جريدة الجرائد

القبارصة اليونانيون يبحثون عن 1701 مفقودا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الخط الأخضر (نيقوسيا) من عبد الستار بركات: نساء تائهات الأذهان، الزي الأسود ملبسهن الوحيد، يعلقن في أعناقهن صور أعزائهن المفقدودين إبان الحرب التركية ـ القبرصية عام 1974، كل واحدة منهن تجول وتبحث، وتريد معرفة مصير أقاربها، منهن من تبحث عن رضيعها، أو ابنها الصبي، أو زوجها، أو أحد أقاربها، أو والدها، أو والدتها، أو أو.. وإذا نظرت إليهن يخيل لك من الوهلة الأولى أنهن فوق الستين، ولكنهن أصغر من ذلك بكثير.
على حدود الخط الأخضر الفاصل بين شطري قبرص، التقت «الشرق الأوسط» مع أهالي المفقودين منذ عام 1974، وما أن علم المواطنون بوجود «الشرق الأوسط» في المكان، احتشدت مجموعة كبيرة من النساء اللاتي تحجرت الدموع في أعينهن، وقد تركت سنوات البحث عن أفراد عوائلهن سمات الحزن العميق والمشاعر الجياشة التي يختلط فيها القلق بالأمل الغامض، وبدأن يحكين قصص كيفية فقدهن العزيز والغالي منذ ليلة الهجوم العسكري التركي على الجزيرة الآمنة.
تزاحمن ليحكين مآسيهن، كل واحدة تريد أن تسرد قصتها التي تؤلمها، وكأنما لو نشرت فسوف تجد فقيدها في الحال. بدأت أحداهن تروي قصتها فقالت والدموع تملأ عينيها: أبحث عن زوجي وأخي الذي كان عمره 24 سنة.. وقتها كنت حاملا وكنا نقطن في منزل ملك لمحام قبرصي تركي، وجاء العسكر الأتراك إلى منزلي وأخذوا زوجي وأخي وإلى هذه اللحظة لا أعرف مصيرهما.. ولم ير ابني، ذو الـ30 عاما والده.. ثم أخذت تتفوه بكلام محزن صارخ وغير مفهوم، ولكن كل ما تفهمه هو أن الأمل ما زال عندها لتعثر عليهما أحياء.وتقدمت امرأة أخرى وهي تعلق في عنقها صورة كبيرة لشاب، وذكرت أنها تبحث عن ابنها الذي كان يخدم في الجيش، ولم تعرف مصيره حتى الآن، وأخذت تترجى بأن ننشر مأساتها لكل العالم، حتى يساعدوها في العثور على ابنها الوحيد. وسيدة أخرى عجوز اقتربت والدموع قد جفت على خديها، وفي صوت خافت قالت لي: «أريدك أن تساعدني في العثور على ابني ستيليوس.. أخذوه مني وعمره 14 عاما.. أريد أن أراه قبل أن أموت».
وبينما الحديث جارٍ مع هؤلاء السيدات، اقتربت مني واحدة منهن لا يتعدى عمرها الخمسين عاما وطلبت مني أن تسرد قصة ابنها المفقود ديميتري، وانخرطت في بكاء شديد، وفجأة بدأت تنظر لي بنظرات غربية وتعانقني عناقا شديدا، ثم تحجرت يداها حول رقبتي وهي تصرخ باسم ابنها: ديمتري.. ديمتري.. ثم فجأة يغمى عليها وحاولت ومن معي أن نهدئ من روعها ونجري لها الاسعافات الأولية، ويبدو أنها توهمت للحظة أنني هذا الابن المفقود والذي جاء إليها في موكب مهيب، وذكرت إحدى صديقاتها أنها تعاني من مرض نفسي ودائمة التجول في الشوارع وتنادي على ابنها المفقود. أثناء الحديث، أكدت الكثيرات من هؤلاء النسوة، أن المفقودين أحياء يرزقون، موضحات أنهم في سجون تركيا أو معسكرات القبارصة الأتراك، مشيرات الى أن لديهن قائمة تضم 1619 قبرصيا يونانيا و82 يونانيا، لم تتم معرفة مصيرهم حتى الآن.
وفي تطور لاحق لقضية المفقودين، تسلم الرئيس القبرصي تاسوس بابادوبولس أخيرا، رسالة من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، تتعلق بقضية المفقودين، حيث كانت الرسالة متابعة للرسالة التي بعث بها أنان إلى زعيمي الطائفتين العام الماضي والتي تضمنت مقترحات الأمم المتحدة الجديدة في إطار التوصل إلى تفاهم مشترك حول هذه المسألة، وقد أكد بابادوبولس في رسالته إلى أنان قبوله مقترحات الأمم المتحدة، وأن القبارصة اليونانيين سيفعلون كل ما بوسعهم من أجل تنفيذ هذه المقترحات للتوصل إلى حل لهذه المشكلة.
من جهة أخرى رحبت الحكومة القبرصية على لسان المتحدث الرسمي كيبريوس خرسوستوميديس، باستئناف عمل لجنة المفقودين في قبرص، موضحا أنها بداية جديدة وطيبة في ذلك الامر، بالإشارة إلى أن هذه اللجنة تتألف من ثلاثة جهات هي الأمم المتحدة وممثلين عن الطائفتين القبرصيتين اليونانية والتركية، كما أشار خرسوستوميديس إلى أن الهدف الأساسي والنهائي لهذه اللجنة، هو حل المشكلة الإنسانية بشكل نهائي نظرا لانها ستؤثر سلبيا في أسر الطائفتين على حد سواء، مشيرا إلى أن الجانب القبرصي التركي أعلن أخيرا عن الرغبة الصادقة بشأن رفات بعض الأشخاص سيتعين إثباتها في وقت لاحق مستقبليا.
على نفس الصعيد تقدم أهالي المفقودين بشكوي إلى رئيس الوزراء اليوناني كوستاس كارامنليس الذي كان يزور قبرص أخيرا، والذي أعرب عن تعاطفه الشديد معهم، ووعد بأنه سيفعل كل ما في جهده عن طريق الاتحاد الأوروبي للتوصل إلى حل لهذه المشكلة.

*أندرولا أرستوديمو: نقلت ولديّ إلى مكان والدي وعندما عدت لأنقل والدي المعاق.. كان قد اختفى
* هذه هي قصة حقيقية لواحدة من ذوي المفقودين، تدعى أندرولا أرستوديمو، 51 سنة، كما روتها لـ«الشرق الأوسط»، قالت: أعود بذاكرتي إلى يوم السبت 20 يوليو (تموز) عام 1974، القنابل التركية تضيء سماء نيقوسيا، تملكنا شعور الرعب والخوف، الراديو يؤكد أن قوات عسكرية تركية أغارت على جزيرتنا منذ الفجر، زوجي كان جنديا في الجيش، وأنا مع ابني، 4 سنوات، وابنتي، سنتان، ذهبت بهما إلى مستشفى نيقوسيا، لأن ابنتي تعاني من ارتفاع في الحرارة، ولأكون بجانب والدي المريض الذي كان قد خضع لتوه لعملية جراحية.
عند وصولي وجدت الأطباء يناشدون جميع الأمهات بالذهاب بأطفالهن إلى مستشفى ليماسول، لأن هناك معلومات تقول إن مستشفى نيقوسيا هدف للضرب، بدون ضياع للوقت، وجدت نفسي في مستشفى ليماسول وقد انتابتني جميع مشاعر الخوف من الحرب، المرضى يتجمعون في هذا المستشفى من جميع أنحاء قبرص، لأنه من الأماكن الآمنة، لكن من الصعب أن يقوم مسؤولو المستشفى بخدمة هذا الكم من الجرحى والمصابين، ولذلك تقدمت نساء كثيرات للتطوع وكنت واحدة منهن.
ابنتي المريضة تماثلت للشفاء بسرعة، ورجعت إلى نيقوسيا، حيث أخبروني بنقل والدي إلى المنزل، لأن هناك عددا كبيرا من الجرحى في حاجة إلى مكانه في المستشفى، وتم منحي عجلة للمعاقين لأحمل عليها والدي الجريح.. بعدها علمت أنه تم الاتفاق على وقف إطلاق النار.
سعادتي لم تطل، حيث استمر الجيش التركي يسيطر على الأخضر واليابس، يقتل الأطفال والشباب، ويغتصب النساء، ولم يرح كبيرا أو صغيرا، وتملكني شعور الخوف من الغد، الراديو يقول إن العدو يجمع الأطفال، فخفت خوفا شديدا وذهبت إلى الكنيسة المجاورة لتعميد ابنتي، ولم تكن معي سوى إحدى الجارات والمطران، وفي اليوم التالي تم تدمير الكنيسة بالقنابل.
القنابل كانت تتساقط كالمطر، كنت أختبئ في المنزل مع ابني وابنتي ووالدي بجانبنا على كرسي الإعاقة، كل الناس تجري وتحاول الهرب خوفا من القنابل المدمرة وأنا لم يكن لدي سيارة لأغادر، ولذا كنت أجري في الشوارع كالمجنونة، وكنت أرجو المارة لمساعدتي، أحد الجيران كان عنده مكان في سيارته لي ولابني، ولم يوجد مكان لوالدي المعاق وكرسية المتحرك.. وبقلب قاس غادرت المكان وتركت والدي، وعندما تأكدت أن ابنيي في أيد أمينة تركتهما في إحدى القرى الآمنة البعيدة وعدت لمساعدة والدي في نيقوسيا.
أثناء رجوعي عشت الصدمة الكبرى، فهذا اليوم كان كابوسا لن أنساه طوال حياتي حيث رأيت في الطريق إلى منزلي مشاهد لا توصف، فالجثث في كل مكان، جرحى ومصابين على جوانب الطرق، دمار، حرائق، بكاء أطفال وصراخ نساء، وعند وصولي المنزل وجدته مدمرا ولم أجد والدي! بحثت عنه في كل مكان بدون جدوى.. أقسمت وأنا وسط الدمار وبين آثار حطام المنزل أن أفني حياتي في خدمة وطني، وأن لا أترك المستعمرين يعبثون، بحثت عن والدي لمدة يومين كاملين ولكن لم أعثر عليه حتى الآن حيا أو ميتا.
الحرب انتهت بسرعة، ولكن نتيجتها كانت قاسية ومؤلمة، فالشطر المحرر امتلأ باللاجئين، والباقون في الشطر المحتل يعيشون في سجن كبير، آلاف المفقودين ومثلهم من الأسرى، زوجي وأخي وابن عمي كانوا في الجيش ولم يعودوا.. مرة أخرى بدأت في البحث عنهم، كنت أتنقل طوال ساعات اليوم وبصفة مستمرة من معسكر إلى معسكر أبحث عنهم، بعد ثلاثة أشهر عثرت على زوجي وأخي أما ابن عمي فمفقود حتى هذه اللحظة.
المنزل الذي أقيم فيه أصبح على الخط الأخضر، وأصبحت أشاهد الحارس التركي أمامي طوال اليوم، أما جيراني فقد غادروا المكان وأصبحوا ضمن اللاجئين، عانيت كثيرا من مضايقات الجيش التركي ولكن كنت أقاوم بكل ما أملك، كانوا يريدون مني مغادرة المكان، ولكن صمدت وتحملت الكثير، فعندما كان الأتراك يرمونني بالحجارة كنت أتجاهل وأحاول تفادي الضرب، وعندما كانوا يشعلون النيران في منزلي كنت أجري لإحضار المياه، وكل هذا لأني أقسمت على أن لا أترك منزلي ويستمتع به المستعمرون.
مر أكثر من 30 سنة، وما زلت أكافح من أجل حرية وطني، فلا تفوتني تظاهرة أو تجمع حتى أطالب بمعرفة مصير المفقودين، هناك 180 إمرأة يعانين من غياب مفقودين.
العالم يعيش الآن في قرن جديد، ولكن قبرص لا تزال تعيش التقسيم، اللاجئون لم يعودوا لمنازلهم، المفقودين لم يرجعوا لأهاليهم، ما زلنا نعيش تحت تأثير لاأنساني، نيقوسيا.. العاصمة الأوروبية الوحيدة المقسمة، ونحن على مشارف عام 2005 وما زال الخط الأخضر يقسم نيقوسيا.. ألم يحن الوقت ليعرف العالم أننا نفتقر لحقوق الأنسان.. لا بد من صرخة قوية لإحياء العدالة، وعودة الحق لجزيرتنا ووطننا.
وفي ختام الحديث تساءلت السيدة اين ابن عمي سيليوس أندونيو؟ أين مفقودو قريتي كيبريانودايس؟ سوتيري بروكوبو، سافاس ديميتريو، يورغوس الاغويوتيس، ديميتريس نيكيفورو وغيرهم؟
وأضافت: أين الضابط اليوناني كيرياكوس كاريتسوس؟ أين والدة كيرياكو والتي لم تستطع تحمل فقدان ابنها فماتت بعد عامين فقط من الاحتلال، وطلبت مني أن استمر في البحث عن ابنها وعن كل مفقود خلال الاستعمار التركي، وأقسمت أن اتمسك بقراري لنصرة العدل وإظهار الحق ومعرفة مصير المفقودين.

خطة أنان لتوحيد الجزيرة
وفقا للتعداد السكاني في جزيرة قبرص عام 2001، يقطنها نحو 900 ألف نسمة، بينهم 703 آلاف قبرصي يوناني، يعيش منهم 625 ألفا في الجزء الجنوبي من الجزيرة، ويعيش 88 ألف قبرصي تركي في القسم الشمالي، اضافة الى 110 آلاف مستوطن تركي قدموا من الأناضول بعد التدخل العسكري التركي في الجزيرة عام 1974.
وخطة كوفي أنان الأخيرة لتوحيد قبرص تنص على أن يحتفظ القبارصة الأتراك بـ28 في المائة من الأراضي والسماح بعودة 92 ألف لاجئ، بينما يطالب القبارصة اليونانيون منذ 30 سنة بتسوية المسألة عبر احترام مبدأ عودة جميع اللاجئين (200 ألف).

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف