خيرالله خيرالله: أفضل خدمة لعرفات
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
عاد «أبو عمار» الى فلسطين ام لم يعد، والرجاء ان يمد الله بعمره وان يعيده معافى يظل الموضوع المطروح كيف سيعيد الجانب الفلسطيني تنظيم صفوفه واوضاعه واعداد نفسه للمرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد الانتخابات الاميركية التي تجري اليوم. هذه المرحلة ستكون مهمة نظراً الى انها ستكون اختبارا لمدى جدية الجانب الفلسطيني في تجاوز الاخطاء التي وقع فيها في الماضي القريب والتي ادت الى قطيعة بينه وبين الادارة الاميركية. هذه القطيعة التي ادت الى اغلاق ابواب البيت الأبيض امام ياسر عرفات وبلغت حتى رفض اي مسؤول اميركي أكان صغيرا ام كبيراً التعاطي معه، تشكل اكبر انتصار سجله عليه ارييل شارون. ولا شك ان قدرة القيادة الفلسطينية ممثلة باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وما بقي من السلطة الوطنية على اعادة مد الجسور مع واشنطن سيشكل خطوة اولى في الطريق الصحيح.
ان مثل هذه الخطوة تفرض اول ما تفرض السعي الجدي الى ضبط الاوضاع الامنية في الاراضي الفلسطينية والتعاطي مع الاستفزازات التي يقوم بها شارون من زاوية انها تستهدف افتعال رد فلسطيني غير مقبول في العالم خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى في الصين وروسيا اذا استطاعت القيادة الفلسطينية التوصل الى تفادي اي نوع من العمليات الانتحارية او اطلاق صواريخ «القسام» التي يعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي هدايا من السماء يبرر بها جرائمه، تكون قطعت شوطاً بعيدا على صعيد استعادة المبادرة سياسياً في وقت ليس معروفا اذا كانت حكومة شارون ستتمكن من تجاوز الازمة السياسية التي تسبب بها قرار الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة.
ما لابد من تذكره هذه الايام ان ياسر عرفات استطاع وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط وهو نجح في ذلك بعد جهد طويل قاده الى واشنطن، وفتح له ابواب البيت الابيض على مصراعيها. وفي السنة 2000 لأن الرئيس الفلسطيني اكثر زعماء العالم ترددا على مقر الرئاسة الاميركية واستطاع قبل ذلك اقناع رئيس القوة العظمى الوحيد في العالم بزيارة غزة والقاء خطاب امام المجلس التشريعي الفلسطيني. حصل ذلك في عهد الرئيس بيل كلينتون الذي بذل جهوداً كبيرة لاحلال السلام في الشرق الاوسط ولكن من دون نتيجة اكثر من ذلك ترك كلينتون البيت الابيض بعدما وجه نصيحة الى خلفه جورج بوش الابن فحواها ان التعاطي مع ياسر عرفات لا يفيد وان من الافضل عدم الاستثمار في الرجل سياسياً.
في الحقيقة يصعب فهم كيف استطاع ياسر عرفات ارتكاب كل هذه الاخطاء خلال فترة زمنية قصيرة جعلت حلمه الكبير يتبخر. هذا الحلم يتمثل في نقل الوجود الفلسطيني على الخريطة السياسية للمنطقة الى وجود على خريطتها الجغرافية.
لا يمكن في اي شكل القاء مسؤولية كل الاخطاء على الرئيس الفلسطيني، ولكن ما يبدو مستغربا ان يكون «أبو عمار» استخف بردود الفعل الاميركية على تصرفات معينة وضحي بالعلاقات مع واشنطن بهذه السهولة. ضحى بالعلاقات على الرغم من انه امضى حياته السياسية يحاول الوصول الى ما وصل اليه في العام 2000 والى التحول الى حليف لاميركا. الم يعرض في الماضي ان يكون هناك انتداب اميركي على الضفة الغربية؟ ألم يكن مستعدا منذ اواخر الستينات لاستقبال اي شخص يشتم بأن له علاقات مع الادارة الاميركية؟ الم يكن يدري ان اسرائيل وضعت باستمرار نصب عينيها هدفاً يتمثل بمنع قيام علاقات فلسطينية ـ اميركية؟
ان الامثلة على مدى استعداد اسرائيل للذهاب بعيداً في جهودها لمنع اي اتصال بين واشنطن وعرفات لا تحصى. تكفي الاشارة في هذا المجال الى التعهد الرسمي الذي حصلت عليه من الادارة الاميركية في العام 1975 في مقابل توقيع اتفاق فك الاشتباك الثاني في سيناء. لقد اشترطت اسرائيل وقتذاك الحصول عل تعهد بأن اميركا لن تقدم على فتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية او حتى اجراء اتصال مباشر معها من وراء ظهرها وقدم لها هنري كيسنجر التعهد بصفة كونه وزيراً للخارجية في تلك الايام. ثمة مثل اخر ورد اخيراً في كتاب عنوانه «أسرار حرب لبنان» للكاتب والصحافي الفرنسي ألان مينارغ. في هذا الكتاب يظهر مينارغ استناداً الى وثائق لديه ان من بين الاسباب التي ساهمت في حمل رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغن على اجتياح لبنان في العام 1982 وجود قناة سرية للاتصالات بين الادارة الاميركية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وللتذكير فقط كان اسم وزير الدفاع في حكومة بيغن ارييل شارون ويبدو انه لم يتخل عن الفكرة القائلة ان مصلحة اسرائيل تكمن في وجود قطيعة فلسطينية ـ أميركية.
لماذا الذهاب بعيداً الى خلف؟ الم يعرقل شارون مهمة محمود عباس (أبو مازن) لدى توليه موقع رئيس الوزراء الفلسطيني لمجرد ان الأخير كان قادراً على الدخول في حوار جدي وعميق مع الاميركيين؟
لا يمكن تجاهل ان ياسر عرفات لا يزال الزعيم الوحيد للشعب الفلسطيني وانه رمز لنضال هذا الشعب وانه رئيسه المنتخب وان لديه شرعية حقيقية لا يمكن ان تقارن بشرعية عدد لا بأس به من زعماء الشرق الأوسط. ولا يمكن تجاهل ايضا ان الرجل ارتكب اخطاء كثيرة بعضها في الأردن والبعض الآخر في لبنان كذلك لا يمكن تجاهل انه اخطأ في حق الكويت عام 1990 وانه وجد صعوبة حقيقية في الانتقال من رجل الثورة الى رجل الدولة. ولكن يبقى ان على رأس الاخطاء التي ارتكبها عدم تمكنه من ايجاد آلية تحافظ على نوعية متميزة للعلاقات مع الولايات المتحدة. قد يكون ذلك عائداً الى الجهود الاسرائيلية لضرب هذه العلاقات وربما ايضا الى عدم فهمه لطبيعة النظام الاميركي ولنفسية الاميركيين. او الى عدم استيعابه سريعاً لطبيعة التغيرات التي حصلت بعد احداث 11 سبتمبر 2001 وتأثيرها على السياسة الاميركية خصوصاً على النتائج المترتبة على اعلان اميركا «الحرب على الارهاب».
المهم انه في غياب ياسر عرفات في فرنسا يظل افضل ما يستطيع الذين يتولون المسؤوليات حالياً عمله ايجاد طريقة لجعل العلاقات مع واشنطن علاقات شبه طبيعية، وفي ذلك اكبر خدمة يمكن ان تسدى لياسر عرفات الرجل الذي اوجد فلسطين على خريطة الشرق الأوسط سياسياً بعدما كادت تصبح قضية منسية، لكنه الرجل الذي اضاع الكثير في السنوات الاخيرة لأسباب قد تكون عائدة الى انه لم يدرك كم تغير العالم. فقد تعاطى مع عالم جديد استناداً الى القوانين والتوازنات القديمة التي فاته انها لم تعد تصلح لمرحلة بداية القرن الواحد والعشرين.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف