أحمد البغدادي: جينات
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
قبل أعوام أعلن تسعة عشر عالماً أجنبياً عن انتصار علمي عملوا سنوات طويلة على تحقيقه هو الخريطة الجينية للإنسان، المسؤولة عن كل شيء عن الإنسان: صحته، مرضه، شيخوخته، صفاته، ميوله... إلخ. ومنذ ذلك اليوم والعلماء يعلنون بشكل متواصل اكتشافاتهم العلمية حول هذه الجينات، وما يصاحبه من علم الهندسة الوراثية، ثم تتالت الخرائط الجينية للحيوان والنبات. الأمر الذي فتح على مصراعيه لطرح العديد من الأسئلة والمشاكل الأخلاقية والقانونية، ومدى مسؤولية الإنسان عنها، في ظل اعتبار أن الخلق الجيني إلهي الصنعة لا دخل للإنسان فيه، وهو يعني مما يعنيه من تغيرات هائلة في بنية القوانين ذاتها، خاصة تلك المتضمنة لعقوبات مادية لمختلف الجرائم.
وقبل أيام أُعلن عن اكتشاف الجينات المسؤولة عن الخيانة الزوجية، وإن شكك البعض في مصداقيتها، لكن إن تحقق صدق هذه المسؤولية الجينية فسيكون الفائز الأكبر هو الرجل، باعتباره الأكثر ميلاً للقيام بهذا العمل لأسباب شتى ليست من شأننا في هذا المقال، لكن ما يهمنا في هذا المجال التساؤل، حول إلى أين سنصل كمنظومة بشرية في مجال المسؤولية الفردية تجاه ما نمارسه من سلوكيات سلبية، يفتح لنا العلم الحديث باباً واسعاً للتهرب منها!!
لا شك أن المجتمع لا يزال إلى اليوم في وضع آمن، حيث إن القوانين ثابتة ومستقرة، وحيث تأخذ العقوبات طريقها إلى التنفيذ، لكن ماذا عن المستقبل؟ أعتقد أن المجتمع الغربي هو الذي صنع هذه المشكلة، وهو المسؤول عن مواجهة عواقبها المستقبلية، لا لسبب سوى أنه مجتمع متقدم قانونياً، ويقوم على القانون، لكن هذه المشكلة لا تعني للمجتمعات المتخلفة التي لا يمثل لها تطبيق القانون مهمة أخلاقية. صحيح أن كثيراً من المسؤولين الكبار في هذه المجتمعات المتخلفة يصرحون بين حين وآخر أن دولهم، دول قانون، لكن جميعنا يضحك منهم وعليهم، لأنه هو نفسه أول الخارقين لهذا القانون إذا اقتضت مصلحته الخاصة ذلك. وكذلك الأمر مع بقية المواطنين الذين ترسخ لديهم الاقتناع أن هيبة القانون مرتبطة بمقدار ما يملكه الواحد من نفوذ وواسطة داخل المجتمع، وأن كل واحد منا "حريص" على خرق القانون إذا كان ممكناً.
سواء كنا في مجتمع متقدم أو متخلف، -كحالنا العربي- فإن المستقبل سيمسك بخناق الإنسان، الذي عليه مواجهة المسؤولية الجينية، خاصة إذا ما صدرت عن جهات علمية مرموقة وتسللت إلى البِنى القانونية، وأصبح علينا أن نواجه مثل هذه المسؤولية الأخلاقية، ألسنا نأخذ قوانيننا عن الغرب؟ وإذا ما أمكننا الانفلات مؤقتاً من هذه المواجهة بتأجيل التعامل معها، كما هو حال "بنو يعرب" مع مشاكلهم، فإن الغرب بمنظماته المسؤولة عن حقوق الإنسان لن يتركنا في حالنا. وما ندفعه اليوم من ثمن سياسي في مجال حقوق الإنسان بعد أن فضحت التقارير الدولية حالنا الحقوقي المزري، خير دليل على ذلك.
حال الواقع يقول أن لا مكان للعرب في مستقبل الأيام القادمة، وأتمنى ألا تهتم حكوماتنا بهذا التطور العلمي حتى برغم فوائده الجمة، لأنه لو تخيلنا أحد كبار المسؤولين وقد ادعى عدم مسؤوليته عن نهب المال العام الذي يتولاه بحكم منصبه بسبب الجينات اللعينة، فلنقل على أحوالنا السلام، هذا إن بقي منها شيء حتى ذلك الحين!