جريدة الجرائد

ثريا الشهري: معاداة السامية وإن يكن فما الجديد؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
أحدث توقيع الرئيس الأمريكي جورج بوش على قانون يلزم وزارة الخارجية الأمريكية بإحصاء الأعمال المعادية للسامية حول العالم، حالة شعورية عامة من الرفض والانتقاد والغضب من قبل الكثيرين. وبقراءة المسألة نجد أنها لا تخرج عن أن تكون تحايلاً قديماً ومستهلكاً، ولا يستعصي فهم دوافعه الحقيقية، وإن غُلِّف.
ولنبدأ، مع أن التاريخ بقدمه وحداثته قد زاد وعاد في ترسانة قوانين معاداة السامية هذه، وتوقيت زمانها الذي تظهر فيه، بمعنى أن التوسع في الأمر لا يحمل معه براءة اختراع ولا ما شابه، ولكن إذا كان للاستنارة معنى، فلنواصل حديثنا بالتعرف أولا على مفهوم معادة السامية.
جاء التقسيم التوراتي للبشر على ثلاثة أقسام: الساميون نسبة إلى سام بن نوح، والحاميون عودة إلى حام، واليافثيون وينسبون إلى يافث، وفيما ينحصر الحاميون في اللون الأسود، يبقى الأبيض والأصفر لليافثيين، ليأخذ الساميون لوناً وسطاً بين الأسود والأبيض، ويُُقصد بهم من استوطنوا العراق والشام وشبه الجزيرة العربية. إلاّ أن ذلك تخصيص لم يعف من استفحال التفرقة البشرية، وهذه المرة على أيدي الأوروبيين، فنجد أن التراث الحضاري للفكر الغربي قد أصر على التمييز الحاد بين الحضارات والأعراف، على أساس من ترتيب الأجناس إلى: «آري» وتقف ألمانيا على أعلى درجاته نبوغاً ونقاء، و«غير آري» بلائحة تضم العرب واليهود وكل من كانت في الشرق جذوره، لتتشكل مع هذا التوجه العنصري ملامح الاعتقاد الأوروبي بخطر الروح السامية على المجتمعات الآرية، حتى تبلغ ذروتها في أثناء الحقبة النازية الألمانية.
صحيح أن اليهود قد تضرروا من الممارسات النازية، ولكن ويلات الحرب العالمية الثانية لم تطالهم وحدهم. فهناك الغجر والسلافيون والعجزة والمعوقون والمتسولون والروس المحاربون، وغيرهم ممن عانوا من نفس المصير، وصحيح أيضاً أن هتلر في تصفية عرقية قد أباد عدداً لا يُستهان به من اليهود، إلاّ أننا لا نحب أن نقف طويلاً عند معرفة العدد الدقيق، لأن القضية هي المبدأ وليس الحجم، وهي التقتيل وإزهاق الأرواح أياً كان عددها، أكان ستة ملايين يهودي أو مليونا فقط أو أقل أو أكثر، وجل ما يهمنا الإشارة إليه هنا، هو أن تعبير معاداة السامية الذي درجنا على سماعة لم يُرد به منذ ظهوره، غير التأكيد على الخطر الذي يهدد الوجود اليهودي أينما حل وارتحل، وهو اختلاق خُطط له منذ التوظيف السياسي للمشروع الإسرائيلي، بمعنى أنه اصطلاح لم يُقصد به المعنى العلمي المستمد من علم الأجناس، الذي يُدخل تحت تصنيفه العرب ومن عاش في الشرق أو انحدر من سلالة سيدنا إبراهيم عليه السلام. ففي عام 1879 بالتحديد أصدر الصحفي الألماني اليهودي فيلهيلم مار كتاباً بعنوان «انتصار اليهودية على الألمانية من منظور غير ديني»، استخدم فيه ولأول مرة مدلول معاداة السامية للتعبير عن الشعور المعادي لليهود وحدهم دون سواهم من شعوب الجنس السامي.
يقول بن جوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي: «وإذا لم يوجد هذا العداء فلا بد أن يولد ويستثار، فإن أدنى لمحة من الكراهية لليهود، ينبغي أن تضخم حتى يبدو الأمر وكأن هناك مؤامرة دولية من العداء للسامية في الخارج»، والسؤال: لماذا كل هذا الافتعال؟
في الحقيقة إن من مصلحة إسرائيل أن تبقي على إحساس الخوف من الإبادة والتعذيب، حياً في نفوس جميع اليهود، وفي المقام الأول لسببين: ضمان عدم اندماج اليهود وانصهارهم في المجتمعات غير اليهودية التي يعيشون على أرضها، أو ما يطلقون عليها اسم «الجوييم»، محافظة على عنصرهم المنزّه وهويتهم الخالصة كما يعتقدون، وتحقيقاً لغرس الإيمان القاطع بأن بقاءهم في تلك الأمم، لا يعدو عن كونه وجودا مؤقتا لحين العبور إلى أرض الميعاد (فلسطين المحتلة)، وهو ما وصل بالأمور في كثير من الأحيان إلى حد تمادي الإسرائيليين أنفسهم في اضطهاد الأقليات اليهودية، ناهيك من عمليات التعاون المتعددة مع النازي وغيره لتنظيم عمليات خروج اليهود من أوروبا إلى فلسطين، وللأيضاح دعونا نطلع على تصريح آخر جاء في معرض مذكرة لجنة الإنقاذ في الوكالة اليهودية: «لو كان بوسعنا الاختيار بين إنقاذ عشرة آلاف شخص، من بين خمسين ألفا يمكنهم المشاركة في بناء الوطن والبعث القومي، أو إنقاذ مليون يهودي ليصبحوا عبئاً على كاهلنا، فالواجب علينا إنقاذ العشرة آلاف، بغض النظر عن الاتهامات والمناشدات التي قد يطلقها المليون شخص».
وهذا ما يقودنا إلى السبب الثاني، وهو الدفع باليهودي دفعاً للهجرة إلى فلسطين، ومن هنا يحق لنا الجزم بأن العديد من الهجرات اليهودية لم تتم تحت ظروف اختيارية طواعية، قدر ما كانت نجاحاً لحملة معاداة السامية التي عززتها إسرائيل. ولو أمعنّا النظر لوجدنا وبكل موضوعية، أن ما فعلته إسرائيل لم يكن سوى تجميع لتاريخ اجتماعي، تبني عليه عقيدة الدولة التي هي مقبلة على تأسيسها. فإسرائيل كانت تعلم بأن لا وجود لها لا على الخريطة السياسية ولا الجغرافية، حتى وإن كان رباط الدين واحدا، فالجنسيات شتى، وأماكن تواجدهم أكثر شتاتا، فكان على مؤسسي تلك الدولة، والحال هذه أن يبحثوا عن تراث حضاري يرتكزون عليه في مشروعهم، وهو ما كان في صورة الشعب المضطهد عنصرياً، والذي وعلى جميع قادة العالم، على اختلاف أزمانهم، أن يحملوا ويتحملوا ذنب ظلمه وتشريده.
إنها الاستراتيجية التي تفسر الأوامر التي طالما أصدرها رئيس الأركان الإسرائيلي السابق موشي دايان وآخرون غيره، للحشود الإسرائيلية للقيام بأعمال التنكيل والمناورات ضد البلدان المجاورة، لأنه بدون الإبقاء على شعور التوتر لدى المواطنين الإسرائيليين وداخل صفوف الجيش على حد قول دايان، لا يُخلق الشعب المقاتل الذي لا يفقد قضيته. أو بعبارة أوجز إحياء وتجديدا مستمرا للكرت إياه، وشعاره «معاداة السامية».
فلماذا الآن بالذات هذه الهوجة المحمومة بالسامية وعدائها؟ بالطبع وبعد التطرق إلى موضوع الانتخابات الأمريكية المقررة بعد بضعة أيام، ومدى حرص الرئيس بوش على كسب التأييد اليهودي له، حتى نضع هذا الحماس البوشي في إطاره المناسب، يبقى لنا معرفة الأهم وهي نوايا الجعبة الإسرائيلية!
فمن الواضح أن المصلحة الإسرائيلية التي تقف وراء التصديق على قانون كهذا، تريد الحصول على جرعة أكبر من التعاطف العالمي، باعتبارها الضحية وغيرها الجلاد، وخاصة مع بوادر التحرر الغربي وجرأته في التصدي لمخالفات السياسة الإسرائيلية للقوانين الدولية والإنسانية وانتقادها، أضف إليه، أهمية استئناف الهجرة اليهودية إلى فلسطين في البند الإسرائيلي، فأكثر ما يفت في عضد إسرائيل أن ترى الفلسطينيين يتكاثرون يوماً بعد يوم، ويهود العالم لا يزالون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى عند التفكير في الهجرة، فضلاً عن ظاهرة الهجرة المعاكسة من فلسطين المحتلة إلى خارجها، والتي ارتفع حجمها ببن الإسرائيليين مؤخراً.
وهكذا ومن حين لآخر، تستدعي الدوائر الإسرائيلية «تهمة العداء للسامية» لوصم الإجراءات والسياسات والشخصيات التي لا تتفق والوصفة الإسرائيلية، بل لقد وسع المجال الدلالي للاتهام حتى شمل رموزا من أمثال وليم شكسبير والمهاتما غاندي، والبقية تأتي من الرئيس النمساوي الأسبق كورت فالدهايم، إلى رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، إلى مفكري فرنسا روجيه جارودي وباسكال بونيفاس، وإلى حديثاً مساعد مدير عام الإذاعة الفرنسية الدولية الصحافي آلان مينارغ، إلى محطات التلفزيون وعلى رأسها الـ بي بي سي، إلى شركات بيع الكتب وأشهر مواقعها الالكترونية المسمى بـ«الأمازون» لإدراجها كتاب برتوكولات حكماء صهيون، إلى إغلاق «مركز زايد للتنسيق والمتابعة» ومقره أمريكا لاستضافته لعالميين وأمريكيين يبدو أنهم أسهبوا في الصراحة، إلى ما قد يأتي به هذا القانون من تبعات مستقبلية.
فإذن، ليس في الأمر ما يدعو للاستغراب، فهذه أساليبهم في صعود درجات أهدافهم، فإذا تجاوزونا ونحن ما زلنا نقف في نفس الطابق، لانشغالنا بنفس المعارك الجانبية، فالمسألة حلها لدينا! لنستأنف ارتقاء السلم ونرى من يملك النفس الأطول ؟

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف