جوزف سماحة: المأساة العرفاتية
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يخطئ من يعتقد أن في هذا الوصف أي انتقاص من الرجل ونضاله. فلقد تدهور الوضع العربي إلى حد أن أرييل شارون لم يعد يريد تسلم الراية البيضاء إلا ممن يجثو أمامه راكعا. في هذه الأثناء كان الوضع الدولي ينحاز إليه. وكانت الولايات المتحدة تدعم مشروعه. وكان العرب، بعض العرب، ينهالون بالنبال على هذا الفلسطيني المعترض من أجل أن يخرّ ساجداً أمام جلاده.
منذ 1970 والثورة الفلسطينية تسير في عكس المجاري العميقة للسياسة العربية. وأدى ذلك في ما أدى إلى الانفجار اللبناني المريع. ولكن منذ 1980 شرعت الثورة تصطدم بالإعصار. ومهّد ذلك لما حصل في التسعينيات عندما حصلت الاستدارة تحت وهم ركوب الثور خير من مواجهته. ووصلت المفارقة إلى ذروتها في مطلع الألفية الثالثة: كيف نستنقذ أرضاً من الاحتلال، وبأي ثمن كان، والأمة تعود في بعض أقطارها، وليس أقلها، إلى زمن الاستعمار المباشر، والوجود العسكري الأجنبي، والجزمات التي تعفّر الجباه.
صارع عرفات ضد موت الثورة طيلة عقود. وما كان يمكنه أن يكون في زمن المد القومي بنداً في جدول أعمال النهوض القومي تحوّل إلى قضية صراع على أرض تغفل عن الدور الاستعماري لإسرائيل لسبب بسيط هو أن النظام العربي اتجه نحو الأصيل الأميركي عله يريحه بعض الشيء من الوكيل الإسرائيلي.
العرفاتية في مراحلها الأخيرة هي البرنامج النضالي المكلف جداً من أجل الاستسلام وقوفاً. لنضع جانباً التزويق القائل بأن الاتفاقات مع العدو الصهيوني ثمرة انتصارات ما. إنها محصلة صمود أسطوري للشعب الفلسطيني، وإصرار من الرجل على الحد الأدنى الوطني، وفرار عربي من أرض المعركة... لا بل، أحياناً، انتقال عربي إلى الجبهة المعادية.
يمتدح عرفات حين يقال عنه إنه أصر على الاستسلام مرفوع الرأس. ولقد دفع ثمناً غالياً عقاباً له على ذلك. لقد مثّل، على طريقته، هذا الجمع المأساوي بين كفاحية نادرة لدى شعبه وواقعية تدرك أن عالم الأنذال الحالي يوصد الأبواب في وجه واحدة من أكثر قضايا الكون عدلاً. ولم يكن ممكناً لعالم الأنذال هذا أن يتجلى بغير تعاقب الأحداث يوماً بعد يوم: يوم لاستقبال جورج بوش ويوم لوداع ياسر عرفات. وربما وجب علينا جميعاً أن نتذكر أن خبر التدهور الخطير في صحة الرئيس الفلسطيني مرّ، على شاشات فضائيات عربية، تحت صورة الرئيس الأميركي وهو يتحدث بعد اجتماع مع أركان إدارته ويعد ويتوعّد.
المأساة العرفاتية، وهي هنا مأساة القضية الوطنية الفلسطينية، أن زمن الاستسلام المشرّف قد يكون مضى. والخوف هو حصول انشقاق بين شعاري lt;lt;انتفاضة حتى النصرgt;gt; وlt;lt;الدولة بأي ثمن وفوق أي أرض وبما تيسّر من سيادةgt;gt;. ولا علاج لهذا الخوف إلا بتوفير قناعة بأن القادة الفلسطينيين جميعاً هم قيد الولادة من جديد في هذه اللحظة.
ليس الشعب الفلسطيني كائناً أسطورياً. إن من حقه أن يبحث عن العادية. وليس عرفات قائداً استثنائياً (وإلا ما كنا نرتعب من غيابه إلى هذا الحد). لكن الطرفين معاً شكّلا حالة الاستعصاء المعروفة التي أتعبت إسرائيل، وأحرجت رعاتها، وكشفت هزال الوضع العربي.
غياب عرفات، ويتوجب على المرء أن يقرأ العبارة مرتين حتى يصدقها، سيدخل الصراع في مرحلة جديدة و... مديدة. وسيكون على الشعب الفلسطيني أن يبتدع خطه النضالي في تلك المنطقة الرمادية بين ما لا يمكن التنازل عنه وما لا يمكن الحصول عليه. وعليه، إذ يفعل ذلك، أن يضع في حسابه أن الأفق الدولي أكثر سواداً، وأن العرب القابضين على جمرة فلسطين قلائل (؟) في موقع القيادة وإن كانوا جمهرة واسعة لا حول لها.
سيغيب عرفات من دون أن يكون قدّم للشعب الفلسطيني إنجازات لا عودة عنها (سوى إيجاده على الخريطة السياسية)، ومن دون أن يكون ورّط الشعب الفلسطيني في تعهدات لا عودة عنها. ربما كان ممكناً له أن يترك إرثاً أفضل.
غير أن أي توزيع عادل للمسؤوليات لن يظلمه كثيراً، وسيسجل له أنه ظل، حتى اللحظة الأخيرة، لصيقاً بشعبه، ساعياً إلى انتزاع بعض حقوقه، ممتنعاً عن أن يقدم للإسرائيليين اعتذارا عن أنه كان، صدفة، في طريقهم فاختلط عليه الأمر بحيث لم يعد يعرف التمييز بين lt;lt;النكبةgt;gt; وبين lt;lt;حق الشعب اليهودي في تقرير المصيرgt;gt;.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف