جريدة الجرائد

أمجد ناصر: البتراء المدينة المحجوبة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكن لك أن تمرّ ألف مرة بالقرب من البتراء ولا تراها. ستري جبالاً شاهقة، جرداء، نخرتها وخددتها وجعدتها، علي مدار الاف السنين، الريح والأنواء والأمطار.. وساطتها الشمس، التي لن تقدر هولها إلاّ إذا زرت المكان صيفاً، بألسنة من اللهب. جبال مثال لقسوة الطبيعة.
بالكاد تنمو فيها عشبة.
وبالكاد يطير فوقها طير.
وفي المحيط الأوسع، خصوصاً إذا جئت من جهة وادي رم ، كما فعلت في زيارتي الأخيرة، ستجد الصحراء.. متاهة من الرمال والجبال الصخرية تنعدم فيها إشارات الحياة.
مجرد أن تخوض في هذه المتاهة التي تتعاقب بين رمالها جبال لها أشكال الآلهة الوثنية القديمة سيستبد بك الظمأ حتي وأنت علي متن سيارة ذات دفع رباعي، ومسلح بزجاجات من المياه المعدنية.
كما لا يمكن لك، وأنت تشرف علي المدينة من الجبال المحيطة بها، أن تتخيل وجود شيء آخر سوي هذه الجبال القاسية والوديان السحيقة.
جبال وراء جبال ووديان تتناسل من بعضها البعض.
أولي إشارات الحياة تطالعك وأنت تنزل إلي وادي موسي ، هذه البلدة الصغيرة التي رأيتها تكبر وتتوسع زيارة بعد أخري.
ولكن دعونا ننسي وجود هذه البلدة الحديثة التي لابدّ انها قامت، في وضعها الحالي، بعد اكتشاف البتراء كموقع سياحي.
دعونا ننسي بيوت الاسمنت والشوارع المسفلتة وضجيج السيارات والمتاجر التي غزتها العلامات التجارية العابرة للحدود.. والناس بأزيائهم الحديثة.
ستكون هناك عين ماء.. وحولها نباتات وأشجار شبّت والتفّت بقوة الخلق الذي يمنحه الماء لكل شيء: دفلي، عليق، قصب، وربما تين وحور.
ثم ها أنت تواصل الهبوط حتي تصل في منحدر، ينبسط عند مشارف المدينة، إلي حائط صخري مرتفع.
كيف لك، وأنت تقبل، علي هذه الصخور التي تستند إلي بعضها البعض من دون أن تترك منفذاً واحداً إلي ما ورائها أن تتوقع وجود ما لم تقع عليه عيناك من قبل؟
السيق ، ذلك الشق الطولي في الحائط الصخري العظيم هو الذي يعطيك أول إشارة علي طريق مدينة محجوبة عن الأنظار.
كل الاستعارات الانثوية، بل الجنسية، ممكنة هنا:
السيق (الشق)، الرحم، لون اللحم الداخلي الزهري وهشاشته، الدخول، الضيق.. ثم الهزّة الكبري التي تتوج دخولك في السيق .. عندما تلوح لك الخزنة .
لكن يمكن أن يحضر هنا، أيضاً، المصطلح الصوفي، أو الديني عموماً:
فالحائط الصخري الذي يواجهك هو الحجاب.
و السيق هو طريق السالك .
ووصولك إلي الخزنة هو التجلي .. أو كشف المحجوب.
تدخل إلي السيق في الظهيرة ولا تعرف إلي أين (أو إلي مَ) سيفضي بك.
ستطول الطريق المتعرجة.
الضوء الذي يقع عليك لسان من لهب، لكن السيق سرعان ما يحميك بظلة رطيبة.
تمشي وتمشي وتتعاقب عليك النيران والظلال، وأنت لا تدري متي ستصل.
ستدرك، من دون شك، ان هذا الشق العظيم في الحائط الصخري الحاجب ليس من صنع بشري.
تعرجاته وحنايته، ضيقه واتساعه، خشونته ولينه تؤكد لك انه ضربة باهرة، قاصمة من ضربات الطبيعة، ولكنك ستقدر، بلا شك أيضاً، العبقرية الاستراتيجية لمن جعلوا منه مدخلاً مستحيلاً إلي حاضرتهم المحجوبة.
السيق أولاً.. ثم المدينة.
ويخطر لك انه لولا السيق لما كانت المدينة.. انه سرّها، وأصلها.
لا يمكن لجيش غاز أن يعبر هذا الخصاص الضيق، المتعرج وتكتب له الحياة، لكن علي جانبي السيق ستري كعب أخيل المدينة المحجوبة.
إنها قنوات الري التي نحتها الانباط ليجروا إلي مدينتهم الحجرية أسباب الحياة.. ولكن من خارجها.
قنوات الري هي الفعل البشري الوحيد في السيق .
كلا.
هناك غيرها.
إنها التعاويذ والاشارات الدينية التي يقدسها أهل المدينة المحجوبة تطالعك علي الحجر بين حين وآخر ولكن من دون أن تفشي أسرار المحجوب ، وبقايا جمال وجمالين باحجام هائلة ترفع تحية من صخر وردي لسفن الصحراء وربابنتها.
لا يعطيك السيق فكرة، ولو أولية، عن المفاجأة التي تنتظرك في نهايته. إنه مجرد تمهيد. عتبة.
فبعد لعبة طويلة من الضوء والظل، اللافح والرطيب، الضِيْق والفَرَج، ستكون وجهاً لوجه، ومن دون مقدمات، أمام كل عناصر الجمال والمهابة التي لا أحد يعلم، علم اليقي،ن كيف تسنت لأقوام من الأعراب الذين صنعوا هذه العجيبة: الخزنة.
من آخر عطفة في السيق تري جانباً من المعجزة المحجوبة.. ثم تراها كاملة.
ان رأيتها من بعيد (الجهة المقابلة مثلاً) ستري نقشاً، خاتماً صغيراً في الجبل العظيم الذي حفرت فيه، ولكن ان وقفت تحتها فلن تري شيئاً سواها.
سيغيب الجبل وتبقي هي. ستظن ان لا نهاية لهذه المحفورة الهائلة المزينة بالأعمدة الكورنثية، التيجان، تحرسها إلهة مصرية/ يونانية/ عربية: العُزي، أفروديت، إيزيس. ثلاثة أسماء مختلفة تجمعها الانثي المقدسة.
ستقف تحتها ولن تري الجبل.
ستقول: كيف أمكن للعرب الأنباط الذين تزعم إحدي روايات أصلهم واستيطانهم هذه المنطقة القاحلة في شمال الجزيرة العربية، انهم كانوا قراصنة أرضيين، قطاع طرق، أن يصنعوا هذه الأعجوبة المعمارية؟
سيجيبك دليل اردني شاب يتحدث الأنكليزية، بطلاقة العربية، انه لا يعرف، علي وجه الدقة، كيف انتقل الانباط من حالة البداوة الأولي إلي صناع أثر حضاري رفيع.. ولكنه يعرف انهم نحتوا هذه الخزنة، ومثيلها كثير من الأوابد في المدينة الوردية.
كانوا ينحتون معالم مدينتهم في الصخر من أعلي إلي أسفل.
يبدأون من فوق.
تبتعد عن الخزنة أمتاراً ليقيض لك أن تري تلك البداية.
يشرح لك الدليل، علمياً وعملياً، كيف تم ذلك.
يبدو الأمر سهلاً في الشرح.. ولكنك تري قامتك القصيرة، بل القزمة، أمام الأعمدة فلا تقتنع.
أسهل عليك أن تقتنع بالاسطورة.
أن تظن ان بناة هذا الصرح الضخم المنحوت في الصخر الوردي هم من الجان.
ستري، ان كنت زرت البتراء من قبل، شيئاً جديداً عند الخزنة. ثمة تحت الشبك الحديدي عند مدخل الخزنة أعمال حفر، ستنظر من الشبك وستري ظل الخزنة .
أهو ظلّها فعلاً؟
بالطبع لا.
إنها امتداد لها كشفت عنه الحفريات الحديثة.
إذن هذا المعبد، أو المدفن، الذي حطم بعض البدو جزءاً من نقوشه ظانين انه خزنة فرعونية، ليس كل الخزنة .
فهناك تحت الخزنة خزنة أخري، امتداد. لعله قبوها أو مخزنها.
لم تقطع الحفريات، حتي الآن، بحجم وطبيعة وظيفة هذا الامتداد. ولكن، من المؤكد، ان الخزنة ، الأثر الأكثر شيوعاً للبتراء، لن تظل كما كانت عليه.
ليس هذا سوي مدخل المدينة المحجوبة.
أما المدينة، كلها، فلا أعلم كم من الوقت والطاقة اللذين يتوجب عليك صرفهما كي تلم بأطرافها.
هذا يغريني للعودة مرة أخري.
إلي الدير ربما او الي قصر البنت.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف