عابد الجابري: مسألة التلازم بين الحق والواجب
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في عصرنا ومجتمعاتنا يعتبر الحق في الحرية من أقدس الحقوق وبالتالي يقتضي احترام حقوق الإنسان، أول ما يقتضي، والمنطق في ذلك إلغاء الرق وتحريمه. ومعلوم أنه لم يكن الأمر هكذا في جميع العصور ولا في جميع الحضارات. ففي العصور القديمة كان الرق شيئاً طبيعياً، كان حقاً. كان "الحق" في جانب السيد ولم يكن في جانب العبد. وأكثر من ذلك لم يكن للعبد الحق في المطالبة بالحق. كان العبد يقع خارج فضاء الحقوق. كان فضاؤه يتكون من الواجب وحده.
ويجب ألا نجعل المسافة الزمنية التي تفصل بيننا وبين العصور "القديمة" هي المسؤولة عن هذا الغياب للحق عن فضاء العبيد. هناك غياب مماثل غير بعيد يعاني منه فضاء المرأة مثلا. فحق الانتخاب لم يمنح للمرأة إلا منذ فترة وجيزة في بريطانيا مهد المناداة بـ"حقوق الإنسان" بالمعنى المعاصر. وما زال هذا الحق مرفوضاً في بلدان كثيرة.
ويمكن الذهاب في الاعتراض على وجهة النظر القائلة "الحق حق في نفسه" إلى أبعد من ذلك. يمكن التساؤل مثلا: إذا كان الحق حقاً في نفسه فلماذا يقبل الناس التمييز بين الحقوق، أقصد ما يشبه "التمييز العنصري"! يحتج الناس اليوم على التضييق على حرية التعبير مثلا، ولا يقبلون ما قد يدلي به المضيِّق عليها من تبريرات حتى ولو كانت معقولة من زاوية كون الممارس لحرية التعبير أضر بحرية غيره. ولكن كثيراً من الناس هم أقل احتجاجاً، أو لا يحتجون بالمرة، على حكم الإعدام الذي يقضي قضاء مبرماً على أول حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة. والغالب أن السكوت عن الإعدام يبرر بكونه جزاءً على جريمة القتل، وهي إلحاق الضرر بحق الحياة لدى الغير. وهذا يعني أن أول حقوق الإنسان، أعني الحق في الحياة، ليس حقاً في نفسه، ليس حقاً مطلقاً، بل هو مقيد بـ الواجب" الذي يعني هنا عدم المس بحق الغير.
بعبارة قصيرة إنه لو كان الحق حقاً في نفسه لكانت الحقوق متساوية في قيمتها وفي نوع العقاب الذي يخصص لمنتهكها. لكن الناس يميزون بين الحقوق ويجعلون لكل حق جزاء خاصاً به يطبق على منتهكه. ولابد من الاعتراف بأن الناس يتعاملون مع الحقوق على أساس أنها عبارة عن لائحة مرتبة ترتيباً هرمياً. وينعكس هذا الترتيب بصورة مباشرة وواضحة في العقوبات التي يخصون بها العدوان الذي تتعرض له هذه الحقوق.
كيف نحل هذه المشكلة؟ كيف نجد مخرجاً من هذا التناقض القائم بين وصفنا الحق بأنه "حق في نفسه"، وبين الواقع الذي نعترف به جميعاً وهو اختلاف نظرة الناس إلى الأشياء، من زاوية "الحق والواجب"، باختلاف العصور والمجتمعات؟ وبعبارة أخرى: أين نضع "حقوق الإنسان" هل في فضاء المطلق أم في ميدان النسبي؟
"حقوق الإنسان" مفهوم حديث نسبياً إذ يرجع إلى الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولكن جدة المفهوم لا تعني بالضرورة جدة مضمونه. إن حقوق الإنسان كمضمون سابقة لظهور هذا المفهوم وذلك بقرون وقرون، بل يمكن القول إن عبارة "حقوق الإنسان" كمضمون ترجع إلى ذلك الوقت الذي ظهر فيه كل من مفهوم "الإنسان" و"مفهوم "الحق"، وهو وقت لا يمكن تحديده ولا تخمين بداية له. إن ظهور مفهوم "الإنسان"، بأية لغة كانت، لابد أن يكون متأخراً بما لا يقاس عن وجود الإنسان؛ ذلك أنه يتطلب وجود لغة يُمارَس فيها التجريد، وبالتالي يتطلب مستوى من التفكير يتم فيه التمييز بين الإنسان وغيره من الكائنات. وهذا التمييز يتطلب وعياً بالفوارق، كأن يعي الإنسان الفرق بينه وبين الحيوانات الأخرى، فيعطي لنفسه "الحق" في القيام بأمور معينة وينزع من نفسه الحق في القيام بأمور أخرى. ولابد من المرور عبر مراحل أعلى من التطور لكي ينقل الإنسان هذا التمييز إلى المستوى البشري نفسه، فيعطي الإنسان لنفسه "الحق" في أمور ويحجب هذا "الحق" نفسه عن غيره من بني جلدته. ولابد أن يكون القوي - في البداية على الأقل- هو الذي يعطي الحق ويمنعه، وقد قيل بحق في المثل السائر:"إن حجة الأقوى هي الأفضل دائماً". ومع ذلك فلابد أن تكون هناك ردود فعل، ولابد أن تكون ردود الفعل التي تأتي احتجاجاً على ذلك من أهم الوسائل التي عملت على إضفاء نوع من النظام على "حق الأقوى" هذا، وذلك بإقرار أنواع من التبرير لكل من العطاء والمنع. ومن هنا سينشأ "القانون" الذي يوزع "الحقوق" و"الواجبات" وينظمها.
والغالب أن فكرة "الحق" قد ظهرت هي وفكرة "الواجب" في وقت واحد وذلك لعلاقة التلازم والتضايف القائمة بينهما، وهي علاقة ما زالت حية قائمة في معاجم اللغة التي تعنى بالبحث في أصل الكلمات. ففي اللغة العربية يرتبط مفهوم "الحق" بـمفهوم "الواجب" ارتباط تناوب وتلازم، ولا يتخصص معنى أي منهما إلا بحرف الجر. وهكذا فـالفعل:"حَقَّ له" يفيد معنى "وجب له"، تماماً مثلما أن "حَقَّ عليه" هو بمعنى "وجب عليه"، أو ثبت عليه. وأغلب ما ورد في القرآن من فعل "حق" جاء متعدياً بحرف "على" ليفيد ثبوت الشيء ولزومه ووجوبه. من ذلك مثلا قوله تعالى:"وإذا أردنا أن نهلك قرية أَمَّرْنا مترفيها ففسقوا فيها فـحَقَّ عليها القول فدمرناها تدميرا" (الإسراء - 16: اخترنا القراءة التي تشدد الميم فهي في نظرنا أقرب إلى الصواب)، وأيضاً:"ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المِؤمنين" (الروم 47). ويشرح الزمخشري هذه الآية بقوله:"حيث جعلهم (يعني المؤمنين) مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يُظهِرهم ويظفرهم". ويورد في هذا المعنى حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه:"ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة". وفي حديث آخر أن الرسول سأل معاذاً:"يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله"؟ فرد معاذ: "الله ورسوله أعلم". فقال صلى الله عليه وسلم: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا". وواضح أن هذا النوع من التلازم والتناوب بين "الحق" و"الواجب" يفيد أن ما يجب على طرف هو حق للطرف المقابل: فما يجب على الله هو حق للإنسان وما يجب على الإنسان هو حق لله.
وعلى هذا المنوال تم ترتيب العلاقة بين حقوق الحاكم وحقوق المحكومين. فما يجب على "الراعي" هو حق للرعية عليه، وما يجب على الرعية هو حق للراعي عليها. والحق الذي يتردد في هذا المجال هو حق العدل وحق الطاعة: من حق الرعية أن يعدل فيها الراعي ومن حق الراعي أن تطيعه الرعية؛ فالعدل حق للرعية وواجب على الراعي، أما الطاعة فهي واجبة على الرعية وحق للراعي. والعدل على مستوى علاقة الراعي بالرعية يقتضي الجمع بين الاثنين بحيث يكون عدل الراعي بمثابة تعويض لطاعة الرعية. ومثل هذا يقال في ترتيب العلاقة بين الحق والواجب على مستوى العلاقة بين الناس: فالقيام بما يفرضه الواجب قد يكون شرطاً في التمتع بالحقوق، والتمتع بالحقوق يفرض القيام بواجبات. والمسألة في نهاية التحليل مسألة معاملة بالعوض، وبالتالي مسألة تعامل تجاري:"مقايضة". ذلك أن "الحق" بهذا المعنى هو دوماً حق لـفلان على فلان: حق لـ"البائع" على "المشتري" أو حق لـ"المشتري" على "البائع". وسواء ذكر الطرفان معاً أو ذكر أحدهما فقط فالعلاقة مع ذلك تبقى ثابتة، علاقة مبادلة.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف