سليم العوا: العرب في فرانكفورت
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حكوا لنا ونحن صغار قصة ثلاثة رجال لم يرو فيلاً في حياتهم، وأراد شخص أن يختبر قدرتهم على التخيل فوضع عصابة على عيني كل منهم وأخذهم إلى مكان وُضِعَ فيه الفيل وطلب إليهم أن يلمسوه ويصفوه له. قال أحدهم إنه أشبه شيء بجذع شجرة كبير، وقال الثاني إنه يشبه ماسورة ضخمة خشنة الملمس، وقال الثالث إنه شيء كالجبل لكنه لا قمة له! كان الأول قد وقعت يده على ساق الفيل، والثاني تحسس خرطومه، والثالث لمس جسده، فلما نزعت العصائب من على أعينهم رأوا حقيقته وعرفوا أنها ليست ما قاله أي منهم. هذه هي الصورة التي ذكرتني بها كتابات العائدين من مدينة "فرانكفورت" بعد أن شاركوا في نشاطات معرضها الدولي للكتاب الذي كانت الثقافة العربية "ضيف الشرف" عليه هذا العام. رأى كل منهم جانباً من المعرض فتحدث عنه ولا تتبين الصورة الكاملة للمعرض والثقافة العربية فيه إلا بجمع هذه الرؤى كلها بعضها إلى بعض. والمعرض في الحقيقة كان نجاحاً هائلاً للوجود العربي، وللثقافة العربية وللمثقفين العرب الذين شاركوا فيه، وقبل هؤلاء جميعاً كان المعرض نجاحاً حقيقياً لاتحاد الناشرين العرب ولجامعة الدول العربية ولمنظمة "فريدرش إيبرت" الألمانية التي كانت شريكة لجامعة الدول العربية في التنظيم والإدارة للمشاركة في معرض فرانكفورت. لكن هذا النجاح لا ينفي وقوع تقصير هنا أو أخطاء هناك، فكلاهما من سمات أي عمل بشري، وإنما يكون القياس بحسب المحصلة النهائية لمجموع الصواب والخطأ وحسن الأداء أو سوئه، والانطباع الذي يخرج به المراقب أو المتابع الجاد للنشاط العربي في المعرض. ومن هذه الزاوية رأيت النجاح الذي تحدثت عنه.
لأول مرة يكون الوجود العربي واحداً، فالناس كانوا يبحثون عن الجناح العربي، والمفكرين العرب، والفنانين العرب، والمثقفين العرب. ولم يكونوا يبحثون عن مصري أو سوري أو سعودي أو مغربي... إلخ.
ولأول مرة يكون الكتاب العربي في مكان واحد بصرف النظر عن الدولة التي صدر منها، ويتصفحه المهتم به باعتباره كتاباً عربياً لا عُمانياً ولا لبنانياً ولا تونسياً ولا جزائرياً. وهذا وحده كسب كبير لفكرة العروبة الثقافية، مهما تكن أسباب تحققه، فإنه عوّض كثيراً مما تفقدنا إياه -نحن- الشعوب العروبة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
رئيس اتحاد الناشرين العرب، المهندس إبراهيم المعلِّم، كان طول الوقت ثائراً لأن الناس (العرب القادمين للمشاركة في المعرض) لم يزوروا أجنحة الدول الأخرى، ولم يتعرفوا على الطريقة التي يعرض بها الناشرون بضاعتهم العلمية والثقافية، أو لأن المنظمين نسوا كذا أو فاتهم كيت مما لا ينبغي ـ في نظره ـ أن ينسى أو يفوت. كما لا يمكن اتخاذ أحكامه معياراً يقاس به الإخفاق أو النجاح، وهو على كل حال لم يقل قط إن العمل العربي كان مخفقاً في المعرض، لكنه كان يعاني من ملاحظاته التنظيمية أو المسلكية. وأقول إن أحكامه ليست معياراً في شأن الإخفاق والنجاح لأنه أولاً، يشارك في المعرض منذ سنين طويلة ناشراً ورئيساً لاتحاد الناشرين العرب وعضواً في الاتحاد الدولي للناشرين، فهو خبير لا يرضيه إلا الكمال والجمال معاً.
وهو ثانياً، ينظر إلى المعرض من حيث مهمته الرئيسية: تجمعاً للناشرين من الدنيا كلها يتبادلون فيه المعارف والتعارف ويبرمون العقود لتبادل حقوق التأليف والنشر ليحققوا، ما استطاعوا، فكرة عالمية الثقافة ويتغلبوا على إقليميتها، وكل نشاط سوى ذلك فهو نافلة.
والمثقفون والفنانون والمفكرون العرب كان هدفهم الأساسي أن يخاطبوا الناس الذين يرتادون المعرض، وأن يعرضوا بضاعتهم على الجمهور الذي يؤم قاعاته وأجنحته، وأن يتواصلوا تواصلاً مباشراً مع المهتمين ببضاعتهم بأنواعها كافة. لذلك لم يوِّل أكثرهم وجهه شطر أجنحة العرض غير العربية والذين فعلوا ذلك فعلوه في وقت فراغهم من النشاطات الفكرية والفنية والثقافية. وحسناً فعلوا، فقد كان وجودهم بين الناس وحديثهم إليهم واستماعهم منهم مفيداً فائدة عظيمة ومؤثراً تأثيراً إيجابياً لا يمكن إنكاره.
لقد شاركتُ في خمس مناسبات فكرية وثقافية في هذا المعرض، وكان الحاضرون في هذه الندوات الخمس في غالبيتهم (نحو 90%) من غير العرب، وفي كل ندوة كان هناك من يفترشون الأرض، ومن وقفوا لنحو ساعتين لأن المقاعد كلها كانت مشغولة قبل بدء الندوة. وفي لقاء أداره أستاذنا الأديب الدكتور ناصر الدين الأسد، وشارك فيه لفيف من المثقفين منهم الدكتورة مريم سلطان لوتاه، والدكتور الطيب تيزيني وكاتب هذه السطور في متحف الحضارات، اضطر المنظمون إلى فتح غرفتين متجاورتين، وفتح باب المدخل المؤدي إلى القاعة، ليسعوا الذين حرصوا على الحضور ولم يكن عددهم متوقعاً. ومن طرائف هذه الندوة أنها أعقبها حفل شاي وعندما وصل بعض المتحدثين الرئيسيين فيها إلى مكان هذا الحفل لم يجدوا قطرة شاي ولا قطعة حلوى(!)
وفي ندوة أدارها المهندس نبيل مهايني طلب الحضور ترجمة إلى اللغة الفرنسية فتعطل بدء الندوة دقائق إلى أن أحضرت المسؤولة عنها من قام بالترجمة الفورية إلى الفرنسية. بعد الندوة سألتها هل كان جائزاً تعطيل الندوة من أجل ضيفة واحدة؟ قالت لم تكن واحدة، لقد كانوا عشرة من الرجال والنساء كلهم لا يعرفون غير الفرنسية ومن حقهم وقد حضروا من بلادهم أن نقدم لهم المعلومات التي تتناولها الندوة بلغتهم.
في إحدى الندوات لفت الصديق العزيز محمد السمّاك نظري إلى أن وزير الخارجية الألماني حاضر بين الوقوف(!) ثم لاحظت أن أحد المنظمين أتاه بمقعد فجلس عليه قرب انتهاء الندوة. وفي ندوة أخرى كان وزير التجارة الألماني حاضراً طول الوقت مع أن الندوة لا علاقة لها بالاقتصاد أو التجارة.
الوجود العربي الأوروبي (أعني وجود الجالية العربية الأوروبية) كان مشرَّفاً جداً. وهو أمر لا يجوز أن يستهان به، ولا أن ينظر إليه على أنه لا يفيدنا أوروبياً. بل العكس هو الصحيح. فالجالية العربية في ألمانيا جنَّدت نفسها لخدمة ضيوف المعرض العرب، وقام بذلك الشيوخ قبل الشباب.
في كل فندق كنت تجد من الصباح الباكر مجموعة من العرب، ذوي الشيب والوقار، ينتظرون المشاركين في المعرض ليصحبوهم إلى حيث يحبون أن يذهبوا فيوفروا عليهم الجهد والوقت الذي يبذله غريب في البحث عن بغيته.
في فندقنا، مثلاً، كان الدكتور فتحي باطة والدكتور حسن سويلم والدكتور رفعت والمهندس رجب النجولي يتولون شأننا، وكان مع هؤلاء أعداد أخرى من السيدات والرجال الذين لم تتح لي الفرصة للتعرف على أسمائهم، كلهم كانوا يمضون اليوم كله في خدمة ضيوف المعرض.
الشباب العربي في ألمانيا تطوع منه نحو مائة من طلاب الجامعات بلا مقابل لخدمة العرب المشاركين في المعرض، فكنت تجدهم على الأبواب يسألونك إن كنت تحتاج على مساعدة ويقدمونها لك مسرورين، وكان معهم بعض أصدقائهم الألمان يفعلون الشيء نفسه.
وهذا كله كان نجاحات مهمة لا ينبغي التقليل منها، وكان معه بعض مشكلات التنظيم التي يجب النظر إليها في حجمها الطبيعي دون مبالغة.