العاشرة من عمري ولم اعد إلى هناك، لذا عن طريق الرواية أعود إلى هناك بكل ما تكدس عني من المعلومات وأحاول تخيل الأحداث من قريب بما بوحيها خيالي، من نظرة الراوي الذي يظهر ويجعل الأشياء شفافة.
* "أن يكون إحدى قدمي في المجهول" ما هو المجهول إذن بالنسبة لك؟
- إنها هذه اللحظة، لقد تكلمت عن الغرفة المظلمة والسوداء المحيط بالنبع في الرواية، جدار خلفها تمثل الماضي وجدار أمامها تمثل المستقبل واللحظة الحاضرة- هذه التي نتواجد أمام هذا المكان ونخطو فيها نحو المجهول.
* الكتابة تمثل لك هذه اللحظة الحاضرة؟
- نعم
* في نهاية الرواية كتبت " آثار أمليتها..." هل تعني لك الكتابة أيضا؟
- نعم، أثار كتابات!
* تقدم الأم بالجمع "أمهاتنا" وهي صورة حاضرة جدا في الرواية، هل تقدمها في هذه الثنائية المعروفة في اللغة الفرنسية: mer/mère بحر/ أم؟
- نعم، صحيح في الفرنسية لها رنة ووقع جميل بين الكلمتين، على الغلاف الرابع من مجموعتي الشعرية الأولى كتبت: "ما بعد البحر...كيف الوصول للأم"
* وهنا أيضا كلمة"ما بعد" الذي يشير إلى الخطو نحو مجهول!
- في كلمة "ما بعد"، مسافة وفي كلمة "المجهول" خوف، لذا أجد في "ما بعد" هويتي وتكاملي. نحن لا نقتصر على حدود الأرض ولا البحر برغم إمساكهم بتلابيبي. والأرض تسبب لي القلق والهم عندما أتمعن في اولائك المتخذين منها فريسة ويجدون في الأرض نوعا من النهاية. بينما الأرض موجودة لكي نعيش عليها معا ومن هذا المنظور- الانطلاق لاكتشاف أشياء أخرى وحياة أخرى.
* نوع من التناقض(بمعنى شعري) يسود الرواية- من جهة تتكلم عن رجال الدين ومن جهة أخرى فهذا عالم لا ينقصه العقلانية.
- هذا صحيح، فالناس هم قرب الأرض، يحاولون رؤية الأشياء في وضح النهار لذالك كما ذكرت سابقا فأنهم يستمدون خبرتهم ومعرفتهم الأولية منما حولهم، من الأرض (المادة).
* ماذا يمثل لك الصوفي يوسف؟ اهو من ضمن اللذين تقول عنهم "الكبار قالوا لنا"؟ إنها شخصية ورعة معروف عنها الحكمة، يمكن استشارتها.
- الصوفي والآخرون ليسوا برجال دين ولا بأمة إذ ليس في القرية جامع أو كنيسة، لذا فالصوفي لقب متداول أكثر مما هو مركز ديني، فليس هناك هرمية في وضعية الشخصيات، فهم يعيشون في قرية في الجبال وبحكم هذا الموقع لا يسودهم تلك العلاقات التي نتلمسها في قرى السهول مثلا حيث العلاقات إقطاعية. لذا الحرية، والتعاون والأخوة سمة يتقاسمون ثمراتها، فيجب رؤية الصوفي يوسف من هذا المنظور.
* الفصول تتعاقب في هذه الرواية في حركة دائرية، اهو قياس لزمن الأحداث؟
- نعم فالروية مجردة من الزمن حتى الشخصيات وهي تمارس الخبرات وتعيش الأحداث تحكمها دورة الفصول. فالتغيرات تحدث بتغير الفصول. "كان من الممكن أن نتساءل لماذا (...) على وشك إتمام عمل يجذب رحمة الخالق". نحن دائما معرضين للتجارب، لسنا في مأمن من ذالك، فإذا كنا في وضع جيد هذا لايعني نجاتنا من التجربة وحتى لو أسلمنا بأننا في وضع جيد فلابد من المرور بالتجربة.
* "أرتني أمي النجوم، نجمتي مجنون وليلى"، أأرشدتك بصورة ما طريق الحب؟
- نعم فهي فهمت ما هو الحب لذا تقوم باستعارة نجمتي العاشقين للاستدلال بهما.
* "ربما كنت في السادسة أو السابعة من عمري"، مرة أخرى لا تعطي تاريخا دقيقا !
- هذا صحيح، انه يرتبط بي فلا اعرف تأريخ ميلادي!
* "سهل ممتد بلا نهاية" أهي امتداد لصورة القرية الغير محكومة بالزمن؟
- لقد أعطيت القرية صورة كسفينة نوح، وممتدة بلا نهاية.
* السفينة هنا لها وجه أسطوري!
- نعم، فقد وظفت هذه الصورة لأعطي بعدا للخيال، خيال السفر، فالسفينة تمنح هذا الخيال. اللغة دوما حاضرة، اللغة تخلق العذاب والمعاناة "لقد نسي لغة ناحيتنا". إن هذه لقصة عشتها حقيقة– احد أقاربي بعد عودته من الخدمة العسكرية نسي التكلم باللغة الكردية، فأثار عندي كثيرا من التساؤلات.
* "غالبا ما عبرت النهر" ماذا تريد قوله بهذا الصيغة؟
- العبور يتيح اكتشاف عالم أخر، أشياء أخرى.
* ألا يعني العبور "الوصول" إلى الطرف الأخر وتقوم بسرد الحكاية أيضا؟ ألا يعني بالمرة الأمل في الطرف الأخر؟ النهر كوسيلة لاستمرار الاتصال مع الآخرين؟
- نعم، فهناك كل هذه الاحتمالات فلولا هذا الاتصال لبقي كل منا في قمقمه، في الجبال، في الصحاري نعيش كالوحوش، لذا الاتصال تمنحنا الاستمرار.
* الوصف الدقيق لكل شيء في القرية يسود الرواية، ويبقى مسالة الزمن مرة أخرى شيئا لا يتم تحديده بدقة وان كان بالفصول "ربما هي نهاية الخريف"!
- نعم، فعدم التحديد يسود ولكن ذالك لا يمنع من استمرار الأحداث.
* هل القرية صورة عن النبع أم النبع صورة من القرية؟ ايهما يسبق الأخر؟
- النبع يأتي قبلا وحتى في تاريخ البشر نلاحظ إن الإنسان يأخذ مكانه ويسكن قرب النبع قبل أن يبحث عن أي شئ آخر.
* "حكاية النبع ليست إلا واحدة من حكايات أخرى كثيرة" لن أحصي كل الحكايات التي أتيت على ذكرها، اكتفي باختصار: حكاية الجري خلف الماعز، العشق المتبادل بين الشباب، كسوف الشمس...الخ، أهي حكاية القرية أم تاريخ عام؟
- إنها حكاية هذه الرواية!
والآن بعد هذا الحوار مع كاتبنا، أود أن أقدم قراءة لروايته هذه
ندخل مع الراوي قريته واصفا الاحداث من زاوية محددة لضمير المتكلم الاول"أنا" ساردا في حاضر غا ئب طفولة ممتدة من ماضي يكتنفه الرموز ونظام موحد لعالم منغلق على ذاته. انه تأريخ شخص وفي الآن ذاته تأريخ جمعي يشمل شعبا بأكمله. يمتد أحيانا ليشمل العالم.
لماذا المنبع؟ ولماذا في الليل؟ ان يختصر تاريخ أناس نفسه في رمز منبع يعانق فيه الليل ليس الا: إنه يمثل عنصرا مما يؤلف الحياة بل كرمز يمثل الحياة في الآن ذاتها. اذ "أنا" الراوي تمتزج ب "أنا الجمعي" التي تسرد الأحداث تارة تحت ستار"نحن" وتارة مستترين تحت "أنهم قالوا لنا" من هنا نتأرجح بين تواريخ زمنية متباعدة في المسافة والزمن، تتقارب بالكتابة إلى حد نشعر فيه بأننا نعيش مع هؤلاء، داخل حصانة التقاليد والأعراف، في زمنهم وإن كنا في قلب عالم آخر تتحكم فيه العقلانية. الماء، التراب، الهواء والنار عناصر تكوين الخلق والكون تواجهنا خاصية كل عنصر منها وتدخلنا في لعبة السيرورة مع الزمن. فمنذ بدأ الرواية يوجهنا الرواي في تلك القرية "العالم المصغر" افقيا وعموديا "كنت صغيرا. قريتي كانت صغيرة، عرفت ذالك فيما بعد. ولكن حين كنت صغيرا بدت لي كبيرة، كبيرة بما فيه كفايه لتخيفني حين اجبرت للانتقال من جهة الى جهة أخرى. كانت مثل أن أجبر عبور سبعة بلدان وثلاثة قارات، بحار وجبال لا حد لها. أو أن أجول السماوات بعلوها والاراضي بعمقها" ص7. في هذه القرية المنعزلة قضية الموت والحياة تفرض نفسها لتغدو الارض مصدرا للحياة والموت "كل شيء يعود الى التراب " ضمن ذاك الدوران أيضا تنتمي شخصات الرواية للقرية ليلتقي الرمزالزمني للسلحفاة مع المنبع الذي يفجرطاقة البحث عن المجهوول مثلها مثل السفينه التي تؤدي الى مغامرة البحث عن عالم آخر غير هذا الساكن، المنجمد داخل فضاء المقدس عند أناس يعيدون أنتاج الماضي، رواة تأريخ شفهي بأمتياز حيث: "قالوا لنا الكبار" ليس الا تسجيلا في المجهول من قبل اللامعلوم، معطيا الكلمة الاخيرة لراوي "اصلي" ليس الا "هم، الاسبقون"اللذين انتقل الكلام منهم وتداولتها شفاه عن شفاه.
من هنا نتلمس ايضا البعد الديني الطاغي على النص، ترتيل آيات قرآنية، تساؤولات تصطدم بتساؤولات أخرى دون أجابة منطقية، ظاهرة كسوف الشمس تعلن لهم نهاية العالم. عالم محكوم بترصد قوى خفية وبأختبارات قدرية عمياء: "قالوا لنا الكبار، يمكننا التساؤل لماذا نرضخ للأختبار حين نحاول تنفيذ إرادة الهية" ص142. "قالوا لنا إن الله في حكمته المطلقة، أراد أن يكون مصدر النور ومصدر العتمة على السواء." ص89.
"مصدر" ما يعني ايضا امنبع حيث يستلزم الأ مر بعض التوقف: فالمقصود بالمنبع هنا نبع محدد حيث يجمع بين الشفافية وعتمة الليل، بين أن يمثل مكانا للتجمع ومحلا لخلق السرد، بين أن يكون مكانا ولا مكان، بين أن تعيش طفولتك في ذالك الزمن وتنتج منها عالما متخيلا مبنيا على تناقضات.
بناء الرواية تبدوا كسيره ذاتية غير أن الفصول التي تتعاقب دون تسلسل زمني وعمربعض الشخصيات التي لا تحدد بدقة وكأن النسيان قد طوى الذاكرة بين "نسيانات"أخرى تبدد فكرة السيرة عندنا ونذعن الى نص تخييلي لا يخلو من وصف شعري.
الرغبة المكبوتة لأشخاص الرواية تدفع بهم ال خوض مغامرة نحو مجهول، أي مجهوول الا البقاء في ذاك المكان المحكوم بالانهزام أمام المعقول: "أن تمتلك قدما في المجهوول" ص92، ليس الا إ ستطرادا في البحث عن مخرج من ذالك الفضاء المغذى بألاوهام وقصص تحاك قرب نيران المواقد الشتوية حيث الموت والحكاية تتجانس لتولد نوعا أخر من أعجوبة اقرب شبها بأحلام تقطع من منتصفها حيث صدمة الواقع الموقضة تعلن شيئا آخر بين ثكناتها. لذا أن يمس شاب يد فتاة اعطته قدح ماء أو عنقود عنب هي ذروة الوصول للذة ليست مختبرة الا داخل قصص حب تراجيدية(ص50) حب يلتقيان فيه الموت والرغبة وجها لوجه مع نجمة دليله الأم التي تجسد الحب، الارض والموت بالتالي لانها المرشدة للقصة الخالدة "قيس وليلى" ولان الأم في هذه الرواية تأتي بالجمع في أكثر من مكان:" أمهاتنا"، ثم تحدد "بأم واحدة" حين تشير الى نجوم تحمل معنى العشق في تناص مع قصة مجنون ليلى مروية على لسانها لابنها: "حين عودتنا من زيارة ليلية، تحت سماء صافية متخمة بنجوم، والقمر في تمامه، أرتني أمي نجوم العشاق، نجمتيّ ليلى والمجنون(...) وفي نهاية الزمن، تحت إمرة سلام ألمهدي المنتظر، سينزلهم الله على الارض ليكملا عشقهما "ص144
ليس كل الناس لهم حظ قيس وليلى بالسكن في النجوم فالراوي يُؤول الموت حسب منطق الاسطورة، فالانسان "العادي" بعكس هؤلاء حين موته تسقط نجمته على الارض تعلن قبل الآوان موته، بينما العاشقان يعتليان السماء وتتناسخ روحاهما في نجمتين وحين ظهور المهدي المنتظر يعودان للارض "للحياة" بهيئة آخرى. "إنه صحيح ما قيل لنا، أن كل كائن له نجمته في السماء وعندما حين موته يموت معه نجمته، وهكذا فحشد النجوم الساقطة كل ليلة مختفيةً من السماء هنّ كائنات تختفي من الارض" ص68
كم الموت قريب في ذاك المكان وكم يجتاح مخيلة الراوي حين يعطي للموت جسدا حيا في حالة تجمع بين فظاعة أن يولد الموت بجسد وبين شعرية لا تستهان بها: "الجائع مخيف، يصير مخيفا بجوعه لأن الجوع كان اعلانا للموت. انه الموت بصورته المرئية " ص110. اللون الابيض للقطن لا يمكن أن يكون الا تذكيرا للفراغ الذي يملأ حياة القاطنين في القرية، صورة مستترة كوجه أخرللارض تحمل بذرة الحياة والموت معا حيث لا يصدق الراوي عينيه وهو يعلن: " قلت لنفسي، بياض القطن تلك لا يمكن أن يخرج من الارض" ص155. كمثل "الفراغ اللامرئي، سهل لا نهاية له" ص153 إثارة للوحشة التي تكتسح الراوي من الخارج نحو داخل النفس لتستقر مكونا سمة التسييج بالوحدة وإن كان الآخرون حوله. ومن جهة أخرى غرق القرية في طوفان عزلة تستلزم سفينة نوح لانقاذها. عزلة تنعكس صورتها في أدوات تترجم حب متبادل بين شبان وشابات وفي صفة مرآة مهداة من احدهم تعكس بدورها تأريخ العشق المحرم في قرية نظامها مبني على اعراف متأصلة الجذور في السلفية حتى ان الراوي يستغرب من سرعة انتشار الأخبار التي تسبب في تحطيم الغرام بين اثنين ولم يكن من شواهد سوى تلك الأدوات المتبادلة: "أخواتنا أو بنات أعمامنا المتقدمين عنا في ألأشياء الحياتية والأكثر تمرساً لرقصة الغبار، استقروا داخل شعاع من أدواتٍ مثل مشط او مرآة مقدمة من احبائهن أو خطابهن(...) وكان ذاك ايضاً أحد الالغاز التي لم نصل لفكها. خلف كل شجرة عين، تحت كل حجر أذن. كيف يمكنه معرفة كل شيء، أن يدور بسرعة فائقة ويعود جارحا قلب البعض، وآذن البعض الآخرين؟ " ص49
كيف ينسى احدنا لغة أمه؟ هذا ما يحاول الراوي أن يشرحه لنا بصيغة لا تخلو من رثاء وتهكم. أن يحلّ لغة الأب(بما يعني لغة نظام الاحتلال) محل اللغة الاصلية مظهرا الشخصية حقا كطفل يتمرن على استعادة القدرة على التكلم بعد عودته من الخدمة العسكرية، في ذاك العالم العشوائي وكأن القرية بكل ما يحتويها من تناقضات تحمل سّر صيانة اللغة ونقلها وإن شفويا! "لم اتعرف على الزوج إلا بعد خدمته العسكرية، كان قد نسيّ لغة ناحيتنا كما حصل مع رجال آخرين من قريتنا حين عودتهم بعد انتهاء الخدمة ودون أن يتعلموا كثيرا مما استخدموه في الجيش(...) شيئا فشيئا تمكن الرجل من العثور على اللغة المتداولة في القرية "157-158
"حكاية المنبع ليست الا واحدة من حكايات أخرى"ص208. يقر الراوي، وكأن العالم كله حكاية شاملة قطعت أجزاؤها لتروى كقطع تتماسك في نهاية المطاف كما المنبع يمثل المصدر، الأصل. ففي كل بقعة تتداول الحكاية ملازمة لتأريخ وشروط شعب ما. ومن هنا أيضاً فصفة "حكاية" تعطي بعداً شفهيا على السرد مما تضيف قوة على دقة استخدام الكلمات وتوظيفها بما يلائم الغرض ويوصل المعنى. ففي ذاك العالم، عالم طفولة الراوي وموطن اغترابه، لا يعثر على خيط ربط الاحداث سوى تعايش الاحداث مع من وجد في القرية فالحكاية هي حكاية الجميع اذ ليس هناك شخصية رئيسية. فالصوفي يوسف يتحول الى شخصية رئيسية حين يخصص له الراوي صفحات يتكلم عن ورعه وأسلوب ترتيله القرآن، وهكذا صفحات للعمة وزوج العمة. المنبع لوحده يمثل شخصية تحتل كل رموز الرواية وعن طريقها نخترق عتمة الليل حين يسود أسطورة الوحش الرابض على المنبع ولا يَعلم إن كان ثعباناً أو تنيناً أو جنا يسكنه: "على شاكلة المنابع المتناثرة حول القرية، منحصرة في ثلاث اتجاهات فغدت مرتعا للجن، للتنانين، للوحوش، وبفضل حكايات الكبار هذه الصخور والكهوف المحيطة بقريتنا صارت مع الزمن موطناً ثبتت فيه آمالنا، منابع أخذ يولد فيها خوفنا " ص218. كل ذالك يضيف غموضاً على حياة اهل القرية وهم يقتاتون من زاد حكايات خلقت من وحي اوهامهم ولن أقول خيالهم.
وهكذا فالقرية بمنازلها معتلية قمة جبل على شاكلة سفينة أهلها في طريقهم لتعلم الف باء كشف الالغاز" كانت قريتنا سفينة ونحن ركابها اللاواعون، مبتدئون في المعرفة والوعي" ص27. القرية أيضاً شخصية محورية حين يرهن الامر بموطن الحبكة فتسقط في رمز المنبع المتشعب الى ثلاثة فروع " كانت منازلنا على شاكلة المنع" ص28 ومنها ينسج الراوي صورته الأخيرة حيث ينهي الاحداث دائرياً بصورة تسكن مخيلته معقبا الأثر الذي يتركه ماض منته لحاضر محاصر داخل كتابة يلتقي فيها السرد من حيث بدأ بالقرية لينتهي عند المنبع: "رسائل لن أنتهي من زيارتها، من ظلال هاتيك الاشجار التي تسكن حاضري(...) آثار ملأتها من رسائل مع الذئب، القمر، الماعز، تحت سماوات متغيرة، عابراً من لغة لأخرى، من الف باء لآخر، مثل ما تغيّر دابة في مشوار طريق، لارتقاء الليل، عند النبع"