أحبيني : سريالية الحب في زمن الحرب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
أحبيني : سريالية الحب في زمن الحرب وانفصام النقاد العرب
وبالنظر لواقع الفن العربي هذه الأيام نجد الكم يغلب النوع ويعكس صورة مشوهة وممسوخة عن كل شيء واي شيء.. بإستثناء ما يعنينا ويهمنا ويعبر عنا كمتلقين وجمهور...
وسط كل هذا الخذل الفني والهزائم السياسية والوجع اليومي الذي يكاد يقودنا الى الإكتئاب المزمن أو الجنون...
يأتي "كاظم الساهر" الفنان الذي يسبح دوماً عكس التيار، و"حنان ترك" الممثلة الذكية دوماً والتي لا يمكن ان تراهن رهاناً خاسراً في أي عمل تقدمه، و"حسين دعيبس" آخر المخرجين الشاعريين والواقعيين في عالم الأغنية المصورة العربية ... ليقدموا لنا عملاً هو الأصدق والأعمق والأجمل من بين جميع الأعمال المصورة التي شاهدتها هذا العام... عمل يأتي تفرده من اسلوب المعالجة الدرامية لقضية تعتبر هاجسا يوميا لكل انسان عربي مهما كانت درجة وعيه السياسي وانتمائه القومي. عمل تاتي أهميته من إسلوب تنفيذه بغض النظر عن جودته التقنية أو حجم الميزانية المخصصة له...
أشك أن يكون أحد ممن قرأ في صباه قصيدة "أحبيني" للشاعر الراحل نزار قباني، أو سمعها بعد ذلك ملحنة ومغناة بصوت الساهر، أن يكون قد أدرك لها أبعاداً بعمق ما وضعه لنا دعيبس على الشاشة.
تمكن دعيبس في ست دقائق من أن يعيدني الى بغداد كما أذكرها... أخذني لأعيش مجدداً وجع الحرب التي شلت حياتنا... ألغت إنسانيتنا وسلبتنا أبسط حقوقنا.. من عاش أو يعيش في العراق يدرك ان الزمن بالنسبة لأهله توقف فبغداد 1991 لا تختلف كثيراً عن بغداد 2004...
تركني مسمرة أمام الشاشة ... استعيد العراق الذي يذكرني دوماً بسيزيف الملعون الذي تجرأ يوماً وأغضب الآلهة فحكمت عليه ان يبقى مدى الدهر يدفع بصخرة كبيرة الى أعلى الجبل وقبل أن يصل بها للقمة، تسقط فيعود للقاع ليدفع بها اعلى الجبل مجدداً، لعنة أبدية لا تنتهي ولا مجال للفرار منها.
عشت حربين ولم اطق البقاء فرحلت قبل الثالثة، كما رحل الساهر من قبلي... احمل العراق بين ضلوعي... وأحب الساهر لأنه مثلي رغم الرحيل بقي يحمل العراق بين ضلوعه ... لم ينسه يوماً أو يتناساه ... ظل يغني له ويعبر عن وجعه ...
من عاش أو يعيش في بلد تتآكله الحرب ويظلله شبح الموت.. وتلفه الظلمة برداء اسود قاتم ... سيرى هذا العمل بشكل يختلف تماماً عمن خبر طوال حياته رفاهية السلام والأمن... فنشرات الأخبار لا تنقل ما يدور في خلدنا في ظلمة الليل القاحل ...
عندما تجف المياه من الحنفية.. ولا تجد بداً من ان تلجأ لكسر الخط الرئيسي للتغذية لتملأ الدلاء في عز برد كانون الأول...
عندما تبدو الليالي وكأنها بلا نهاية وضوء الشمس حلم بعيد...
عندما تصبح الموسيقى الوحيدة التي في متناول يدك أزيز الطائرات ودوي الإنفجارات...
وعندما تكون الحركة الوحيدة في محيطك.. الأرض التي تهتز تحتك بفعل الإنفجارات القريبة أو البعيدة...
عندما تفقد كل الأمور قيمتها باستثناء ما يعينك على البقاء..
عندما يصبح الكتاب ترفاً ... والكتابة وجع ... تحاول الهرب.. تبحث عن فكرة جميلة ... أو تلجأ للمذياع تبحث عن منفذ ... لازلت اذكر بحثي المحموم في ليالي البؤس عن أغنية ... أغنية تنسيني أين أنا ... أغنية يعلو صوتها على صوت الموت الذي يحاصرني من كل جهة ... مونتي كارلو .. بي بي سي... صوت اميركا... صوت القاهرة ... صوت الحرية... كل الاصوات الا صوت العراق.. لاشيء سوى نشرات الاخبار ... من قال لهم بأننا بحاجة لنشرة أخبار ونحن نعيش الخبر بتفاصيله المملة... من قال لهم اننا نريد صدى لصوت الانفجارات التي نسمعها حية... نشرات الأخبار ليست لنا ... انها للذين في الخارج ... في العالم الآخر الموازي.. الذي لا يمكن لنا ان نلتقي معه أو نلجأ اليه فقد سدت كل الطرق وفجرت كل جسور العبور...
عالم يبدو بعيداً وخيالياً فلا شيء حقيقي حولنا سوى الموت والخوف... والشلل التام...
ما فات ليست له علاقة مباشرة بما جاء في كليب الساهر لكنه اسقاطي الشخصي لتجربة مررت بها تشابهت بشكل كبير مع ما قدمه دعيبس على الشاشة وفرغه معظم النقاد من المضمون الحقيقي ولم يروا فيه سوى "تعكز" على احداث العراق لـ "يضرب" العمل أو "انه تسفيه للأحداث المأساوية التي تحدث في العراق لأنه تناولها من خلال قصة حب".
أو من أنتقد حنان ترك لأنها رضيت أن تكون "فتاة فيديو كليب" وتصر أن تقوم بدور السنيدة طمعاً في محبة جمهور الساهر ... الخ
اعتقد ان هؤلاء "النقاد" عجزوا عن فهم العمل... بكل ابعاده الدرامية والتعبيرية... فمن اتهم الساهر بالتعكز طمعاً في النجاح ظلمه وناقض كل مقالات النقد التي تعج بها الصحف يوميا حول ابتعاد الفنانين عن تجسيد قضايا امتهم وواقع مجتمعاتهم ... عن سطحية وهامشية ما يقدمه فنانوا هذا الجيل ... الخ
وعندما يجتمع ثلاثي مبدع ليقدم عملاً ذو بعد انساني وسياسي، يتهم بالـ "تعكز" !! الا تتفقون معي ان هؤلاء النقاد يعانون من انفصام في الشخصية؟!
أما من عاب على ترك ان تقبل وهي النجمة السينمائية الكبيرة صاحبة البطولات المنفردة أن تشارك في أغنية مصورة، عجز عن ادراك أهمية الاضافة الدرامية التي منحتها هذه الفنانة للعمل وأستحالة تصويره بدونها ... كما ناقض ذاته وحصر الكليب او الاغنية المصورة في خانة الاعمال الدونية التي لا تحمل قيمة فنية ولا تليق بنجمة سينما ونسي ان الاغنية المصورة فن من أهم انواع الفنون المعاصرة ... وانها تعرض كل يوم على عشرات الشاشات وانها اداة تعبير وتأثير أكبر بكثير من السينما الطويلة ...
وهنا تطفو حالة الانفصام النقدي مجدداً على السطح.. فبعد ان كانوا يجلدون العارضات على صفحات المجلات لانهن يسفهن مظهر المرأة ويحولونها لكائن ممتهن... يستنكرون اليوم أن يستعيض دعيبس عنهن بفنانة محترفة تمنح عمله الأداء الدرامي المطلوب ..
ولم يدركوا أن مشهداً واحداً في هذا العمل قد يعلق في ذاكرة المشاهد أكثر من أي مشهد سينمائي آخر قدمته طيلة حياتها الفنية. وان التعبير بلغة الجسد أصعب أنواع التمثيل وهو ما قدمته "ترك" على الشاشة دون الـ"تعكز" على الحوار في أدائها.
اما من تساءل لماذا الوطن في أغنية أحبيني بلا عقد وان الكلام لا علاقة له بالمضمون، أسأله لو كنت مخرجاً كيف كنت ستترجم الأبيات التالية:
أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت
بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت؟؟!!!
...أنا رجل بلا قدر فكوني انت لي قدري...
... احبيني ولا تتسائلي كيف؟
... ولا تتساقطي خوفاً
... كوني البحر والميناء
كوني الارض والمنفى
كوني الصحو والأعصار .....
احببت الرموز التي لجأ لها دعيبس كلقطات الساعة التي تبدأ تسير بشكل طبيعي وتتسارع للدلالة على الوقت الذي يمر ويضيع حتى يتوقف الزمن وتختفي عقارب الساعة...
كما احببت المشاهد التي صورت منفصلة لبطلي العمل ولكن نظراتهما خلالها بدت وكأن كل منهما يرى الآخر أمامه ويشعر بوجوده ... لقطات برع دعيبس في تصميمها.
ما استوقفني كان اختيار دعيبس ان يبدأ عمله باصوات القصف والرصاص شعرت ان مكان هذا المشهد لم يكن في بداية العمل... كنت افضل لو بدأ الكليب من استعدادات البطلين للخروج ومشاعر الفرحة والتطلع... وصولا الى بدء القصف ... لكي نشعر بشكل اعمق بالفرحة التي اجهضت... فالمشهد الافتتاحي كان مباشراً جداً وكشف لنا الفكرة مبكراً...
الإضاءة جاءت قاتمة ومعتمة لتعبر عن طبيعة الوضع النفسي لبطلي العمل، بالإضافة للظلمة الفعلية التي تشهدها معظم المدن العراقية مع الانقطاعات الطويلة والمستمرة للطاقة الكهربائية.
ترك كانت في منتهى الروعة... ولا يسعني تخيل بطلة اكثر ملائمة منها لهذا الدور وأداء الساهر جاء مقنعاً هو الآخر..