جميل مطر: عودة إلى الحرب بالوكالة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يستمر التوتر في إقليم القوقاز مع زيادة في احتمالات حرب تشنها جورجيا على جمهورية أوسيتيا الجنوبية. وكانت أوسيتيا الجنوبية قد انفصلت عن جورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويعقد أهلها العزم على التوحد مع جمهورية أوسيتيا الشمالية التي تحظى بحماية روسيا. إن نشوب حرب على حدود أوسيتيا الجنوبية تعني الاشتباك مع الجيوش الروسية المتمركزة في الجانب الشمالي من أوسيتيا المستقل تماماً عن جورجيا والذي تعيش فيه أغلبية من السكان الروس. وكان رئيس جمهورية جورجيا الجديد ميخائيل ساكاشفيلي والمعروف باسم ميشا، قد دخل منذ أسابيع معركة مع إقليم أدجاريا الانفصالي وأسقط رئيس جمهوريته واستعاد الإقليم إلى السيادة الجورجية. ويبدو أنه يريد تكرار التجربة الأدجارية في أوسيتيا وبعدها أبخاسيا ويعيد هذه المناطق الانفصالية إلى حكم جورجيا.
جورجيا دولة قوقازية والقوقاز بأسره يمر في أزمة تحول بالغة الأهمية، فقد صارت الولايات المتحدة الأمريكية موجودة في الإقليم، وجورجيا بالأخص، ليس فقط بدبلوماسية نشطة أو استثمارات هائلة، ولكن أيضاً بقوات عسكرية على الأرض، الأمر الذي يعيد القوقاز إلى وضع عدم استقرار يهدد كل الدول الكبرى والصغرى في المنطقة ابتداء من روسيا في الشمال إلى تركيا في الجنوب الغربي وإيران في الجنوب وعديد من دول وسط آسيا وكلها تعاني من أوضاع شديدة الاضطراب وصحوة دينية ترتدي ثياب التطرف.
يعتقد بعض المحللين الروس والخبراء في شؤون المنطقة من الباحثين في المعاهد الأمريكية المتخصصة أن حروب أدجاريا وأبخاسيا وأوسيتيا والشيشان وداغستان والصراع المسلح في أوزبكستان، كلها حروب تدار بالوكالة، تماماً كما كان الحال في الحرب الباردة، حين كان كل قطب من القطبين الأعظم يثير حرباً في إقليم أو آخر ضد مصالح القطب الآخر. في هذه الحروب لا تشترك قوات القطبين الأعظم مباشرة ولا تتواجه، إنما يقوم بالمواجهة وبالقتال قوات من شعوب أخرى. يبدو أن هذا الوضع يتكرر الآن في القوقاز وفي وسط آسيا. فروسيا والولايات المتحدة تحركان الأوضاع في المنطقة نحو مواجهة يعتقد الروس أنها ضرورية للحفاظ على أمن جوارهم القريب وحدودهم الجنوبية والجنوبية الغربية. ويعتقد الأمريكان أنها ضرورية لتثبيت أقدامهم في هذه المنطقة، ولإتمام محاصرة روسيا من جهة والصين من جهة أخرى، ومنع النفوذ الإيراني الديني والسياسي من الوصول إلى المسلمين في هذه المنطقة، وهم الأغلبية.
من عرف جورجيا قبل عشرين عاماً أو أكثر لن يعرفها الآن. كانت مروجاً وجبالاً خضراء ومناظر خلابة وأكلات شهية ومنتجعات سياحية وشعباً مرحاً. كانت جورجيا الجمهورية الأغنى بين جميع جمهوريات الاتحاد السوفييتي. جورجيا الآن بلاد لا تنصح وكالات السياحة السياح بالسفر إليها بسبب خطورة الأوضاع فيها، شعب لا يجد ما يأكل وكهرباء ومياه تصل متقطعة إن وصلت. جورجيا اليوم الجمهورية الأفقر بين كافة الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي.
أما الفساد في جورجيا فقد تجاوز كل ما سمعناه ونسمعه عن الفساد في العالم النامي والمتقدم على حد سواء. تتردد في جورجيا حكايتان تكشفان المدى الذي وصل إليه الفساد في هذه الدولة القوقازية. الأولى تحكي حكاية جورج سوروس. هذا الرجل الذي نصب نفسه ولياً لأمر شعوب ودول متعددة وخصماً لدوداً لعدد من كبار الساسة في العالم مثل مارجريت تاتشر في وقت من الأوقات وجورج بوش في الوقت الراهن. قرر سوروس أن يتبنى دولة جورجيا وأنشأ لها صندوقاً مالياً أطلق عليه صندوق الفساد. وأعلن أن الغرض من هذا الصندوق تعويض موظفي جورجيا والمسؤولين فيها عن سوء أحوالهم الاقتصادية بدفع مكافآت، فلا يلجأون إلى الرشوة وغيرها من سبل الفساد لسد احتياجاتهم. معروف مثلاً أن هذا الصندوق يمنح رئيس جمهورية جورجيا مبلغ 1500 دولار شهرياً ويمنح كل موظف كبير في الدولة 500 دولار.
تقول الحكاية الثانية، والتي يرددها الكثيرون في جورجيا إن المدعي العام أسر لأصدقاء له أنه لا يستطيع محاكمة الفاسدين والمفسدين في جورجيا لسبب بسيط. قال إنه لا تتوفر لديه الإمكانات البشرية والمادية لاعتقال كافة مواطني جورجيا في وقت واحد والتحقيق معهم ثم محاكمتهم. كلهم فاسدون وكلهم مفسدون.
ولا يقتصر سوء الحال في جورجيا على الفساد والتدهور العام في المرافق والموارد بل يمتد إلى اللامبالاة غير المسبوقة في أوساط الشعب الجورجي. كان يقال في السابق عن الشعوب السوفييتية إنها تتظاهر بالعمل بينما تتظاهر الدولة بدفع الرواتب، بمعنى أن الناس لم تكن تعمل في الحقيقة وإنما تتظاهر أنها تعمل، وأن الحكومة لم تكن تدفع رواتب كافية وكانت تكتفي بدفع رواتب شكلية لا تغني ولا تسد الرمق البسيط. عادوا في جورجيا يستخدمون هذه الطرفة الموروثة عن الاتحاد السوفييتي بعد وضع إضافة لها تقول، “حتى التظاهر توقف. الناس كفت عن التظاهر بالعمل وتوقفت الحكومة عن التظاهر بدفع الرواتب. الشعب لا يعمل ولا يتظاهر بأنه يعمل، والحكومة لا تدفع رواتب ولا يهمها أن تتظاهر بأنها تدفع”.
أعود إلى ما بدأت به. جورجيا ليست سوى إقليم من أقاليم منطقة عرفت على الدوام بعدم الاستقرار. يطلقون على القوقازيين في روسيا ووسط آسيا وفي تركيا وشرق أوروبا “شعب الجبل” فالقفقاس تعني الجبل بلغة الإقليم. وفي الشرق الأوسط ووسط أوروبا وغرب أوروبا عرفوا بالشراكسة. ويرتبط تاريخ شعوب القوقاز بعدد من أساطير الحرب الدائمة وأخلاقيات نابعة من الطبيعة الجبلية وفروسية الرجال وجمال البشر. هوية القوقاز قبلية وعشائرية أولاً وآخراً. ولم تتعمق بعد جذور فكرة الدولة القومية.
وبالإضافة إلى الواقع الفائر باستمرار استجدت عوامل ثلاثة كلها واردة من الخارج. فالإقليم يشهد أهم تطور منذ اكتشاف النفط حيث يقام أحد أهم مشاريع أنابيب لنقل النفط في العالم وهو الأنبوب الذي يمتد من حقول النفط في القوقاز إلى ساحل البحر المتوسط في تركيا. من أجل هذا الأنبوب ومن أجل هذه المنابع يتكرر ما حدث عند اكتشاف النفط في العراق وفي الخليج العربي وفي إيران عندما تسابقت الدول الغربية على الشرق الأوسط لاحتلال مواقع فيها وتقسيمها. وبعدها نشبت حروب ووضعت خرائط جديدة مازال الشرق الأوسط يدفع ثمنها غالياً. استجد أيضاً وصول الولايات المتحدة إلى منطقة لم تطأها مصالح أمريكية من قبل. جاءت بعنف وبما يشبه الاكتساح لا تخفي سعيها لتحقيق انسحاب كامل للقوات والمصالح الروسية من هذه المنطقة الحساسة لأمن روسيا القومي. واستجد، ثالثاً، وصول حلف الأطلسي إلى مشارف القوقاز. فالأطلسي موجود اليوم في مناطق قريبة من شمال غرب القوقاز وموجود في مناطق قريبة من جنوب غربه. يحيط حلف الأطلسي بالقوقاز من الناحيتين، ويعد بالنظر في طلب كل من جورجيا وأذربيجان من قلب القوقاز الانضمام إلى الحلف، ضد تحذير روسيا وتهديداتها.
لفت نظري أن من قام بتعريف الشرق الأوسط الأكبر لم يضم إليه بلاد القفقاس، رغم أن كل الحسابات والمعايير التي أقيم على أساسها مفهوم الشرق الأوسط الواسع أو الكبير تنطبق على إقليم القوقاز، باستثناء معيار واحد، وهو وجود دولة “إسرائيل” في قلب الشرق الأوسط وبعيداً عن القوقاز. القوقاز يواجه الآن ما واجهه وما زال يواجهه الشرق الأوسط الواسع أو الضيق. كلاهما يواجه هجمتين في وقت واحد: هجمة ليبرالية وهجمة امبراطورية. يراهما البعض هجمتين متناقضتين في المبادئ والمصالح والأهداف ويراهما بعض آخر هجمتين الواحدة تكمل الأخرى.