إلياس خوري: أسئلة قديمة جديدة
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
لا اريد ان اتحدث عن المتنبي، فأنا لا ازال تحت تأثير هوله اللغوي، وسحر استعاراته التي تموسق الحكم، وتجعل الاليف من المعاني غريبا والغريب اليفا. وليس من المؤكد انني سأستطيع في يوم ان اتحرر من هذا السحر، بل عليّ ان اجرد الشاعر من اسطورته وان اتلاعب بحكايته مثلما فعل البديعي في كتابه: الصبح المنبي ، كي استطيع ان اتعامل مع شعره كشعر، اي عبر وضعه في سياقه التاريخي، واكتشافه داخل سياق المحدث العباسي مع ابي تمام وابي نواس وآخرين. لكني الآن لست في هذا الوارد. والمسألة برمتها جدالية، فالسؤال هو النص وليس حكاياته. لكن النص لا يأتي مجردا، فالأدب مزيج من عنصرين: النص والحكاية. النص موجود اما الحكاية فيمكن، بل من الضروري اعادة تأليفها دائما. اي ان الحكاية هي شكل قراءة الشعر. وربما كان التداخل بين النص والحكاية هو احد علامات النقد العربي الكلاسيكي في تعامله مع احتمالات المعاني.
لكن ليس هذا موضوعي. فالمسألة تحتاج الي قراءة متأنية للعلاقة التبادلية او التصادي بين الحكاية والنص، كي نفهم الدور المركزي للحكاية في صوغ دلالات النص واعادة صوغها المستمرة طالما بقي النص حيا.
موضوعي سحر اللغة. وانا لست شوفينيا كي اعتقد ان لغتي هي افضل لغة في العالم، مثلما اعتقد الكثير من اسلافي. ظاهرة تمجيد اللغة وتقديسها لا تقتصر علي العرب القدماء، بل هي ظاهرة كونية مرتبطة بأهمية اللسان في التاريخ البشري. وهي مسألة لا جدوي منها لأن اللغات اوعية ودوال حضارية، ويجب التعامل معها في وصفها ظواهر نسبية.
لكني اريد ان اتوقف عند مسألة استمرار اللغة العربية في اكتساب مواقع جديدة، حتي القرن السابع عشر حين حلت العربية مكان السريانية في شكل نهائي في جبل لبنان الشمالي، وقدرتها علي الاستمرار والنمو كلغة واحدة بلهجاتها المتعددة.
هناك افتراضان:
الاول يرتبط بالقرآن، وبالأهمية الاستثنائية للعلوم المرتبطة به في جمع لغة العرب وضبطها.
وهذه مسألة لا يمكن اغفالها، لكنها تستدعي ثلاثة اسئلة:
1 ـ ان انتشار العربية وتوسعها، ارتبط بالفتوح، لكن صهلة الخيل من الهند الي الاندلس بحسب النشيد القومي العربي الذي كتبه سعيد عقل لجمعية العروة الوثقي في جامعة بيروت الامريكية، لم ينتج عنها سيادة للعربية في الهند او ايران، علي الرغم من انتشار الاسلام فيهما.
فالاسلام اسس الدولة العربية القديمة، وانتج ثقافة انسانية كبري، لكنه لم يختزل العربية او يقدسها.
2 ـ بخلاف الرأي الاستشراقي السائد، فالعربية ليست لغة مقدسة. الكلام علي قدسيتها يدل علي جهل فادح بتاريخ الأدب والثقافة العربيين. فلقد حرص العرب منذ بدايات عصر التدوين علي التوكيد علي اصل غير ديني تقاس به اللغة، هو الشعر الجاهلي. ربما قام الرواة والمدونون بحذف الشعر الديني الوثني من مدونة الشعر الجاهلي، وهذه مسألة تاريخية عويصة قادت الي سقوط طه حسين في التبسيط. مرجعية الشعر الجاهلي لم تجعله مقدسا الا في عرف بعض المحدثين الذين قرأوا انصاف جمل النقاد العرب القدماء وسقطوا في غواية التعميم الذي يقفل النقاش ويحوّله لاهوتا.
3 ـ فتحت مرجعية الشعر الجاهلي الباب واسعا امام انشقاق ثقافي كبير جسده صراع كان في كثير من الاحيان خفيا، رغم انه لم يتردد في الاعلان عن نفسه في احايين كثيرة، بين الادب والدين. ولعل ادعاء المتنبي النبوة، والحديث عن شعره المعجز، او قصائد المعري والمقاطع النثرية المنسوبة الي قرآنه ، تقدم نموذجا صارخا علي عمق الصراع والتوازي بين الادب والدين.
والثاني يرتبط بالفكرة القومية الحديثة التي تفترض ان انتشار اللغة مرتبط بالدولة المركزية. لقد غاب عن هذا الافتراض حقيقة ان الدولة العربية الموحدة والمركزية عاشت زمنا تاريخيا قصيرا جدا، من الدولة الراشدية الي الدولة العباسية الاولي. اما بعد ذلك فلم يشهد العالم العربي وحدة كاملة، وعاش المشرق غزوات كبري، من الفرنجة الي المغول قبل ان يسقط في قبضة الحكم التركي بشقيه المملوكي والعثماني. ورغم ذلك، اي رغم غياب الدولة الموحدة فقد استطاعت اللغة العربية ليس من الاستمرار فقط، بل ومن متابعة انتشارها وهيمنتها علي العالم الذي سيعرف في العصور الحديثة باسم العالم العربي.
اي ان اللغة كانت لاسباب معقدة: قدرتها علي امتصاص السريانية واستيعابها، ليونتها في التحول لهجات ممتزجة بلغات سبقتها، كما في شمال افريقيا، انتاجها الفكري والفلسفي والادبي، وخصوصا في الشعر والسرد الشعبي، قادرة علي التحول الي هوية اساسية. هذا التماهي بين اللغة والناس دفع بالبعض الي نسبته الي الدين، او صور للبعض الآخر ان الهوية العربية مطابقة للهويات القومية الحديثة، لكن المسألة كانت اكثر تعقيدا. ومثلما دفع العالم العربي ثمن التبسيطية القومية وحدة فاشلة وهزائم متتالية، فانه معرض اليوم لدفع ثمن كبير للتبسيطية الدينية وسط هذا المناخ الصليبي الذي فرضه عته السياسة الامريكية.
سحر العربية وتعددها يجب ان يدفعا بنا الي التأمل واعادة النظر في مسألة الهوية، من اجل قراءتها داخل طبقات التعدد في اللغة الواحدة، ومن اجل تحرير التاريخ الفكري والادبي من المسبقات، والنظرفيه بعيون جديدة تسمح لنا بأن نحوّل تجربتنا لغة تتواصل مع هذا المدي اللغوي الذي يفتح لنا افقا لا حدود له.
حين اعلن يوسف الخال اصطدامه بجدار اللغة، جانبه التعبير الملائم، فالاصطدام الحقيقي كان بجدار الشعر الذي انهكه المقدس الجديد الذي صنعته الحداثة، اي النموذج الغربي حين قرئ كمطلق. اما اللغة فانها واصلت حياتها وتجددها، بعيدا عن التنظير الجامد.
لكنني لم اكتب عن سحر المتنبي، اخذني السحر الي تأملات اولية حول اللغة، وبدل ان يقدم لي اجوبة دفعني الي طرح اسئلة جديدة.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف