السيد ياسين: التدخل السياسي والسيادة المنقوصة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
إذا كنا في إثارتنا لمشكلة الأمن العالمي والتحديات الخطيرة التي تواجهه في الوقت الراهن قد أشرنا الى ظاهرة الانتقاص من سيادة الدول سواء بسبب النزعة الى الانضمام لتكتلات دولية كالاتحاد الأوروبي، أو بسبب النفوذ الضخم للشركات دولية النشاط، أو بتأثير العولمة، فإن أحد الأسباب الرئيسية هو التدخل السياسي. ولا شك أن ممارسة التدخل السياسي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية خاصة في العقود الماضية، وبغير تقنين دولي واضح يحدد بدقة معناه والحالات التي يطبق فيها، ومن يقوم بالتطبيق، هو النموذج الواضح الآن للعدوان على سيادة الدول.
كان هذا الموضوع بالذات أحد الموضوعات الرئيسية التي نوقشت في مؤتمر دولي عقد في القاهرة يومي 11، 12 سبتمبر 2004 بعنوان: «التهديدات والتحديات والإصلاح: بناء الأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط والخليج«. وقد نظمت هذا المؤتمر مؤسسة الأمم المتحدة والمجلس المصري للشؤون الخارجية، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ومؤسسة فريدرش إيبرت الألمانية.
وقد دعيت لإلقاء بحث في الجلسة الثانية للمؤتمر والتي رأستها ليلى شرف وزيرة الإعلام الأردنية السابقة وعضو مجلس الأعيان، وكان موضوعها «الثقافة والاتصال والهوية« وقد آثرت أن أبدأ بحثي بالتركيز على التهديدات الجسيمة الموجهة للأمن العالمي من قبل القطب الأوحد، ونعني الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه التهديدات مبعثها الأصلي هو استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة التي أعلنها الرئيس بوش والتي ورد فيها أن سياسة الردع والاحتواء التي كانت سائدة طوال الحرب الباردة لم تعد تجدي في ظل التغيرات العالمية الراهنة. ولذلك تم ابتداع سياسة جديدة هي الضربات الاستباقية، وتعني بكل بساطة أن الولايات المتحدة الأمريكية لو شكت في «نوايا« دولة أخري أيا كانت في الإضرار بالأمن القومي لأمريكا، فإن من حقها منفردة وبغير قرار من مجلس الأمن أن تضربها ضربة عسكرية تجهض بها مشاريعها العدوانية.
والواقع أن المؤتمر الذي شاركت فيه تعود فكرته الى خطاب للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، والذي أشار إشارة واضحة ونقدية للمذهب الاستراتيجي الأمريكي الجديد عن الضربات الاستباقية، وتهديده الجسيم للأمن الدولي. وكون لجنة من كبار الشخصيات لبحث الموضوع وتقديم التوصيات المناسبة بعد أن تعقد مؤتمرات في مختلف القارات يحضرها خبراء وباحثين ومثقفين ودبلوماسيين.
*انتقادات الأمين العام
وقد وردت انتقادات الأمين العام للأمم المتحدة في الجلسة العامة السابقة للجمعية العامة في دورتها الثامنة والخمسون التي رأسها جوليان روبرت هنت.
وبعد ما أشار الأمين العام في كلمته الى الأخطار الجديدة التي يتعين مواجهتها وأهمها الإرهاب وانتشار أسلحة التدمير الشامل، قرر أن هناك خلافا حول كيفية التصدي لتلك الأخطار. واستعرض طريقة مواجهة هذه الأخطار منذ أن أنشئت منظمة الأمم المتحدة عن طريق الاحتواء والردع باستخدام نظام يستند الى الأمن الجماعي وميثاق الأمم المتحدة. حيث ان المادة 51 من الميثاق تطلب من جميع الدول إذا تعرضت للاعتداء، أن تحتفظ بالحق الطبيعي في الدفاع عن النفس. ووفقا للممارسات الدولية فإن الدول إن أرادت أن تذهب الى أبعد من ذلك وتقرر استخدام القوة للتعامل مع التهديدات الأوسع للسلام والأمن الدوليين، فلابد لها أن تلجأ الى شرعية قانونية يوفرها مجلس الأمن، وهذا عكس ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في حالة تدخلها السياسي في العراق وغزوها العسكري له. ويوجه كوفي عنان النقد المباشر للولايات المتحدة الأمريكية وإن لم يذكرها صراحة. ويقول بالنص «والآن يقول البعض (ويقصد الولايات المتحدة الأمريكية) أن هذا الفهم لم يعد يمكن الدفاع عنه، لأن الهجوم المسلح بأسلحة التدمير الشامل يمكن شنه في أي وقت دون إنذار أو عن طريق جماعة سرية. وبدلا من انتظار حصول ذلك، يجادلون بأن من حق الدول ومن واجبها استخدام القوة على نحو وقائي، حتى على أراضي دولة أخرى، بل وحتى حينما تكون منظومات الأسلحة التي قد تستخدم في الهجوم عليها ما زالت قيد التطوير. ووفقاً لهذه الحجة تصبح الدول غير ملزمة بالانتظار حتى يكون هناك اتفاق في مجلس الأمن. وبدلا من ذلك فإنها تحتفظ بالحق في أن تتصرف على نحو انفرادي أو في تحالفات مخصصة«.
وبعد ما فرغ كوفي عنان من شرحه لمذهب الضربات الاستباقية الأمريكية لم يتردد في نقده بجسارة ملحوظة، إذ قرر «أن هذا المنطق يمثل تحدياً أساسياً للمبادئ التي قام عليها، مهما كان ذلك على نحو ناقص، السلام والاستقرار العالميان في الأعوام الثمانية والخمسين الماضية.
وما يقلقني هو أن هذا المنطق، إذا تقرر اعتماده، من شأنه أن يضع سابقة تسفر عن انتشار استخدام القوة الانفرادي والخارج على القانون، بمبرر أو بدون مبرر«.
الخروج على القانون
ولا نجد أبلغ من تعبير كوفي عنان نفسه في هذا النص التاريخي الهام، حين قرر بكل وضوح أن استخدام دولة ما للقوة بشكل انفرادي وبدون ترخيص من مجلس الأمن هو خروج على القانون.
والواقع أن مناقشة «التهديدات والتحديات والإصلاح« وهو عنوان المؤتمر الدولي الذي أشرنا إليه، إن كانت في مجال التحديات فمن الطبيعي أن تركز على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الضربات الاستباقية باعتبارها تمثل التحدي الرئيسي الآن للأمن الدولي، فإن عليها في مجال التهديدات أن تعالج مباشرة القطب الآخر وهو الإرهاب الدولي، والذي أصبح بحكم انتشاره في مختلف القارات ظاهرة عالمية تستحق البحث المتعمق، سعياً وراء وضع استراتيجيات فعالة لمواجهتها.
ونقطة البداية في هذا البحث هو تحديد منهج علمي متكامل قادر على تحديد أسباب الظاهرة، بحيث لا نخضع للتعميمات الجارفة التي تربط ظاهرة الإرهاب بالمسلمين أو العرب - كما حدث بعد 11 سبتمبر - أو ترده الى ظاهرة الفقر المتزايد في البلاد النامية، أو الى انسداد آفاق المشاركة السياسية أمام ملايين من الشباب في البلاد العربية والإسلامية.
وهذا المنهج العلمي المتكامل ينبغي - كما قررت في بحثي الذي عرضته أمام المؤتمر الدولي في القاهرة - أن يعتمد على منهجية التحليل الثقافي. والتحليل الثقافي أصبح اليوم بعد ثبوت عدم صلاحية المناهج السياسية التقليدية في وصف وتفسير الظواهر العالمية، هو المنهج السائد الذي يطبقه علماء اجتماعيون من كافة التخصصات. ولعل أهم سمة لهذه المنهجية الصاعدة أنها تربط ربطا وثيقاً بين السياسة والاقتصاد والثقافة، مما يجعلها أقدر على الفهم المتعمق.
ولو طبقنا التحليل الثقافي على ظاهرة الإرهاب العالمي، لاكتشفنا عدم صحة العديد من التعميمات الجارفة المتداولة عن أسبابها الحقيقية.
والتعميم الأول يتعلق بجنسية أو دين الجماعات الإرهابية التي تمارس الإرهاب. تبلور هذا التعميم خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقيام مجموعة من الشباب العرب والمسلمين بهذه الأحداث كما أعلنت عن ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.
وفساد هذا التعميم يعود الى حقيقة أن الإرهاب ظاهرة عالمية مورست طوال عصر الحرب الباردة في أقطار شتى أولها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بينها ألمانيا حيث عملت جماعة ما ينهوف، وإيطاليا حيث عملت الأولوية الحمراء، واليابان وغيرها من الدول.
وفي كل حالة من الحالات كانت أسباب الإرهاب مختلفة، بحسب السياق الذي يمارس فيه. في حالتي ألمانيا وإيطاليا قامت بالإرهاب جماعات يسارية متطرفة مضادة تماما لتوجهات النظام الرأسمالي، وتريد القضاء عليه تمهيداً لتأسيس نظم اشتراكية بديلة.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فأسباب الإرهاب خليط من التوجهات الدينية المتطرفة، والنزعات السياسية. وبناء على هذه التوجهات الدينية والنزعات السياسية تشكلت ميلشيات عسكرية، تمارس تدريباتها في أماكن سرية في الولايات المتحدة، وقامت بينها وبين قوات المباحث الفيدرالية معارك شرسة سقط فيها الضحايا من رجال ونساء وأطفال.
ومن أبرز الحوادث الإرهابية الأمريكية تفجير تيموثي ماكفي للمبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، مما ترتب عليه مقتل أكثر من ثلاثمائة ضحية. والجاني الذي حكم عليه بالإعدام بعد محاكمته كان من بين المحاربين القدامي في فيتنام وارتكب الحادثة انتقاما من المباحث الفيدرالية التي ارتكبت مجزرة في حق جماعة دينية متطرفة. وهكذا فنسبة الإرهاب الى المسلمين والعرب وحدهم فيها تجاهل للحقائق التاريخية والواقعية.
أما التعميم الثاني والذي يربط بين الفقر والإرهاب فلا يقوم على أساس. فعديد من الإرهابيين ينتمون الى طبقات ميسورة. ومن هنا أهمية التحليل الثقافي في شرح الأسباب. وهذا التحليل يقوم على أساس الاهتمام برؤى العالم التي يعتنقها الناس. ورؤية العالم في تعريفها الإجرائي هي نظرة الشخص للكون والمجتمع والإنسان، والمعاني التي يعطيها لوجوده الإنساني. وهنا يمكن أن نجد شخصاً نتيجة لرؤيته للعالم يتبنى اتجاها دينيا متطرفاً، وقد يكون هذا الشخص يهودياً كما هو الحال بالنسبة لأعضاء حركة اليمين المتطرف في إسرائيل حيث يخلطون بين الدين والسياسة، أو مسيحيا كما هو حالة المحافظين الجدد في أمريكا ومن بينهم أعضاء إدارة بوش بل والرئيس بوش نفسه، الذي تختلط رؤاه الدينية بسياساته وتوجهاته إزاء الدول والشعوب، أو إسلاميا مثل بن لادن الذي تؤثر على أفعاله رؤيته للعالم بشقه الإسلامي وشقه الغربي. ومن هنا صاغ نظريته الشهيرة أن هناك فسطاطان (أي معسكران) فسطاط الكفر وهو الغرب، وفسطاط الإيمان وهو الإسلام.
ويبقى أخيراً التعميم الثالث والذي يتعلق بأن الإرهاب يرد الى انسداد آفاق التعبير الديمقراطي أمام الملايين من شباب المسلمين، مما جعلهم يلجأون الى العنف، والسؤال هنا هل هناك انسداد لآفاق التعبير الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وألمانيا مما أدي الى الإرهاب، أم أن الأسباب أعمق بكثير، لأنها ترد الى القيم الثقافية ورؤى العالم التي يعتنقها الناس؟
وأيا ما كان الأمر، فإن التهديد الأمريكي للأمن العالمي لا يعادله خطورة سوى الإرهاب الكوني، مما يجعل المواجهة الشاملة للأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية لتهديدات الأمن العالمي ضرورة عاجلة.