جريدة الجرائد

حضارة وادي النيل الفرعونية على ضفة نهر السين

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

باريس من عبده وازن: صفّ طويل أمام معهد العالم العربي في باريس, من رجال ونساء وفتيان وفتيات وأولاد صغار ينتظرون جميعاً دورهم للدخول الى معرض الحضارة الفرعونية الذي يقيمه المعهد ويستمر حتى شهر نيسان (أبريل) من السنة المقبلة. هذا المشهد يتكرر يومياً, صباحاً وظهراً ومساء. ويتوقع مدير المتحف والمعارض في المعهد ابراهيم العلوي ان يتفاوت عدد الزائرين بين 450 ألفاً و600 ألف. وعندما تمطر سماء باريس ترتفع "الشمسيات" الصغيرة ولا أحد يفارق الصف, فالموعد مع الحضارة الفرعونية يستحق كل تضحية. وكم يبدو هذا "الجمهور" على حقّ, فالمعرض لم تشهد باريس ما يماثله, ليس في حجمه فقط, وإنما في ما يضم من أوجه مختلفة للحضارة الفرعونية, رموزاً وجماليات وأبعاداً. أما محتوياته فتبلغ مئتي تحفة ومنها مئة وخمس عشرة قطعة جُلبت من المتحف المصري وضمنها خمسون قطعة تعرض للمرّة الأولى خارج مصر, اضافة الى خمس وثمانين قطعة من مجموعات متحف اللوفر الفرنسي والمتحف البريطاني ومتحف فيلادلفيا الأميركي.

والمعرض هذا اعتبرته الصحافة الفرنسية ووسائل الاعلام كافة أحد أبرز الاحداث الثقافية للموسم الباريسي الراهن. وخصّته بعض المجلات بأغلفتها وأصدرت بعض المجلات الشهرية اعداداً خاصة به وكأن الحدث فرنسي قبل ان يكون حدثاً مصرياً في باريس. وهذا ما يدل الى ما يسمّى بـ"الشغف الفرنسي بالحضارة المصرية القديمة".

لعلّ أبرز ما يميز المعرض الفرعوني كونه ذا طابع شبه موسوعي, فهو قائم على موضوعات (أو تيمات) محددة تعبّر عنها عناوين الأقسام الستة التي أدرجت فيها الاعمال المعروضة والتي تمثل نحو أربعة آلاف عام من عمر هذه الحضارة العريقة والممتدة في عمق التاريخ, من الدولة الفرعونية القديمة الى الدولة الفرعونية الحديثة. ولا غرابة ان يستحضر الأفق الفرعوني الوجوه البارزة التي صنعت التاريخ القديم مثل أخناتون وخوفو وخفرع وتون عنخ آمون ورمسيس وسواهم. وما تجدر الاشارة اليه ان كلمة فرعون أطلقت على الحاكم خلال الألفية الأولى قبل الميلاد وقد ضمّت وثائقه الرسمية خمسة اسماء مختلفة.



ولئن قدّمت بعض المعارض الأوروبية سابقاً ولا سيما المعرض الذي أقيم في العام 2002 في مدينة البندقية, وجوهاً عدة من الحضارة الفرعونية فإن معرض معهد العالم العربي يتميز بالقاء الضوء على الفضاء الفرعوني من خلال مجموعة مختلفة من الاعمال الفنية والثقافية. وليس جديداً ان يقال ان بلاد الفراعنة التي ترجع نشأتها الى الألفية الثالثة قبل الميلاد, هي أعرق بلاد في التاريخ الانساني وقد ترأسها حاكم تختصر في شخصه كل السلطات وقد استطاع حكمه ان يوحد الأرض والشعب.

ويبدو اليوم ان الرمز الفرعوني, وخصوصاً بعد توسّع "علم المصريات", أدى دوراً أساسياً في الفكر او الثقافة المصرية القديمة وجعل الانسان يتأمل عبر نفسه في ما سمي حينذاك بـ"التقدم الكوني". وليس من المستغرب ان ينظر الى الرمز الفرعوني الذي كان وسيطاً بين عالم الأرض وعالم الماوراء, وعلى انه شعار للحضارة المصرية التي توفق بين الطبيعة والثقافة والسياسة والدين. ومن البديهي ان تكون الشخصية الفرعونية ذات طبيعة ازدواجية تتمثل في التناقض بين المنصب والشخص, وهي ازدواجية غير معروفة لدى العامة من الناس ولكنها باتت ثابتة لدى العلماء المتخصصين في الحضارة المصرية.

أما الشغف الفرنسي والأوروبي عموماً بالحضارة المصرية القديمة فيعود الى قرون خلت وهو ليس حديثاً أبداً. واكتسبت العلاقة بين مصر الفرعونية وأوروبا طابعاً سحرياً وأغرت الحضارة الفرعونية "المتخيّل" الأوروبي وراحت تغذيه وتمدّه بالفتنة والروعة والأسرار. وأقام بعض الرحالة علاقات أخرى مع هذه الحضارة ومن هؤلاء العالم النباتي بولون الذي زار الجيزة في العام 1533, وكذلك فرانسوا دو بافر الذي اكتشف في العام 1585 موقع ممفيس وافتتح عبر هذا الاكتشاف مرحلة جديدة من العلاقة مع مصر القديمة. وهناك ايضاً فيفان دونون الذي رسم الآثار الطالعة من الرمل وشامبليون الذي فتح صفحة جديدة ورئيسية عندما تمكن في العام 1822 من فك الرموز الهيدروغليفية لحجر الرشيد وتعرّف خلال مهمته في مصر الى آثار وادي النيل. وهكذا اصبح الاهتمام الأوروبي (والفرنسي خصوصاً) بالحضارة المصرية شغفاً ليس فردياً فحسب وإنما جماعياً تبديه الدولة والمؤسسات الثقافية والعلماء. ويندرج معرض العالم العربي في باريس في سياق العلاقة الثقافية المتينة بين أوروبا والحضارة الفرعونية.


جولة "فرعونية"

يضمّ المعرض اذاً ستة أقسام, يحمل كل قسم منها عنواناً مستوحى من المادة الفنية والثقافية التي يقدمها. القسم وعنوانه "صور الفراعنة ورموزها" يحوي الصور الملكية ورموزها بدءاً من الفراعنة الذين حكموا مصر خلال ثلاث حقبات: الدولة القديمة, الدولة الوسطى والدولة الحديثة. هنا يشاهد الزائر تماثيل الملوك وفق التسلسل التاريخي منذ تأسيس الدولة (خمسة آلاف عام قبل الميلاد) حتى عصر البطالمة: توت عنخ آمون يجسده تمثال ضخم (يبلغ طوله ثلاثة أمتار) وهو الفرعون الذي مات في الثامنة عشرة من عمره... وتتوالى التماثيل والوجوه المنحوتة. وما يجب الانتباه اليه هنا ان "الوجوه" ليست وجوهاً فنية أو "بورتريهات" شخصية بمقدار ما هي وجوه مثالية أو وجوه في المطلق. وإن تعددت هذه الوجوه واختلفت فهي تظل تحافظ على السمات نفسها. في القسم الثاني تتجلى فكرة الوساطة الفرعونية بين الأرض والماوراء, بين الحياة والموت وبين الانسان والرمز الكوني الكبير. وهنا تحل "الهيئة" الفرعونية في المكانة الأولى فالرمز هو راعي القطيع البشري وحاميه والمدافع عنه. في القسم الثالث يبرز الرمز الفرعوني كضمان لتوازن العالم وللانتصار على الاعداء. هنا يرتدي الكاهن الأعلى ثوب القائد العسكري المنتظر والذي يحمي البلاد من الاعداء الكثر. ويظهر الرمز الفرعوني على لوح حجري قائداً شامخاً يتقدّم منه وزراء الشمال والجنوب ووراءهم كبار الحكام. وفي لوح ثانٍ يتبدّى الاعداء رافعين أذرعهم الى الأعلى في حال من الاستسلام. وفي لوح ثالث من عهد أخناتون تظهر صفوف من الغرباء ساجدين أمام الرمز. في القسم الرابع يبرز الرمز الفرعوني كضمان لازدهار مصر القديمة وكدليل للحكم العادل والجيد. اما القسم الخامس فيدور حول القصر والبلاط والأسرة الحاكمة. وهنا يتعرّف المشاهد على الحياة الخاصة للفراعنة مع زوجاتهم وأبنائهم. وتقدّم القطع المعروضة والألواح الحجرية القصور الفرعونية في اجزائها وزينتها وبعض محتوياتها. ويتناول القسم السادس من المعرض موت الرمز الفرعوني وطقوس الدفن والجنازة وما تضمّ من أقنعة وحليّ وآلات موسيقية. ومن القطع المعروضة قناع جنائزي من الذهب الخالص وجواهر منقوشة وأدوات زينة ومرايا وأمشاط.

ومن الأعمال المعروضة التي يمكن الوقوف عندها: "التمثال الضخم لتوت عنخ آمون". هذا التمثال عرض آخر مرة في فرنسا سنة 1967. وهو مرآة للحضارة الفرعونية. وحكم هذا الفرعون لم يدخل التاريخ عبر الحروب التي خاضها او الانجازات المعمارية والحضارية التي انجزت خلال حقبته, بل دخل التاريخ تبعاً لوفاته وهو في ريعان شبابه. ومع ذلك فإن هذا التمثال المصنوع من الحث الصواني المصبوغ, والذي يبلغ علوه 3 أمتار ويزن 4 أطنان, تنبثق منه العظمة على صورة هذه الحضارة العريقة.

توت عنخ آمون ممثل في هذا التمثال بملامح شاب ذي وجه هادئ وبلمسات ضوء ملونة حول العينين الضيقتين والحاجبين والشفتين. ويحمل التمثال العلامات التقليدية للرمز الفرعوني متمثلة في التاج المزدوج الذي يمثل اتحاد مصر العليا بمصر السفلى وفي التسريحة المقلمة المصبوغة بالأزرق والأصفر ثم في اللحية والطوق العريض. ومن أبرز المعروضات التي ضمها رواق المتحف:


"رسم لعصافير في سبحة"

تكشف هذه القطعة التي وجدت في تل العمارة, في القصر الجنوبي, التزيينات التي كانت في القصور الملكية. ويلاحظ من خلالها حب واضح للطبيعة. وكانت هذه الرسوم تزين أرض القصور ولم يبق منها الا قطع نادرة بسبب هشاشتها.


"صندوق امنحوتب الثالث"

كان الأثاث في مصر القديمة يتكون من مقاعد وأسرة وخزائن وصناديق توضع فيها ادوات الزينة والمجوهرات والألبسة والأثواب وفي بعض الاحيان الأواني. وعثر على هذه القطعة التي تحمل خطوطاً باسم امنحوتب الثالث في وادي الملوك. ويُكتشف من خلال هذه القطعة الترف السائد في القصور الملكية في عصر الدولة الحديثة.


"رأس تمثال امنحوتب الثالث"

وضع هذا التمثال في مدخل المعرض وكان يمكن وضعه في القسم الثالث لتجسيد الانتصار على الاعداء وامنحوتب الثالث هو الذي عثر على أكبر عدد من تماثيله ويفوق عددها مئتين وخمسين. وهو التاج الملكي المزخرف في اشكال دائرية وأفعى الكوبرا. والتمثال من الفخار المصبوغ وعُثر عليه في معبد الكرنك.


"كنز تانيس"

عُثر على كنز تانيس في القسم الشرقي من دلتا النيل بين دمياط وبورسعيد. وكنت تانيس اصبحت في العام الف قبل الميلاد عاصمة الملوك الذين جاؤوا بعد الأسرة الحاكمة. وتميزت هذه الفترة بصعوبتها اذ كانت مصر تنقسم انذاك الى منطقتين كبيرتين. اكتشف هذا الكنز عالم المصريات بيير مونتي عام 1940. ويشكل اكبر مجموعة من المجوهرات والمصوغات منذ اكتشاف قبر توت عنخ آمون سنة 1922.


ابراهيم العلوي مدير "المتحف" يغامر وينجح في رهانه

باتت المعارض الكبيرة التي ينظمها معهد العالم العربي في باريس احدى أهم الظواهر التي تجذب الجمهور الفرنسي وتحفزه على زيارة المعهد. سلسلة من المعارض لا يمكن نسيانها: دو لاكروا في المغرب, كنوز الفاطميين في القاهرة, لبنان الضفة الاخرى, حضارة اليمن, الأندلس... وخلال سنوات استطاع "متحف" المعهد العربي الذي يديره باحث ومتخصص في تاريخ الفن هو ابراهيم العلوي, ان يضاهي بعض المتاحف الشهيرة في تقديم اعمال فنية وحضارية تعني الجمهور الفرنسي المثقف والمشغوف بسحر الشرق والعالم العربي. وتمكّن "المتحف" هذا من فرض حضوره كحيّز فريد يجمع بين الحضارة العربية والشرقية والحداثة الغربية, بين الفن الشرقي والعربي والمخيلة الأوروبية. وقد يكون هذا "المتحف" ايضاً الواجهة الاكثر سطوعاً في المعهد الذي لا تتوقف نشاطاته طوال السنة.

ابراهيم العلوي أشبه بالجندي المجهول, يعمل بصمت ولا يهمه الا ترسيخ غاية المتحف الذي يديره منذ سنوات. رجل ديناميكي, مثقف وذو رؤية شاملة وعميقة, يجمع بين خبرة المتخصص المنفتح وذائقة الناقد المفتون بالجماليات. عمله في ادارة المتحف والمعارض ليس بالسهل ومنذ ان تسلّم هذا المنصب وضع نصب عينيه ما يشبه الرهان: ان ينجح, ان ينجح فحسب... ولم تمضِ فترة حتى كسب العلوي رهانه ونجح ولكن بعيداً عن اي ضوضاء. آخر المعارض التي ينظمها "المتحف" في اشراف العلوي هو معرض الحضارة الفرعونية وقد شهد منذ افتتاحه نجاحاً كبيراً. يقول العلوي عن الظاهرة في حوار مع "الحياة": "يعود النجاح الى اسباب عدة, منها ما يتعلق بتاريخ العلاقة بين فرنسا ومصر وخصوصاً بعد حملة نابوليون الشهيرة التي كانت ذات وجه علمي إضافة الى الوجه العسكري. منذ ذلك الحين دخلت مصر في "المتخيّل" الفرنسي. وقد أنشأ نابوليون نفسه معهداً للعلوم المصرية. إنها علاقة قديمة اذاً, سياسياً وفنياً وهندسياً. وما يجب ملاحظته في فرنسا هو العودة الى الاهتمام بالجذور الحضارية. ثمة فضول الآن لاعادة اكتشاف الحضارات القديمة ومصر الفرعونية هي واحدة من الحضارات الثلاث الأبرز مع حضارة بلاد ما بين النهرين والحضارة الصينية. في هذه الحضارات الثلاث يكمن مهد البشرية. حتى الحضارة الغربية والمتوسطية تجدان جذورهما كلها في هذا المهد. والجديد في المعرض هو انه يكشف عن قطع لم تعرض سابقاً خارج مصر. وقد أعارتنا إياها مديرية الآثار المصرية. ولو لم تكن هناك ارادة سياسية من الدولة نفسها لما تحقق هذا المعرض. والمعهد كما تعلم هو صلة وصل. وكان لدى المسؤولين المصريين وعي بأهمية المعرض. وحاولنا ان نجعل المعرض مرآة تعكس كل أبعاد الفن الفرعوني. فاستعرنا قطعاً اخرى من اللوفر مثلاً وسواه. واستطيع ان أقول ان المعرض متكامل في المعنى الفني والحضاري والماورائي والسياسي والاجتماعي. تصوّر ان المعرض يشهد إقبالاً من نحو 400 ألف زائر يومياً".

وأسأل ابراهيم العلوي عن ظاهرة "المتحف" الذي بات من المؤسسات البارزة في باريس التي تعنى بالفنون والحضارات وعن سلسلة المعارض المهمة التي شهدها فيقول: "المتحف هو عبارة عن واجهة للحضارة العربية, مثله مثل المعهد الذي ينتسب اليه اصلاً. ولكن في "المتحف" نركز على المعارض التي تبرز كنوز الدول العربية والإسلامية. والمعارض هذه مشرعة على التراث في طريقة جديدة أو حديثة. انها طريقة الحوار مع الفن اولاً من اجل ايصاله الى الجمهور الغربي كما يجب ان يصل كفن حضاري ذي مدلول. اننا نحاول ان نتحاور مع هذا الجمهور ولسنا نقدّم له فناً فقط وأعمالاً فنية وحضارية. هذا الحوار مهم جداً. ويترسخ من خلال كيفية العرض وكيفية الشرح وهذا ما يجعلنا نعطي دلالات جديدة لهذا التراث او هذه الحضارة. وفي باريس ثمة تسابق بين المتاحف والغاليريات والمعارض. وكي نأخذ مكانة خاصة كان علينا ان نقدم شيئاً جديداً. وهذا ما سعينا اليه واستطاع المتحف ان يحتل مرتبة مهمة في فرنسا وبات يعد من الفضاءات الحية والديناميكية وذات البنية الراسخة. ناهيك بالمعارض الصغيرة التي نقيمها دورياً من اجل تقديم الابداع التشكيلي المعاصر, رسماً ونحتاً وهندسة معمارية وفوتوغرافية و"ديزاين" وكتب أطفال وقد أقمنا ونقيم معارض دائمة للفنانين العرب. إضافة الى المعارض الاستعادية لفنانين كبار من أمثال: ضياء العزاوي والقاسمي ومروان وآدم حنين والجزار وسواهم. وهناك ايضاً المعرض - التحية وكان مثلاً للرسام بول غيراغوسيان وسواه طبعاً. وفي المعارض هذه نتبع سياسة المتحف وليس سياسة الغاليري. فلا بيع بل تعريف بالفن التشكيلي المعاصر". ونسعى دوماً الى اصدار كتب فنية مميزة ترافق المعارض الكبيرة اضافة الى "الكاتالوغات" التي تقدم الفنان وعالمه. و نصرّ على ان تكون هذه الكتب والاصدارات ذات طابع حواري بين النقاد العرب والنقاد الفرنسيين, فيتبادلون الآراء والاحكام مما يساعد الفنانين العرب على الانطلاق عالمياً. وكنا بدأنا بدراسة الساحة الفنية العربية المعاصرة في كل ظواهرها وتجاربها وأساليبها وأسسنا مركزاً للتوثيق بغية رصد الحركة التشكيلية العربية منذ مطلع القرن. ولا أبالغ إن قلت ان الكتب و"الكاتالوغات" التي نصدرها هي مراجع تعرّف بالفن الحضاري والفن المعاصر. اما مجهودنا فنبذله على المدى الطويل وغايتنا ايجاد أسس ونقاط ارتكاز للثقافة والفن والحوار. هكذا يبدو العمل صعباً جداً. وتجربة المعهد هذه او المتحف, وإن كانت من الناحية الاعلامية غير معممة أو غير ملموسة, فهي بدأت تؤتي ثمارها. إنها ثمار العمل الهادئ والعميق. وكانت هناك قناعة دائمة لدينا بأن العمل الفني هو الطريقة الوحيدة والاكثر صدقية لاظهار الوجه الحقيقي والاصيل والايجابي لحضارتنا وهو الطريقة التي تضمن ايضاً خروج العالم العربي من الاحوال السيئة التي تحيق به. ولعل التنسيق الذي نقوم به مع بعض المؤسسات في الدول العربية مثل الاردن والسعودية وسواهما قد يساعد الطرفين على ترسيخ الثقافة الفنية. إننا نستعير من بعض المؤسسات ونغيرها بدورنا. وهذا ايضاً حوار بين العالم العربي و"المعهد" الذي وجد اصلاً كي يكون صلة وصل بين أوروبا والعالم العربي. إننا نبحث عن المبدعين العرب أينما كانوا في العالم العربي أم في "المنفى" أو "المغترب" العربي".

وأسأل ابراهيم العلوي عن علاقة "متحف" المعهد بالمتاحف والمؤسسات الفرنسية, فيقول: "هناك تنسيق تام مع المتاحف الفرنسية. وثمة ثقة متبادلة وتعاون ملموس. الاستعارة والاعارة ثم هناك المشاركة في تبادل المقالات في الكتب وكذلك المشاركة في اللجان العلمية. وكل معرض له لجنته العلمية الخاصة. وليس من معرض نقيمه من دون رؤية شاملة, فنية وثقافية. ومن ناحية المعارض الصغيرة فإننا نحاول دوماً ان نطّلع على ما يحصل في العالم العربي من معارض وما يكتب من ابحاث. فالعمل الاحترافي يفترض عليك ان تكون مطلعاً على ما يحصل على المستوى الفني, عربياً وعالمياً". وعن ردود فعل الجمهور الفرنسي ازاء المعارض التي تقام في المعهد, يقول العلوي: "الجمهور نأخذه دوماً في الاعتبار. انه مبدأ التواصل: هناك المرسِل وهناك المرسَل إليه. نحن نقدّم الاعمال والجمهور هو الذي يتلقى. ولهذا يهمنا كثيراً رد فعله لأنه ينبع من "الكليشيهات" و"العانتسمات" العالقة في ذهنه. إننا نتعامل مع الجمهور كمبدع بشري يجب ان نحاوره وان نجد وسائل وأقنية للتعامل معه باحترام وصدق ووعي ثقافي. وقد اصبحت لدينا الآن خبرة في هذا الحقل. وإذا كان للمعهد وللمتحف طابعهما او شخصيتهما فالجمهور ايضاً له ثقافته وذائقته وهو الذي يقرر ويرى ويقارن. إنها الديموقراطية في معناها الثقافي. وعموماً يبدو الجمهور متجاوباً جداً مع المعارض التي نقيمها. وتكفي الاعداد من الزائرين الذين يقصدون هذه المعارض".

وأسأل العلوي: هل ترك حادث 11 أيلول (سبتمبر) أثراً على هذا الجمهور؟ فيقول: "عشنا هذا الحادث مثل كل العرب وخصوصاً الذين هم في أوروبا. ولاحظنا ان ثمة ردّي فعل مختلفين: الأول تمثل في تلهف الفرنسيين الى المزيد من المعرفة في حقل الثقافة العربية والإسلامية. انها ارادة المعرفة التي تغلبت على مبدأ الرفض والحقد. وهكذا ازدهرت حركة النشر في ميادين الثقافة العربية والإسلامية باللغة الفرنسية.. وسعى الكثر الى قراءة القرآن الكريم في ترجمته الفرنسية والى الاطلاع على الثقافة العربية أدباً وحضارة وفناً وكذلك على الدين الإسلامي. ولاحظنا من خلال عملنا ان هناك سعياً الى معرفة الحقيقة بعيداً عن العناوين الخارجية و"الكليشيهات". اما رد الفعل الثاني فتمثل في المواقف المتعصبة والجاهزة ضد الثقافة العربية. وبرز مفهوم "الارهاب" كوسيلة لقراءة هذه الثقافة. وراح بعض المثقفين يصفون العالم العربي كله بالتخلّف والارهاب من دون ان يميزوا بين فئة وأخرى. وقد وضعوا العالم العربي أجمع في سلة واحدة. وهذا خطأ. فالعالم العربي لا يمكن التعامل معه وكأنه ارهابي ويرفض الثقافة الغربية. ومنذ 11 أيلول حاولنا من خلال نشاطاتنا في المعهد ان نكسر الصورة الخاطئة عن عالمنا العربي وان نسيطر على "الصدمة" التي هزّت العالم لمصلحة الثقافة العربية في وجوهها المضيئة والساطعة وفي أبعادها الحضارية. ولا أخفيك اننا نحضّر معرضاً ضخماً للسنة المقبلة حول "العلوم عند العرب". وهذا المعرض ايضاً سيعطي الجمهور الغربي صورة مشرقة عن حقيقة الحضارة العربية".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف