جريدة الجرائد

صلاح الدين حافظ: أيام الندم.. سنوات الكراهية!

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
وحين تمارس إسرائيل ارهاب الدولة، بحجة مكافحة ارهاب الأفراد والجماعات، فإنها تغالط شعبها قبل أن تغالط التاريخ، وتشوه الواقع وتختلق المبررات المفلسة، لتتوسع وتعتدي وتقتل، وهي في مأمن من أي عقاب، لأنها تحت مظلة الحماية الأمريكية من ناحية، ولأنها تمتلك آلة عسكرية منفلتة يجب أن تمارس قوتها الشرسة ضد عدو ما، من ناحية ثانية، ثم لأنها تعرف حق المعرفة أن الرد العربي على غطرسة قوتها العدوانية، كما هو، لا يرد ولا يصد!!
أيام الندم، ليست مجرد حملة عسكرية أخيرة على غزة وغيرها، لكنها حملة طويلة وحشية، تؤمن بأن القوة المطلقة، تكفل الحماية المطلقة للمشروع الصهيوني، استلهاما للتاريخ القديم، حين أفرط ملوك بني إسرائيل قبل آلاف السنين، وعلى امتداد تاريخهم، في الولع بدماء الأغيار الآخرين تنزف أنهارا، إيمانا بأن كل الأغيار يكرهون بني إسرائيل، ومن ثم وجب قتلهم جميعا أطفالا ونساء، قبل الشباب والشيوخ... اقرأوا تاريخهم تعرفون عقدة تاريخهم..
ولدت أيام الندم، سنوات الكراهية، وعقود العنف والتطرف، ما بين قبائل اليهود وغيرهم، وما فعلته أوروبا المتحضرة ضدههم على مدى قرون، وصولا لمحرقة النازي الشهيرة الهولوكوست ليس ببعيد عن الأذهان...
وها هي أيام الندم، وميراثها التاريخي لدى إسرائيل، تنفلت بآثارها السلبية ونتائجها المريرة، خارج جباليا، وخارج غزة، بل خارج فلسطين كلها، لتندلع نارا حارقة في كل مكان، فلكل فعل رد فعل مساو في القوة ومضاد في الاتجاه، وبقدر ما ترتكب إسرائيل من مجازر وحشية دموية بحق الفلسطينيين، بقدر ما يجب أن تدرك أن الانتقام قادم، وطالما هناك احتلال، لابد أن تكون هناك مقاومة... حكمة لا تبلى ودرس تاريخي لايزول!
وحين أفرطت إسرائيل في العنف الدموي والقتل العشوائي وسياسة الأرض المحروقة، اقتداء بما كانت تفعله القبائل الإسرائيلية القديمة، كما تروي التوراة، انفلتت طاقة الثأر والانتقام خارج الحدود، وبصرف النظر عن ادانتنا المطلقة للعملية الارهابية التي استهدفت فندق طابا والمنتجعات السياحية بسيناء المصرية، وبصرف النظر عن اسم وعنوان المرتكب المباشر لها، إلا أن القراءة الصحيحة تقول، إنها عملية انتقامية مرتبة، استهدفت السياح الإسرائيليين الكثر، الذين يتدفقون على هذه المنطقة بصورة منتظمة، لقربها الشديد من إيلات الاسرائيلية، ولرخص أسعارها مقارنة بالأسعار الأخرى، ولاحساسهم بأمان فيها، يفتقدونه داخل بلادهم!!
لكن الخاسر الأكبر من هذا الهجوم، هو مصر واقتصادها وسياحتها وأمنها، فهذا أول هجوم إرهابي منذ مدة طويلة داخل الأراضي المصرية، وتحديدا منذ عام 1997 حين وقعت العملية الإرهابية الشديدة، ضد السياح الأجانب في الأقصر وراح ضحيتها 85 سائحا أجنبيا، ومنذ ذلك الوقت هبت مصر كلها ضد الإرهاب، وتمكنت القبضة الأمنية من تصفية أو محاصرة جماعاته ومنظماته، وساد هدوء ملحوظ، حتى جاء هجوم طابا الأخير، ليثير أكثر من علامة استفهام، حول الفعل الإجرامي ومغزاه، والفاعل وأهدافه.
× × ×
وثمة عدة احتمالات، أولها أن يكون مرتكبوه جماعات فدائية فلسطينية، اشتد عليها حصار إسرائيل الدموي في الداخل، فاستسهلت العبور الى سيناء واستهداف طابا تحديدا، لعلمها بكم السائحين الإسرائيليين هناك في هذا الوقت من السنة، ردا على استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين في قراهم ومدنهم ومخيماتهم البائسة، وهو رد - إن صدق الاحتمال - في غير موضعه تماما..
والاحتمال الثاني، أن تكون جماعات أخرى ترتبط بـتنظيم القاعدة الدولي، هي التي نفذته، على غرار ما فعلت من قبل، من منتجعات السياحة في بالي الإندونيسية شرقا، حتى قلب مدريد غربا، وذلك انتقاما من غطرسة القوة التي تمارسها أمريكا وإسرائيل جهارا نهارا، هيمنة واستكبارا..
والاحتمال الثالث، هو أن تكون أجهزة سرية إسرائيلية، أو تنظيمات يهودية متطرفة، هي التي نفذت الهجوم ، ولها مع مصر تحديدا سوابق كثيرة، لتضرب أكثر من عصفور بتفجير واحد، تضرب اقتصادها وسياحتها الواعدة، بعد أن بلغت ستة ملايين سائح في العام الأخير، وتوقف الزحف السياحي الأجنبي، بما فيه الإسرائيلي والأمريكي، وخصوصا الأوروبي الذي أحس بالأمان في مصر بعد سنوات العنف والإرهاب، وتوقع بين مصر والفلسطينيين، الذين تتحمس لهم مصر ووتتبنى قضاياهم، وتضغط اقليميا ودوليا من أجل اقامة دولة مستقلة لهم..
أما العصفور الأكبر، أو الهدف الأهم في زعمي، فهو ضرب هيبة مصر وعرقلة دورها الإقليمي وسمعتها الدولية، بعد اظهارها بلدا يفتقر الى الأمن والاستقرار، ويعجز عن حماية زوارها، ويفشل في حرب الإرهاب!
وبدون استباق للتحقيق الدقيق، فإن أيا من الاحتمالات الثلاثة قائم لايمكن استبعاده، لأسباب واضحة، خصوصا الاحتمال الأخير، الذي أعرف مقدما أن اثارته، سوف تستثير غضب بعضهم، خصوصا أولئك الذين جندوا أنفسهم للدفاع عن السياسات الإسرائيلية، والأمريكية، برغم كل عدوانيتها ودمويتها وجرائمها..
وها نحن نرى ونقرأ لمن يجاهر بأن المقاومة العراقية، ليست من الشعب العراقي الذي يعاني ذل الاحتلال، لكنها جماعات ارهابية ومنظمات مرتزقة أجنبية عربية وإسلامية، وكأنما الشعب العراقي المعروف بصلابته الوطنية أصبح خنوعا الى هذه الدرجة، ونقرأ أيضا لمن يزعم بأن المقاومة الفلسطينية مجرد عصابات إرهابية، وان انتفاضة الأقصى التي دخلت قبل أيام، عامها الخامس، كانت وبالا على الشعب الفلسطيني، وكأنما المطلوب أن يتحول الشعب الفلسطيني الى حراس للمستعمرين الإسرائيليين، الذين يحتلون أرضه، ويقتلون من شبابه ويغتالون فيه كل مظاهر الحياة..
المثير في كل ذلك، أن بعض هؤلاء قد تطرف وغرز في وحل الباطل، ليقلب الحقائق، فيقول إن أمريكا احتلت العراق لتحريره، وأن إسرائيل تحتل ما تبقى من فلسطين لمحاربة الإرهاب، وبهذا انقلبت كل الحقائق والأوضاع رأسا على عقب، طالما أن أمريكا تريد ذلك وترى ذلك، وطالما أن أمريكا تحمي إسرائيل من العقاب، أو حتى العتاب الدولي، مثلما سارعت باستخدام الفيتو في مجلس الأمن الأسبوع الماضي، ضد مشروع قرار يطالب إسرائيل بوقف عدوانها على غزة المسمى حملة أيام الندم...
وللتذكرة فقط، هذا هو الفيتو السابع في عهد الرئيس الحالي جورج بوش الابن، والفيتو التاسع والعشرين، الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية، خلال مناقشة الصراع العربي - الإسرائيلي في مجلس الأمن... لفرض مظلة الحماية الأبدية.،. على الهولوكوست الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب عموما، وهو ما يشجع السفاحين على ارتكاب مزيد من المجازر، مثلما يشجع الآخرين على الانتقام والثأر، حتى لو أخذ شكل الإرهاب ردا على الإرهاب!
× × ×
ولان أيام الندم تلد سنوات الكراهية، فإن أمريكا تندم الآن قليلا، وستندم غدا كثيرا جدا على تورطها في العراق بهذا الشكل الدموي الصارخ، وهي التي كانت تحلم بأن جيوشها ذهبت في مارس - إبريل من عام 2003 الى نزهة على ضفاف دجلة والفرات، لتتلقى الزهور وتسمع الزغاريد والأهازيج، ترحيبا بمقدم نبي التحرير ورسول الخلاص!
وستندم إسرائيل أكثر وأكثر، بعد أن حولت كل طفل فلسطيني الى مشروع فدائي، بل بعد أن حولت كل الفلسطينيين الى قنابل عداء وكراهية، متفجرة عبر التاريخ، وهل هناك ما تتوقعه غير ذلك، بعد أن ظلت على مدى خمسين عاما تقريبا، هي عمرها، تمارس القتل الجماعي والتطهير العرقي والابادة الكاملة لشعب تحاول اقتلاعه من أرضه ووطنه التاريخي..
فإن كانت قد قتلت مئات الآلاف من الفلسطينيين على مدى نصف قرن، فإنها في السنوات الأخيرة، زادت معدلات العنف وأسرعت بوتيرة القتل المنظم ومارست أشد وأقسى صنوف ارهاب الدولة، فإذا حصيلة ضحاياها على مدى سنوات الانتفاضة الأربع 2000 - 2004 تتضخم، لتضم قتل 3334 فلسطينيا، وجرح 53 ألفا، واعتقال 28 ألفا، وتدمير منشآت حيوية بنحو 20 مليار دولار، وتعطيل ما بين 53% و 70% من طاقة العمل الفلسطينية عن العمل بسبب سياسة الحصار العسكري.
أما إقامة جدار الفصل العنصري فحدث ولا حرج، لأنه يعبر عن عقيدة قديمة مدفونة مخبوءة في قلب التاريخ اليهودي، منذ بدايات القبائل اليهودية الاثنتي عشرة، ولذلك فإن خطورة هذا الجدار العالي المسلح لا تكمن فقط في ابتلاع الأراضي الفلسطينية وعزل مدنها وتقطيع أوصال الدولة المأمولة..
لكن الخطورة الحقيقية، أن هذا الجدار يعيد إسرائيل القائمة الآن، الى عقلية قلاع القبائل القديمة، حين كانت تتحصن داخل قراها ومدنها وراء أسوار منغلقة، لا تخرج منها إلا للغزو والسطو على القبائل غير اليهودية المجاورة، ثم تعود بالغنائم والسبايا الى الداخل... عقلية الجيتو المعبأة بالعنف والكراهية للآخرين الأغيار..
أليس ما تفعله إسرائيل الحديثة بكل ترسانتها العسكرية والتكنولوجية مع الحماية الأمريكية، هو نفس الشيء، أسوار الحماية النووية وجدران الفصل العنصرية، وحملات الغزو للاستمتاع بدماء الآخرين، والسطو على أرضهم وأوطانهم، وتصدير الحرب والارهاب إليهم، من حروب إسرائيل التوسعية العدوانية منذ عام 1948، الى 1956 و1967، وغزو لبنان 1982، وإعادة احتلال الضفة والقطاع أخيرا، حتى إرهاب تصفية القيادات الفلسطينية في بيروت وتونس وقبرص ودمشق، ثم رام الله والخليل ونابلس وغزة، يظل الخط العقائدي القديم راكبا فوق دبابة حديثة يطلق صواريخه القاتلة المدمرة...
والنتيجة هي العنف والدم والكراهية، التي تزرع بذور الثأر والانتقام، فإرهاب الدولة يلد إرهاب الأفراد والجماعات، مثلما تلد أيام الندم سنوات الكراهية..
فهل هجوم طابا الإرهابي، بعيد عن كل ذلك؟!!
× × ×
×× خير الكلام: قال حكيم عربي:
لا ترجع الأنفس عن غيها
ما لم يكن منها لها زاجر

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف