نايف حواتمة: فلسطين.. أرض أكثر.. عرب أقل
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
علي امتداد الأربع سنوات الماضية من عمر انتفاضة الاستقلال أكثر ما ساء السواد الأعظم من أبناء شعبنا المكافح رؤيتهم لأهل أوسلو وهم يشرّحون الانتفاضة، بإغفالهم لمنجزاتها، وبتضخيمهم من الآثار السلبية لبعض الشوائب التي لحقت ببعض فعالياتها، في البداية وصفوها باليقظة الجزئية العابرة، ولما اشتد عودها خاضوا معها صراعاً مكشوفاً ودامياً، في محاولة خبيثة لتصفية الحساب مع هذه الملحمة الشعبية التي أسقطت نهجهم المقامر والتسلطي علي مساحة سنوات رحلة الأوهام الأوسلوية. وتحت شعارات واقعية مزيفة راحوا يحاولون إعادة الروح لمشاريعهم اليباب، تارة بالرضوخ لمطلب إسرائيل المعزز أمريكياً بإدانة المقاومة الفلسطينية المسلحة ووصمها بالإرهاب، وتارة أخري بتحميلهم لما أسموه بـ عسكرة الانتفاضة نتائج تصاعد السياسة التوسعية الدموية الإسرائيلية، وبناء جدران الضم والفصل العنصرية، وإسهال البيانات الاستنكارية في أعقاب كل عمل مسلح يسقط من جرائه مدنيون إسرائيليون، متغافلين عن آلاف الضحايا الفلسطينيين. ولكن دون الاستطراد أكثر في تعرية هذه السياسات العارية نتساءل هل سيُخرِجُ بوح فايسغلاس هؤلاء من أوهامهم المُخسِّرة في إعادة وصل ما انقطع من ودٍ مُتكلف باعهم إياه بعض أركان الإدارة الأمريكية أمام عدسات الكاميرات، ويُخرج الحالة الرسمية العربية من حالة السبات الدماغي المطبق؟
ما قاله فايسغلاس خطير جداً و ساطع الوضوح، الهدف الرئيس من وراء طرح خطة الفصل الأحادي الشارونية هو تجميد العملية السياسية، بما هي مجموعة من المفاهيم والالتزامات كونها حسب فايسغلاس تقوم علي إقامة دولة فلسطينية مع كل المخاطر الأمنية التي ينطوي عليها ذلك، العملية السياسية هي إخلاء المستوطنات، وإعادة اللاجئين الفلسطينيين، وتقسيم القدس، وكل هذا جمد الآن وحتي تتضح فكرته السابقة أكثر يتابع فايسغلاس كانت هنا رزمة صعبة جداً من الالتزامات توقعوا الحصول عليها من إسرائيل... ولكننا نجحنا في أخذ هذه الرزمة ونقلها إلي ما وراء جبال الزمن، بإدارة صحيحة نجحنا في إزالة قضية العملية السياسية عن جدول الأعمال . ومواربة قالها فايسغلاس ما جري كان بتوافق يصل إلي حد التطابق بين الفهمين السياسيين لإدارة بوش الابن وحكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية. إن ما سبق يؤكد حقيقة أن الخطة الشارونية هي الجزء المعلن من خطة سياسية إسرائيلية ـ أمريكية لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بحيث يأتي الحل النهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والعربي ـ الإسرائيلي ضامناً لـ احتفاظ إسرائيل بحدودها التوسعية، وشطب جوهر القضية الوطنية الفلسطينية، علي أن يجري تنفيذ ذلك علي أربعة مراحل :
المرحلة الأولي تحققت بتعطيل العملية السياسية التي دعت لها خطة خارطة الطريق الدولية، بتعميم شارون لأكذوبة عدم وجود شريك فلسطيني ، وترافق هذا مع البدء بمجزرة بناء جدران الضم والفصل العنصرية، وتسمين الكتل الاستيطانية القائمة لفرض الواقع الاستيطاني التوسعي الإسرائيلي كمقرر لشكل الحل النهائي، وفي هذا السياق يري شارون بأن من حق إسرائيل تحت دعوي محاربة الإرهاب الفلسطيني العمل علي تجاوز العقبات التي تحول دون تنفيذ خطته والمتمثلة بالانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، وحسب التقديرات الإسرائيلية فإن الانسحاب من غزة سيقود إلي سحب البساط من تحت أقدام الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، وتجزئة العملية النضالية الفلسطينية، وإيجاد تعارض بين مصالح أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الفلسطينية. ومن أجل تكريس هذا الواقع سيسعي شارون إلي سحق المقاومة في القطاع بما يمهد لنشوء قيادة فلسطينية محلية تقود القطاع في مرحلة الوضع الانتقالي ، والمعلوم أن الجزء الأول من هذه الأهداف قد تحقق بمجرد الإعلان عن الخطة، وبقية الأهداف يجري العمل علي تحقيقها بمجازر عملية أيام الندم المتواصلة، واستمرار بناء جدران الضم والفصل العنصرية، وخنق القدس عبر تطويقها بالمستوطنات. والضامن للاستمرار في تنفيذ ما تبقي من أهداف مغطي بضمانة أمريكية تجلت في رسالة الضمانات الأمريكية لإسرائيل رسالة بوش التي تلتزم واشنطن من خلالها بدعم ضم إسرائيل للكتل الاستيطانية الكبري، وبرفض التعامل مع القيادة الفلسطينية الحالية.
المرحلة الثانية الإبقاء علي الوضع القائم في غزة إلي فترة تمتد عشر سنوات، يتم من خلالها التفرغ لاستكمال مخطط بناء جدران الضم والفصل العنصرية التي تسرق 58 % من إجمالي مساحة أراضي الضفة الفلسطينية، واستكمال تهويد القدس، ويمكن خلال هذه المرحلة تطبيق عدد من الخطوات الأحادية الإسرائيلية، علي سبيل المثال نبضات إعادة انتشار من المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية، وتحقيق التواصل الطرقي بين أجزائها المتناثرة،. ومقابل الانسحاب من غزة تضغط واشنطن علي الدول العربية للعودة إلي تطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون ربط ذلك بأسس وشروط حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
المرحلة الثالثة تتداخل مع المرحلة الثانية ويتم خلالها الاتفاق علي قيام دولة فلسطينية بحدود مؤقتة قد يتم الإعلان عنها في مراحل مبكرة من المرحلة الثانية، ولكن بسقف زمني مفتوح، فايسغلاس يقول بأنه قد يستمر لعشرات السنوات، ويتم خلال هذه المرحلة بلورة أسس الحل النهائي ضمن الشروط والمحددات الإسرائيلية المدعومة بحقائق الاستيطان علي الأرض.
المرحلة الرابعة فرض الحل النهائي بالشروط الإسرائيلية، ضم 58 % من مساحة الضفة الفلسطينية، تهويد القدس، شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين بالتوطين أو إعادة التهجير، عزل الفلسطينيين في مجموعة جزر متناثرة مؤتلفة صورياً بدولة مستقلة"، وحقيقة الأمر لا يعدو كونها مجرد كيان منقوص السيادة وغير متواصل جغرافياً، والطامة الكبري في ما حمله افتضاح حقائق أهداف المخطط الشاروني علي لسان صديقه القديم الوفي فايسغلاس، فأكثرها معلومة لنا وقد حذرنا فيها مراراً، بل الخلل الأكبر باستمرار غياب استراتيجية فلسطينية موحدة، تعيد استنهاض وبناء العملية الوطنية الفلسطينية وتؤطر قوي الانتفاضة والمقاومة في مؤسسات وبني جبهوية ائتلافية تكون قادرة علي النهوض بمهمة التصدي للمشروع الشاروني المدمّر. وعلينا أن ندرك بأنه رغم اشتداد الهجمة الشارونية إلا أن الطريق أمامها غير سالك، وهذا ما يقرّبه فايسغلاس صراحة ومن قبله أقرَّ به العديد من أركان حكومة شارون وحتي شارون نفسه، فلا أفق علي المدي المتوسط لاستمرار استفراد الولايات المتحدة ووضع نفسها فوق القانون والشرعية الدولية، لأن سياسة واشنطن المبنية علي إرهاب الدولة المنظم والحامية لإرهاب الدولة المنظم في إسرائيل. تلقي معارضة الأغلبية الساحقة من دول العالم، والمأزق الأمريكي المتفاقم في العراق بات يحمل نذر أزمات داخلية أمريكية تذكرنا بعشية الأزمة الكبري التي سببتها الحرب العدوانية الأمريكية علي فيتنام، وما تلا ذلك من انكسار وانكفاء العدوانية الأمريكية، وبدون استمرار زخم الدعم الأمريكي لن تستطيع أسس حكومة إسرائيلية الاستمرار في تجاهل الحقوق الفلسطينية.
ويبقي أن نشدد علي أنه حتي تستطيع عبور المأزق الراهن الذي نعيشه فلسطينياً يجب أن نبني استراتيجية فلسطينية تقوم علي مجموعة العناصر التالية:
التمسك بالشرعية الدولية كأساس لازم لحل انتزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والعربي ـ الإسرائيلي، تعزيز العملية الوطنية الفلسطينية ككل والانتفاضة والمقاومة علي وجه الخصوص بإنجاح الانتخابات القادمة علي مختلف مستوياتها قروية، بلدية، تشريعية، رئاسية، كمدخل لإعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية علي أسس ائتلافية وديمقراطية ينتفي فيها الفساد والفاسدون، تهديف المقاومة وتركيزها ضد قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين، هذه العناصر الثلاثة كفيلة باستنهاض الحالة الفلسطينية، وجعل ذلك رافعة لاستنهاض الوضعين العربي والدولي.
ودون الدخول في تفاصيل اللعبة السياسية الداخلية الأمريكية والإسرائيلية نعود لنؤكد بأنه لن نستطيع التحـــول من حالة الدفاع إلي الهجوم السياسي إلا بامتــــلاكنا لاستراتيجية فلسطينية موحدة، قــــيادة موحدة، حكومة وحدة وطنية. حتي لا يتحقق حلم بن غورين بـ أرض أكثر، عرب أقل.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف