محمد الصياد: درس من فنزويلا
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي كان إحدى الشخصيات العالمية البارزة التي شاركت في الإشراف على الاستفتاء الشعبي الذي أجري في فنزويلا الأحد قبل الماضي الموافق الخامس عشر من أغسطس/ آب الحالي على الرئيس هوجو شافيز، صرح بصورة جلية وصادقة بأن الاستفتاء الذي أظهرت نتائجه فوز شافيز بأغلبية 58% من أصوات الشعب الفنزويلي، كان نزيهاً ولم تشبه شائبة.
المراقبون الدوليون الذين وفدوا على كاركاس من مناطق مختلفة من العالم، أفتوا بصحة الاستفتاء ونزاهته. الاتحاد الأوروبي أشاد بشفافية الاستفتاء وهنأ الرئيس شافيز. الصحف البريطانية أيدت أقوال وشهادات المراقبين الدوليين. حتى صحافة اليمين الفرنسي التي كانت توقعت قبل يوم من الاستفتاء هزيمة شافيز، لم تتوان في اليوم التالي عن تخصيص “مانشيتاتها” الرئيسية لإعلان نتائج الاستفتاء المعززة بشهادات المراقبين الدوليين، وذلك في إيماءة بالاعتراف ضمناً بخطأ توقعاتها.
إلا “المعارضة” الفنزويلية، فقد أبت إلا أن تظهر شذوذها عن جميع المواقف العالمية، حيث شككت على جري عادتها في نتائج الاستفتاء، وادّعت أن أعمال تزوير على نطاق واسع قد شابتها، رافضة بذلك على جري عادتها أيضاً التسليم بهزيمتها أمام الغالبية الشعبية التي أبدت من خلال الاستفتاء تمسكها بالرئيس شافيز.
ومَن أيضاً، من بين سائر الدول والتجمّعات العالمية ممن شكك، أو بالأحرى رفض تقبل نتائج الاستفتاء؟ هي وحدها، ومن سواها، الإدارة “البوشية” البترولية التي تُعتبر شهادتها، على أي حال، مجروحة اعتباراً بالعداء الشديد الذي تكنّه لنظام حكم الرئيس هوجو شافيز.
ولكن دعونا من هذه الإدارة الأمريكية المكابرة والمتخبطة في إدارة شؤون بلادها (فما بالك بشؤون الكون)، ولنتوقف قليلاً أمام موقف “المعارضة” الفنزويلية المكابر والغريب.
لقد ظلّت هذه “المعارضة” طوال السنوات الثلاث الماضية تعمل بكل ما أوتيت من قوة ومن أساليب مشروعة وغير مشروعة، على تقويض نظام حكم الرئيس شافيز، ولم تتوان عن إدخال البلاد والاقتصاد العالمي في أزمة إمدادات نفطية بسبب الإضراب النفطي المفتوح الذي نظمته العام الماضي، والذي حرم السوق النفطية العالمية من إنتاج خامس أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم (يبلغ إنتاج فنزويلا النفطي ثلاثة ملايين برميل يومياً)، والذي ما زالت آثاره السلبية تلقي بظلالها على مستويات أسعار النفط المرتفعة. إلى أن وصلت بحملتها المحمومة لإسقاط شافيز إلى طلب إجراء استفتاء شعبي على بقائه في السلطة، فكان أن استجاب الرجل لطلبها وتم تنظيم الاستفتاء تحت مراقبة وإشراف مراقبين دوليين من بلدان ومنظمات دولية مختلفة.
وها هي المعارضة تتنكر لنتيجة الاستفتاء التي خيبت رجاءها وجردتها من أية حجة تتعلل بها لمواصلة إثارة القلاقل وعدم الاستقرار في فنزويلا.
فهل هذه معارضة؟ وهل زعماؤها أناس وطنيون تحكمهم مصلحة بلادهم واستقرارها قبل أي شيء آخر؟
الجواب: كلا، متيقنة كل اليقين من عدم استحقاق تلك المجاميع الهوجاء صفة المعارضة المسؤولة. نعم، إنها شيء آخر غير المعارضة، قد تكون ربما مراكز قوى مالية ومافيوية تلاقت مصالحها على إسقاط شافيز واستعادة قبضتها على مقاليد البلاد النفطية وسلسلة القطاعات الاقتصادية المرتبطة بصورة مباشرة وغير مباشرة بالقطاع النفطي.
إن الرئيس هوجو شافيز هو الرئيس الشرعي المنتخَب من قِبل الشعب الفنزويلي في دورتين انتخابيتين، والاستفتاء الأخير ليس سوى شهادة محلية وعالمية إضافية على استمرار تمتعه بتلك الشرعية. ومهما اختلفت الآراء بشأن طريقة إدارته لشؤون بلاده السياسية والاقتصادية، فإن مبادئ الديمقراطية التي تتغنى بها واشنطن وتلك المجاميع اليمينية الفنزويلية المتعطشة بأنانية خسيسة للسلطة، تحتم عليها احترام إرادة الشعب الفنزويلي التي اتجهت لمرات متتالية لاختيار شافيز قائداً للبلاد.
كلّنا يعلم أن فنزويلا، منذ اعتلاء شافيز للحكم فيها، لعبت دوراً محورياً في نجاح منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في تجاوز أزمة انهيار أسعار النفط في عام ،1998 حين وصل سعر برميل النفط من الخام العربي الثقيل إلى نحو خمسة دولارات، وذلك نتيجة لقرار “أوبك” الخاطئ في نوفمبر/ تشرين الثاني 1997 برفع سقف إنتاجها بمقدار 1،5 مليون برميل يومياً، حيث قامت فنزويلا إلى جانب المملكة العربية السعودية والمكسيك في مارس/ آذار من عام 1998 بإجراء تخفيضات إنتاجية منسقة وضعت حداً لمنحى انهيار الأسعار ودفعت بالمنحى إلى الأعلى وصولاً إلى ما هو عليه اليوم. وكلنا يعلم أن فنزويلا هي صاحبة اقتراح آلية تسعير النفط في الأوبك التي تقضي بتدخل أعضاء المنظمة في السوق بضخ نصف مليون برميل إذا ما تجاوزت أسعار سلّة نفوط “أوبك” السبعة حاجز ال 28 دولاراً للبرميل، وتتدخل بخفض سقف إنتاجها بمقدار نصف مليون برميل يومياً إذا ما انخفضت الأسعار إلى ما دون 22 دولاراً للبرميل.
ولذلك نفهم حنق الإدارة الأمريكية الحالية على الرئيس شافيز ونظامه الحاكم. إلا أن الذي لا نفهمه ولا تفهمه الأسرة الدولية، بما فيها تلك التي تأمل في حدوث تغيير في فنزويلا، هو موقف “المعارضة” الفنزويلية الغريب الذي يتناقض ومصلحة البلاد!